طبلة المسحراتي وحنين الروح

بقلم الدكتورة : تاليا عراوي كاتبة واخصائية في الأخلاقيات وناشطة في مجال حقوق الإنسان

بينما نرقب هلال الشهر الكريم وهو يطل علينا من خلف أستار الزمان، تنبعث في النفس أشواق قديمة لزمن كانت فيه الأيام تفيض بالبركة والبساطة. ومع أول نسمة رمضانية، تطرق الذاكرة أبوابها بلطف، فتنبعث صور ليال خلت حيث كانت العائلات تلتئم حول مائدة الإفطار في مشهد من الوحدة العضوية والروحية، وحيث كان الجيران يتبادلون الأطباق في طقس اجتماعي عفوي يعزز أواصر المحبة. في تلك الأيام، كانت يد العون تمتد إلى الأقل حظاً بكرامة تامة، فتقدم الوجبات والصدقات بقلوب مخلصة لا تبتغي ثناءً، وبعيداً عن عدسات الهواتف أو بريق الشهرة الزائف، فكان العطاء نقياً كنقاء النية. ولا يزال صدى كلمات المسحراتي يتردد في الوجدان، ذلك العملاق الرمضاني الذي كان سحره يدفعنا إلى الشرفات في جوف الليل، نتسابق لاقتناص نظرة منه وهو يشق صمت المنطقة بنقرات طبلته الرتيبة وصوته الرخيم وهو ينادي: “يا نايم وحد الدايم.. يا غافي وحد الله.. قوموا على سحوركم جاي النبي يزوركم.. سحور يا عباد الله”؛ كلمات بسيطة في مبناها، لكنها كانت كفيلة بهز أركان السكون وإيقاظ الروح قبل البدن بربطها بين الفعل المادي والبركة النبوية .لا أزال أذكر حين كان أحدنا يحالفه الحظ بلمحه، يصيح بلقفة وحماس: ها هو، ها هو ذا، تعالوا بسرعة!

أما اليوم، فقد تبدل المشهد تماماً، إذ تحول رمضان في الفضاء العام إلى مهرجان للاستهلاك؛ فحتى الإعلانات التجارية التي تملأ الشاشات والطرقات لم تعد تحتفي بالشهر كفرصة لاستعادة الذات أو كمخاض للتحول نحو الأفضل، بل اختزلت الشهر كله في صور باذخة للطعام والشراب، وأصبح الجري وراء الملذات هو العنوان، بدلاً من أن يكون فرصة لاستعادة الذات وتغييرها للأحسن. لقد أصبح الخطاب الإعلاني المعاصر يحاصر الفرد ببريق الموائد ولذة الأصناف، متجاهلاً أن رمضان هو في الأصل رحلة انعتاق من عبودية المادة، لا انغماساً جديداً فيها. لقد ضاع مفهوم الاستعلاء على الرغبة وسط ضجيج الترويج للملذات، وتحول المسحراتي في كثير من المدن إلى مجرد سيارة عابرة تطلق كلمات مسجلة عبر مكبر صوت بارد، ليفقد الطقس حرارته الإنسانية ويصبح جزءاً من مادية العصر الجافة.

لقد حل شهر رمضان المبارك ولكن هل تساءلنا يوماً هل أُخبرنا حقاً بماهية هذا الشهر على حقيقتها؟ إن البركة في رمضان هي الزيادة في الخير الإلهي؛ فهو شهر البركات لأنه يبارك في عمرك من خلال العبادة المضاعفة، ويبارك في جسدك بالتجديد الخلوي، ويبارك في روحك بالتحرر من المادة، ويبارك في مجتمعك بالإيثار والمحبة.

يظن أغلب الناس أنه مجرد شهر للإمساك عن الطعام والشراب بيد أن الأمر أعمق من ذلك بكثير، إذ إن رمضان في جوهره هو مدرسة للأخلاق ومنظومة متكاملة لتقويم السلوك البشري. لقد كنت أصغي إلى العديد من خطب الجمعة في المساجد على أمل سماع خطبة تتحدث عن روحانية رمضان وتلك الكيمياء الداخلية التي تهدف إلى تحويل الروح لا مجرد تغيير عادات المعدة، ولكي نفهم هذا الشهر يجب أن نغوص في أعماق قدسيته من منظور لاهوتي إسلامي حيث إن مكانته الرفيعة تنبع من كونه مهد الوحي، إذ هو الشهر الذي تقاطعت فيه الكلمة الإلهية مع العالم الأرضي لأول مرة مغيرًا بذلك مسار التاريخ البشري إلى الأبد.

