حكم صوم يوم الشك
16 فبراير، 2026
قضايا وأحكام

بقلم : أ . د : السيد أحمد سحلول أستاذ الحديث الشريف وعلومه في جامعة الأزهر الشريف
عَنْ صِلَةَ بْن زُفَرَ الكوفي قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَمَّارٍ فِى الْيَوْمِ الَّذِى يُشَكُّ فِيهِ فَأُتِىَ بِشَاةٍ فَتَنَحَّى بَعْضُ الْقَوْمِ فَقَالَ عَمَّارٌ: مَنْ صَامَ هَذَا الْيَوْمَ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ (رواه البخاري).
يوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان ،وهو اليوم الذي يتحدث الناس فيه برؤية الهلال، ولم تثبت رؤيته أو شهد واحد فردت شهادته، أو شاهدان فاسقان فردت شهادتهما
استدل بهذا الحديث على تحريم صوم يوم الشك؛ لأن الصحابي لا يقول ذلك من قبل رأيه فيكون من قبيل المرفوع .
قال ابن عبد البر : هو مسند عندهم لا يختلفون في ذلك . وخالفهم الجوهري المالكي فقال : هو موقوف . والجواب أنه موقوف لفظا مرفوع حكما .
قال الطيبي : إنما أتى بالموصول، ولم يقل يوم الشك مبالغة في أن صوم يوم فيه أدنى شك سبب لعصيان صاحب الشرع فكيف بمن صام يومًا الشك فيه قائم ثابت ، ونحوه قوله تعالى: (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا)(هود:113) أي الذين أونس منهم أدنى ظلم ، فكيف بالظلم المستمر عليه ؟
وفائدة تخصيص ذكر كنية ” أَبَا الْقَاسِمِ ” الإشارة إلى أنه هو الذي يقسم بين عباد الله أحكامه زمانًا ومكانًا وغير ذلك(فتح الباري 6 / 147).
وعن ابْنِ عُمَرَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ عَنِ النَّبِيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ أَنَّهُ ذَكَرَ رَمَضَانَ فَقَالَ: «لاَ تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلاَلَ، وَلاَ تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ. فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ “(متفق عليه) . دلالة لمذهب مالك والشافعي والجمهور أنه لا يجوز صوم يوم الشك ولا يوم الثلاثين من شعبان عن رمضان إذا كانت ليلة الثلاثين ليلة غيم.
وقد صح عن أكثر الصحابة والتابعين ومن بعدهم كراهة صوم يوم الشك إنه من رمضان منهم علي وعمر وابن مسعود وحذيفة وابن عباس وأبو هريرة وأنس وأبو وائل وابن المسيب وعكرمة وإبراهيم والأوزاعي والثوري والأئمة الأربعة وأبو عبيد وأبو ثور وإسحاق .
** وجاء ما يدل على الجواز عن جماعة من الصحابة ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم ـ
قال أبو هريرة ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ـ : لأن اتعجل في صوم رمضان بيوم أحب إلي من أن أتأخر لأني إذا تعجلت لم يفتني وإذا تأخرت فاتني ومثله عن عمرو بن العاص
وعن معاوية ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ـ: لأن أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان .
وروى مثله عن عائشة وأسماء بنتي أبي بكر ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ .
فإن حال دون منظره غيم وشبهة
فكذلك لا يجب صومه عند الكوفيين ومالك والشافعي والأوزاعي والثوري ورواية عن أحمد
فلو صامه وبان أنه من رمضان يحرم عند الحنفية ، وبه قال الثوري ، والأوزاعي .
وقال ابن عمر ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ وأحمد وطائفة قليلة : يجب صومه في الغيم دون الصحو .
وقال قوم الناس : إن صام صاموا وإن أفطر أفطروا
وهو قول الحسن وابن سيرين وسوار العنبري والشعبي في رواية وأحمد في رواية
وقال مُطَرِّف بْن عَبْد اللَّه بْن الشِّخِّير وابن شُريح عن الشافعي وابن قتيبة والداودي وآخرون : ينبغي أن يصبح يوم الشك مفطرا متلومًا(منتظرًا) غير آكل ولا عازم على الصوم حتى إذا تبين أنه من رمضان قبل الزوال نوى وإلا أفطر .
ويوم الشك : هو أن يشهد عند القاضي من لا تقبل شهادته أنه رآه أو أخبره من يثق به من عبد أو امرأة فلو صامه ونوى التطوع به فهو غير مكروه عند الحنفية وبه قال مالك
والأفضل في حق الخواص صومه بنية التطوع بنفسه وخاصته وهو مروي عن أبي يوسف وفرض العوام التلوم إلى أن يقرب الزوال
وقيل : إلى الزوال فإن ظهر أنه من رمضان نوى الصوم وإلا أفطر وإن صام قبل رمضان ثلاثة أيام أو شعبان كله أو وافق يوم الشك يوما كان يصومه فالأفضل صومه بنية النفل
وقيل : الصوم أفضل
وتأويل النهي أن ينوي الفرض فيه
وقيل : إن وافق يوما كان يصومه فالصوم أفضل وإلا فالفطر أفضل
وقال الحنفية : صوم يوم الشك على وجوه :
الأول : أن ينوي فيه صوم رمضان وهو مكروه وفيه خلاف أبي هريرة وعمر ومعاوية وعائشة وأسماء ثم إنه من رمضان يجزيه وهو قول الأوزاعي
والثوري ووجه للشافعية وعند الشافعي وأحمد لا يجزيه إلا إذا أخبره به من يثق به من عبد أو امرأة .
والثاني : أنه إن نوى عن واجب آخر كقضاء رمضان والنذر أو الكفارة وهو مكروه أيضا إلا أنه دون الأول في الكراهة وإن ظهر أنه من شعبان قيل يكون نفلا وقيل يجزيه عن الذي نواه من الواجب وهو الأصح وفي (المحيط ) وهو الصحيح
والثالث : أن ينوي التطوع وهو غير مكروه عندنا وبه قال مالك
فقد حكي عن مالك جواز النفل فيه عن أهل العلم وهو قول الأوزاعي والليث وابن مسلمة وأحمد وإسحاق وفي ( جوامع الفقه ) لا يكره صوم يوم
الشك بنية التطوع
والأفضل في حق الخواص صومه بنية التطوع بنفسه وخاصته وهو مروي عن أبي يوسف وفي حق العوام اللوم إلى أن يقرب الزوال وفي ( المحيط ) إلى وقت الزوال فإن ظهر أنه من رمضان نوى الصوم وإلا أفطر
والرابع: أن يضجع في أصل النية بأن ينوي أن يصوم غدا إن كان من رمضان ولا يصومه إن كان من شعبان وفي هذا الوجه لا يصير صائما
والخامس :أن يضجع في وصف النية بأن ينوي إن كان غدا من رمضان يصوم عنه وإن كان من شعبان فعن واجب آخر فهو مكروه .
والسادس : أن ينوي عن رمضان إن كان غدا منه وعن التطوع إن كان من شعبان يكره (فتح الباري 10 / 279).