إِعْلَامُ النُّبَلَاءِ بِكَلَامِ الْفُقَهَاءِ فِي حُكْمِ تَقْبِيلِ أَيْدِي الصَّالِحِينَ وَالْعُلَمَـاءِ
18 فبراير، 2026
قضايا وأحكام

بقلم الدكتور : محمد عبدالحليم المعصراوى
في البداية أشير إلى موجة عارمة لدى بعض المتشددين والجهلاء وأنصاف المتعلمين بسبب رؤية طُلَّابِ الْأَزْهَرِ الشَّرِيفِ يقبّلون أيدي مشايخهم وعلمائهم!
وفي الحقيقة هذا الإنكار عار عن الصحة وبعيدٌ عن الحق تماماً، ولذا أحببت في هذا المقال أن أسلط الضوء على أَقْوَالِ الْفُقَهَاءِ في حكم تَقْبِيلِ أَيْدِي الصالحين والعلماء؟ ليظهر الأمر ولينجلى الحق لكل منصف عاقل يبغي الحق ويطلب المعرفة بإنصاف.
عُلَمَــــاءُ الْمَـــــذْهَبِ الْحَنَفِـــــيِّ:
فالأحناف صرحوا بجواز تقبيل يد العالم الصالح على سبيل التبرك والكرامة، قال الْحَصْفَكِيُّ الْحَنَفِيُّ: «(ولا بأس بتقبيل يد) الرجل (الْعَالِمِ) والمتورع على سبيل التبرك. درر. ونقل المصنف عن الجامع أنه لا بأس بتقبيل يد الحاكم والمتدين (السُّلْطَانِ الْعَادِلِ)»
الدر المختار، للحصفكي، ج6 ص 382 بحاشية ابن عابدين عليه.
وقال ابْنُ نُجَيْمٍ: «وتقبيل يد العالم والسلطان العادل لا بأس به؛ لما روي عن سُفْيَانَ أنه قال: تقبيل يد العالم والسلطان العادل سُنَّةٌ»
البحر الرائق، لابن نجيم، ج8 ص 221.
وذكر الزَّيْلَعِيُّ في تقبيل اليد ما نصه: «وأما على وجه البر والكرامة فجائز، ورخص الشيخ الإمام شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ، وبعض المتأخرين تقبيل يد العالم أو المتورع على سبيل التبرك، وقبل أَبُو بَكْرٍ بين عيني النبي صلي الله عليه وسلم بعدما قبض، وقال سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ تقبيل يد العالم أو يد السلطان العادل سنة، فقام عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ فقبل رأسه»
تبيين الحقائق شرح كنز الحقائق، للزيلعي، ج6 ص 25.
قال مُحَمَّدٌ الْبَابَرْتِيُّ الْحَنَفِيُّ: «فأما على وجه البر والكرامة إذا كان عليه قميص أو جبة فلا بأس به. وعن سُفْيَانَ رحمه الله: تقبيل يد العالم سنة، وتقبيل يد غيره لا يرخص فيه» العناية شرح الهداية، لمحمد بن محمود البابرتي، ج10 ص 52.
عُلَمَــــــــاءُ الْمَـــــذْهَبِ الْمَالِكِـــيِّ:
**************************
أما الْمَالِكِيَّةُ، فقد نقل عن الْإِمَامِ مَالِكٍ الكراهة، واتفق محققو المالكية مع الجمهور على جواز ذلك، وفسروا ما نقل عن الإمام مالك من الكراهة إن كان يفضي إلى الكبر، قال الْأَبْهَرِيُّ: وإنما كرهه مالك إذا كان على وجه التعظيم والتكبر، وقال النَّفْرَاوِيُّ: «منها تقبيل الأعرابي الذي قال: «أرني آية، فقال: اذهب إلى تلك الشجرة، وقل لها: النبي صلي الله عليه وسلم يدعوك، فتحركت يمينًا وشمالاً، وأقبلت إلى النبي صلي الله عليه وسلم وهي تقول: السلام عليك يا رسول الله، فقال له: قل لها ارجعي فرجعت كما كانت، فقبل الأعرابي يده ورجله، وأسلم». وغير ذلك من الأحاديث.
وإنكار مالك لما روي في تقبيل اليدين إن كان من جهة الرواية، فمالك حجة فيها لأنه إمام الحديث، وإن كانت من جهة الفقه، فلما تقدم وعمل الناس على جواز تقبيل يد من تجوز التواضع له وإبراره، فقد قبلت الصَّحَابَةُ يد رسول الله صلي الله عليه وسلم، ومن الرسول لفاطمة، ومن الصحابة من بعضهم، وظاهر كلامه ولو كان ذو اليد عالمًا، أو شيخًا، أو سيدًا، أو والدًا حاضرًا، أو قادمًا من سفر، وهو ظاهر المذهب»
الفواكه الدواني، للنفراوي، ج2 ص 326.