إن هذه القدسية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بليلة القدر التي هي ليلة القيمة والشأن العظيم، ويخبرنا العلم اللاهوتي أن القرآن الكريم نزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا في هذا الشهر الكريم كما يقول الله تعالى في محكم تنزيله أن شهر رمضان هو الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، وبسبب هذا التنزل يمثل الشهر فرصة لشفافية الحجاب بين ما هو مادي وما هو روحي، فهو فترة لإعادة المعايرة الروحية حيث نتوقف عن إطعام الجسد لنتمكن أخيراً من تغذية القلب والارتقاء بالمنظومة الأخلاقية للفرد. وهذا الإمساك المادي لا يخلو من حكمة بيولوجية بالغة، فقد قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم في أثر مشهور أن الصوم يجلب الصحة، ويؤكد العلم الحديث الآن أن هذه الفترة من الصيام تتيح للجسم البدء في عملية الالتهام الذاتي وهي عملية تقوم فيها الخلايا بتنظيف النفايات الأيضية وإصلاح نفسها، ومن خلال إراحة الجهاز الهضمي يمكن للجسم توجيه طاقته نحو الشفاء والتجديد الخلوي الشامل، مما يثبت أن هذا التطهير الجسدي يحاكي التزكية الروحية والسمو الأخلاقي الذي يحدث في الداخل، ويؤكد أن الأوامر الإلهية تخدم كيان الإنسان بأكمله في حياته الدنيا وفي الآخرة على حد سواء.

ويؤكد القرآن أن الفعل المادي للصيام ليس إلا وسيلة لغاية أسمى بكثير وهي تحقيق التقوى التي هي قمة الأخلاق والالتزام الذاتي، حيث يقول الله تعالى أن الصيام كتب على المؤمنين كما كتب على الذين من قبلكم لعلهم يتقون ,والتقوى مشتقة من الجذر “وقي” وتعني الحماية أو الترس، وفي سياق رمضان يقع على عاتق كل مؤمن واجب اغتنام هذا الشهر لتعلم عادات جديدة وبناء درع واقية ضد نزواته الدنيئة، فهذا الشهر هو ميدان تدريب لكسر الأنماط الهدامة القديمة واستبدالها بشخصية نبوية منضبطة تلتزم بالحق والعدل في سائر أحوالها. إن رمضان يغرس في النفس أعظم المبادئ الأخلاقية وهو فعل الصواب والالتزام بالأمانة حتى في غياب الرقيب البشري، فالمؤمن يمتنع عن شربة الماء في شدة الظمأ وهو في خلوته لأنه يدرك أن عين الله تراقبه، وهذا التدريب اليومي هو الذي يبني الضمير الحي الذي لا يحتاج إلى سلطة خارجية ليوجه سلوكه نحو الفضيلة. ومن أسمى العادات التي يجب غرسها هو كف اللسان، فإن صيام اللسان لا يقل أهمية عن صيام الجوف، ولقد كان الصحابة إذا صاموا جلسوا في المسجد وقالوا نُطهر صيامنا فلا يغتابون أحداً. إن رمضان هو الوقت المناسب للإمساك عن ذكر الآخرين بسوء أو الخوض في النميمة والغيبة، وقد حذرنا القرآن بشدة من ذلك حين شبه الغيبة بأكل لحم الأخ ميتاً. وتكتمل هذه المراقبة اللسانية بالوعي بوعيد الله في قوله تعالى “وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ”؛ والويل هو وعيد شديد بالعذاب والهلاك لكل من جعل ديدنه الهمز وهو عيب الناس بالإشارة أو الفعل، واللمز وهو عيبهم بالقول واللسان. إن هذه الآية تضعنا أمام مسؤولية أخلاقية مرعبة؛ فالهماز اللماز هو الذي يسعى بين الناس بالنميمة ويفسد ذات البين بحثاً عن عثرات الآخرين، وهو فعل يتنافى تماماً مع جوهر التقوى. فإذا قضينا ساعات صيامنا وجوعنا في الغيبة أو كنا )لا قدر الله( ممن يهمز ويلمز، فقد ضيعنا جوهر الشهر وحولنا العبادة إلى مجرد طقس فارغ من المعنى.

إن اغتنام هذا الشهر يعني إحداث تغيير داخلي جذري نحو الخير، وهو أمر مرتبط دوماً بالمجتمع وإعانة الآخرين، وتقدم لنا سيرة النبي وأصحابه خارطة واضحة لهذا الانضباط الروحي؛ فلم يكونوا ينظرون إلى رمضان على أنه وقت للخمول، فقد روى ابن عباس أن النبي كان أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان و حين يلقاه جبريل فكان كالريح المرسلة في عطائه ينفق دون تردد أو خشية من الفقر. وكان الصحابة الكرام يسيرون على هذا النهج بجد واجتهاد، فكان عثمان بن عفان رضي الله عنه يُفطر الصائمين ويُطعم المساكين طعام الملوك ويأكل هو الخل والزيت تأديباً لنفسه وتواضعاً لربه، ولتحقيق هذا التحول المنشود يجب أن نتخلص من عادة السعي وراء نيل رضا الناس واستحسانهم، بل يكون العمل خالصاً لوجه الله وحده وهذا هو جوهر الإخلاص.

