قراءة في تهافت الفكر الحداثي : الفكر الحداثي وتبديد الدين بخلخلة المصطلحات.
16 فبراير، 2026
الإسلام وبناء الحضارة

بقلم الشيخ: عماد الدين الغزالى
تقوم رؤية التيار الحداثي (التي برزت بوضوح عند محمد شحرور وغيره) على محاولة إحداث قطيعة بين مصطلحي “القرآن” و “الكتاب”، بزعم أن “الكتاب” هو الوعاء الشامل للتشريعات والعلوم، بينما “القرآن” هو الجزء المتعلق بالغيب والقصص فقط. الهدف من هذا التفريق هو إعادة قراءة الأحكام الشرعية وتفتيت حجيّتها باسم “القراءة المعاصرة”.
إليك أبرز نقاط الرد الشرعي والعلمي على هذا التفريق:
1. الوحدة الموضوعية والترادف الوصفي
يرى جمهور العلماء والمفسرين أن “القرآن” و”الكتاب” اسمان لشيء واحد، وهو كلام الله المنزل على النبي محمد ﷺ، واختلاف الأسماء هو اختلاف في الصفات:
الكتاب: يُسمى كتاباً لأنه يُكتب ويُسجل في السطور.
القرآن: يُسمى قرآناً لأنه يُقرأ ويُتلى ويُحفظ في الصدور.
وقد جمع الله بينهما في آية واحدة تأكيداً لهذا الاتحاد: {تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ} [النمل: 1].
2. الرد على حصر “القرآن” في الغيبيات والقصص
يزعم الحداثيون أن القرآن لا يحتوي على تشريع (آيات أحكام)، بل هي في “الكتاب” فقط. والرد من واقع النص:
القرآن يصف نفسه بأنه “هدى” و”بيان” و”فرقان” لجميع أمور الدين، بما فيها الأحكام.
الآيات التي نزلت بلفظ “القرآن” تضمنت أحكاماً عملية وتشريعية واضحة، كقوله تعالى عن الصيام: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ…} ثم أتبعها بأحكام الصوم.
3. تهافت المنهج اللغوي الحداثي
يعتمد الحداثيون على نظرية “الترادف ممتنع” (أي لا توجد كلمتان لهما نفس المعنى أبداً)، وهو ما يرفضه اللغويون والمفسرون في السياقات التي تقتضي المسمى الواحد:
تسمية القرآن “كتاباً” و”ذكراً” و”فرقاناً” هي أسماء مدح وتشريف لذات واحدة.
محاولة الحداثيين جعل لكل لفظ “حقيقة فيزيائية” أو “قانونية” مستقلة هو تعسف في اللغة لا يعرفه العرب الذين نزل القرآن بلسانهم.
4. الغاية من التفريق (نزع القدسية والإلزام)
الرد الجوهري يوضح أن هذا التفريق ليس بحثاً لغوياً بريئاً، بل وسيلة لـ:
تعطيل الأحكام: بادعاء أن الأحكام في “الكتاب” كانت لمرحلة معينة، وأن “القرآن” هو القيم الأخلاقية فقط.
ضرب الإجماع: الالتفاف على القواعد الأصولية التي استقرت منذ عصر الصحابة في فهم النص.
الخلاصة: إن القرآن هو الكتاب، والكتاب هو القرآن؛ وكلاهما وحي إلهي معصوم ومصدر مطلق للتشريع والهداية، والتفريق بينهما هو باب لتمزيق وحدة الوحي وإخضاعه للأهواء البشرية.