عُلَمَـــــــــاءُ الْمَــــــذْهَبِ الشَّافِـــعِيِّ:
***************************
وقد صرح الشَّافِعِيَّةُ باستحباب تقبيل يد العالم الورع، وكذلك كل صور الإجلال له ولغيره من أصحاب الفضيلة، قال النَّوَوِيُّ: «المختار استحباب إكرام الداخل بالقيام له إن كان فيه فضيلة ظاهرة من: علم، أو صلاح، أو شرف، أو ولاية، مع صيانة، أو له حرمة بولاية، أو نحوها، ويكون هذا القيام؛ للإكرام لا للرياء والإعظام، وعلى هذا استمر عمل السلف للأمة وخلفها (الرابعة): يستحب تقبيل يد الرجل الصَّالِحِ، والزاهد، والعالم، ونحوهم من أهل الآخرة، وأما تقبيل يده لغناه، ودنياه، وشوكته، ووجاهته عند أهل الدنيا بالدنيا، ونحو ذلك فمكروه شديد الكراهة، وقال الْمُتَوَلِّي: لا يجوز، فأشار إلى تحريمه، وتقبيل رأسه ورجله كيده»
المجموع، للنووي، ج4 ص 476، 477.
ومن ذلك ما ذكره شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا الْأَنْصَارِيُّ حيث قال: «(ويستحب تقبيل يد الحي لصلاح ونحوه) من الأمور الدينية كزهد، وعلم، وشرف، كما كانت الصحابة تفعله مع النبي صلي الله عليه وسلم، كما رواه أبو داود، وغيره بأسانيد صحيحة. (ويكره) ذلك؛ (لغناه ونحوه) من الأمور الدنيوية: كشوكته، ووجاهته عند أهل الدنيا» أسنى المطالب، للشيخ زكريا الأنصاري، ج3 ص 114.
وقال ابْنُ قَاسِمٍ الْعَبَّادِيُّ: «يسن تقبيل يد العالم، أو الصالح، أو الشريف، أو الزاهد كما فعلته الصحابة مع رسول الله صلي الله عليه وسلم، ويكره ذلك لغني، ونحوه، ويستحب القيام لأهل الفضل؛ إكرامًا لا رياء وإعظامًا، أي تفخيما . ا هـ. »
حاشية ابن قاسم العبادي على الغرر البهية، ج4 ص 100.
عُلَمَـــــاءُ الْمَــــــذْهَبِ الْحَنْبَلِــــــيِّ:
**************************
والحنابلة صرحوا بجواز تقبيل يد العالم والسلطان، قال المحقق الحنبلي ابْنُ مُفْلِحٍ: «أما تقبيل يد العالم والكريم لرفده، والسيد لسلطانه فجائز» الآداب الشرعية، لابن مفلح ج2 ص 260.
وقال السَّفَارِينِيُّ: «قال في مناقب أصحاب الحديث: ينبغي للطالب أن يبالغ في التواضع للعالم ويذل له. قال: ومن التواضع تقبيل يده. وقبل سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، والفضيل بن عياض أحدهما يد حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ الْجُعْفِيِّ، والآخر رجله. قال الإمام أَبُو الْمَعَالِي في شرح الهداية: أما تقبيل يد العالم والكريم لرفده والسيد لسلطانه فجائز، وأما إن قبل يده لغناه فقد روي: «من تواضع لغني لغناه فقد ذهب ثلثا دينه انتهى»
غذاء الألباب، للسفاريني، ج1 ص 334.
أهم مؤلفات العلماء في جواز تقبيل أيـــــدي الصــــالحيــــن والعلمــــاء:
كتاب: «الرُّخْصَةُ فِي تَقْبِيلِ الْيَدِ» لـ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُقْرِئِ.
كتاب: «الْقُبَلُ وَالْمُعَانَقَةُ وَالْمُصَافَحَةُ» لـ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ.
كتاب: «إِعْلَامُ النَّبِيلِ بِجَوَازِ التَّقْبِيلِ» للشيخ عَبْدِ اللهِ بْنِ الصِّدِّيقِ الْغُمَارِيِّ.
مما يؤكد أن الأمر مستحب وليس بمكروه ولا حرام كما يزعم المتشددون وأمثالهم.
والله من وراء القصد وهو حسبي ونعم الوكيل.