ولنتأمل قصة الفاروق عمر بن الخطاب الذي كان يحمل أكياس الدقيق الثقيلة على ظهره ليلاً ليوزعها على الفقراء وهو صائم، وعندما عرض عليه خادمه المساعدة ذكره عمر بأنه لا أحد يستطيع أن يحمل عنه أوزاره يوم القيامة، وكذلك عبد الرحمن بن عوف الذي كان يبكي عند مائدة إفطاره تواضعاً خشية أن يكون قلبه قد تعلق كثيراً بملذات الدنيا متذكراً من ماتوا ولم يجدوا ما يسترهم إلا كفناً قصيراً فظل قلبه خاشعاً. لقد أدرك هؤلاء الرجال أن الخير يكمن في الخدمة الخفية وفي كسر الأنا، وسعوا لإرضاء الله وحده معرضين عن حب الثناء، مؤكدين أن الأخلاق الحقيقية تظهر حين لا يراك أحد؛ كما فعل القاضي شريح الكندي الذي لم يمنعه مقام الخلافة من طلب البينة من علي بن أبي طالب في خصومته مع رجل من عامة الناس، وكما فعل عمر بن عبد العزيز حين كان يطفئ شمعة بيت المال إذا فرغ من شؤون المسلمين وبدأ في شؤون نفسه إبراءً لذمته أمام خالقه.

لقد كانت ذروة هذا التحول الروحي تتجسد في إحياء ليلة القدر، تلك الليلة التي كانت تكتسي فيها شوارعنا بمهابة لم نعد نراها اليوم. هل تذكرون كيف كانت الطرقات تفيض بالأطفال والبالغين، وهم يرتدون الملابس البيضاء الناصعة وأثواب رمضان التقليدية؟ كانت الحارات تتحول إلى قطعة من النور، حيث تتعالى أصوات التضرع والثناء على الله والصلاة على النبي في إحياء جماعي ينزع عن الروح غبار العام بأكمله. كانت تلك الليلة هي تجلي شفافية الحجاب في أبهى صورها، حيث الكل يرجو القبول ويسعى للتغيير الصادق. أما اليوم، فقد انزوت تلك المشاهد، وحلّ محلها الهدوء الموحش أو الانشغال بالشكليات البعيدة عن الجوهر، وكأننا فقدنا القدرة على الاحتفاء بالمعنى خلف المظهر.

إن الوعي بجوهر رمضان ليس إدراكاً يولد فقط مع ظهور الهلال أو رحيله وبزوغ فجر العيد، بل هو النداء الصامت والصارخ الذي يرافق الوجدان في كل لحظة، ليحفز الضمير ويمنع النفس من الركون إلى الطمأنينة الزائفة التي تغرق في شرك النجاح المادي؛ وذلك لتضمني أنكِ مهما ارتقيتِ في مراتب الدنيا وحصدتِ من نجاحات، سيظل قلبكِ مرآة صافية تعكس صدى تلك القيم السامية القائمة على الإيثار، والصدق، والأمانة التي لا تساوم. إن هذا الوعي المستمر يستمد نوره من المعنى الحقيقي والعميق للشهر الذي يتجلى في قوله تعالى :شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ؛ فهذا البيان الإلهي يذكرنا بأن رمضان هو “الفرقان” الدائم الذي ينير البصيرة ويحرر الروح من قيود المادة في كل حين.

إننا ندرك اليوم بأسى أن فقدان المسحراتي، وانزواء إحياء ليلة القدر خلف حجب الحداثة، لم يكن مجرد غياب لتقاليد قديمة، بل كان خفوتاً لروحانية أصيلة كانت تملأ الوجود. كم نشتاق إلى هيئة المسحراتي بزيّه التقليدي وطبلته التي كانت تجعل من السحر موعداً مع السماء! وكم كانت تغمرنا السعادة في أول أيام العيد، حين كنا ننتظر المسحراتي بشوق ليطرق أبوابنا، لا ليوقظنا للسحور هذه المرة، بل لنشكره ونودعه؛ فكنا نتسابق للامتنان له، كل واحدة منا بطريقتها الخاصة، شكراً لمن سهر لخدمة الروح. إن غيابه هو غياب لتلك “الحميمية” التي كانت تجعلنا نشعر أننا عائلة واحدة يوقظها صوت واحد وتجمعها ليلة واحدة. لقد كان يذكرنا أن الروح لا تحيا بالأدوات، بل باللمسات الإنسانية الصادقة، وفي ذلك الصوت الحنون الذي يخبرنا أن “النبي جاي يزورنا”، فيملأ قلوبنا باليقين أننا لسنا وحدنا في هذا العالم المادي الموحش.