الحب من المحبة الإلهية إلى العمران
16 فبراير، 2026
أخبار العالم الإسلامى

بقلم أ.د/ مها محمد عبد القادر أستاذ أصول التربية كلية التربية بنات بالقاهرة – جامعة الأزهر
يعد الحب في الإسلام أصلًا راسخًا من أصول البناء الإنساني، وقيمةً عليا يتأسس عليها الإيمان، وتنبثق منها الأخلاق، ويتحقق بها العمران، فهو طاقة روحية وأخلاقية تعيد تشكيل الإنسان من الداخل، وتوجه سلوكه، ويتجلّى الحب أولًا في علاقة العبد بربه، ثم في محبته لرسوله ﷺ، ثم يمتد ليشمل علاقاتها جميعها، وبالكون من حوله، فيغدو نسقًا متكاملًا للحياة، وأصل هذا البناء هو حب الله سبحانه وتعالى؛ فهو الودود الذي وسعت رحمته كل شيء، فقال تعالى ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾، فجعل الله عز وجل المحبة أساس الصلة بين الخالق والمخلوق، وتقوم على القرب والأنس والثقة، فالإيمان تعلق قلبي بالله، واطمئنان إلى عدله، وثقة برحمته، وشعور دائم بمعيته.
ومحبة الله في الإسلام هي طريق عمليّ يترجم في السلوك والاتباع، قال تعالى ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، فجعل الله عز وجل الاتباع الصادق للرسول ﷺ برهان المحبة، وعلامة صدقها، وبالتالي تتحول المحبة إلى التزامٍ أخلاقي، وسيرٍ على منهجٍ قويم، ورقي روحي يطهر القلب من الأنانية، ويحرره من عبودية الشهوات، ويهذب الإرادة لتنسجم مع مراد الله، ومن ثمرات هذا الحب الإلهي أن يصير القلب حيًّا يقظًا، يرى في الطاعة قربًا، وفي العبادة أنسًا، وفي العمل الصالح تعبيرًا عن الوفاء،
فالمحب الحق يرتقي إلى مقام الإحسان؛ لأن الحب الصادق قوة دافعةٌ إلى مزيد من البذل والعطاء، وإلى تجاوز الذات في سبيل ما يرضي المحبوب، ومن أحب الله أحب ما يحبه الله من الطهر والعدل والرحمة، وسعى إلى ترجمة هذه القيم في واقعه اليومي، فيكون حبه ترجمةً عمليةً لإيمانه. وقد جاء في الأثر أن الله إذا أحبَّ عبدًا نادى جبريل: «إن الله يحبُّ فلانًا فأحبِبْه»، فيحبه جبريل، ثم يُنادى في أهل السماء، ثم يُوضع له القبول في الأرض؛ فالمحبة الإلهية لا تبقى سرًّا بين العبد وربه، بل تفيض نورًا ينعكس قبولًا وهيبةً وأثرًا طيبًا في الناس.
وفي ضوء ذلك يتأسس البعد العمراني للحب، حيث إن القلب الذي امتلأ بمحبة الله لا يمكن أن يكون مصدر أذى أو فساد، لأن من ذاق حلاوة القرب لا يرضى أن يكون سببًا في ظلم أو قطيعة، فالحب الإلهي يصوغ الضمير، ويهذب الإرادة، ويجعل الإنسان رقيبًا على نفسه قبل أن يكون خاضعًا لرقابة القانون، فحين يحضر الحب، يغيب العدوان، وتسكن الرحمة، ويزدهر العدل، ومن ثم ينعكس سكينةً في النفس تطمئن بها القلوب، واستقامةً في السلوك تتجلى في الصدق والأمانة، ورحمةً في التعامل تجعل الإنسان لين الجانب، قريبًا من الناس، نافعًا لهم، وبذلك يتحقق الاتساق بين الإيمان والعقيدة والعمل، والعمران، ويتحول الحب إلى طاقة بناء تصلح الفرد وتشيد المجتمع.
ويعد الحب الإلهي طريقًا لمعرفة الحق، وسلمًا يرتقي به السالك في مدارج القرب، حتى يبلغ مقام المحبة التي تملأ القلب نورًا، وتغمر الروح طمأنينةً، وتفتح البصيرة على معاني الحكمة والرحمة، فالمعرفة في هذا الأفق ليست معرفةً ذهنيةً وذوقيةٌ تثمر خشية وتعظيمًا، وتتحول إلى أخلاق وسلوك، وإذا كانت محبة الله هي الأصل الذي تتفرع عنه سائر المعاني، فإن حب الرسول ﷺ هو ترجمتها العملية، ويقول النبي ﷺ (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين)، فيجعل المحبة معيارًا لصدق الإيمان، وانحيازًا قلبيًا وقيميًا لمنهج الرسالة، فالنبي ﷺ هو المثل الأعلى للأخلاق.
ويتمثل حب الرسول ﷺ في اتباع واعٍ لسنته، وتمثّلٌ لأخلاقه، واستحضارٌ لرسالته في نشر الرحمة بين الناس، فقد كان ﷺ رحيمًا بالصغير، يُلاعبه ويحنو عليه، رفيقًا بالضعيف، يُجبر خاطره ويقضي حاجته، عادلًا مع المخالف، منصفًا حتى مع أعدائه، لا تحمله الخصومة على الظلم، ولا يدفعه الغضب إلى العدوان. فكانت سيرته مدرسةً عمليةً في الإنسانية الرفيعة، ومن أحبَّه حقًّا أحبَّ نهجه، وسار على طريقته في بناء مجتمعٍ قائمٍ على الرفق والتراحم وصيانة الكرامة. فالمجتمع الذي يصدق في محبة نبيّه ﷺ هو مجتمعٌ يترجم تلك المحبة إلى عدلٍ اجتماعيٍّ يرفع الظلم، ورحمةٍ بالفقراء والمهمّشين، وعنايةٍ بالضعفاء، واحترامٍ للتنوع الإنساني. ويجعل من خُلُق الرحمة سياسةً عامة، ومن العدل ثقافةً سائدة، ومن الإحسان سلوكًا يوميًّا، وهكذا يتكامل الحب الإلهي وحب الرسول ﷺ في تشكيل الضمير المسلم؛ فالأول يمنح الروح وجهتها، والثاني يمنحها المثال التطبيقي الذي تسير علي، وبيهما تتكون شخصيةٌ مؤمنةٌ متوازنة، تجمع بين صفاء العقيدة وجمال الخلق، وتُسهم في عمران الأرض بروحٍ من الرحمة والإنسانية.
وقد جعل الدين الإسلامي الحب أساسًا للعلاقات الإنسانية، فقد جاء في الحديث الشريف عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، وهنا يرتقي الحب إلى مستوى المعيار الأخلاقي، ليصبح ميزانًا للعدل، وروحًا للتكافل، وأساسًا للتضامن الاجتماعي، فالحب في الإسلام قوة أخلاقية متجددة تحول دون الكراهية، وتعيد بناء النسيج الاجتماعي والحفاظ على السلم المجتمعي، إنه طاقة عمرانية وروحية تغذي روابط المجتمع، وترسخ التماسك، ومن ثم تحقق الاستقرار، كما يزرع في النفوس القيم، ويزكي روح المسؤولية تجاه الآخرين، ليصبح الإنسان عضوًا فاعلًا ومحبًا، مؤثر في محيطه.
ويتجلى الحب بأبهى صوره في الدائرة الأسرية، فالإسلام جعل الزواج قائمًا على المودة والرحمة، وهما الركنان اللذان يضمنان الاستقرار النفسي والاجتماعي للأسرة، كما جاء في القرآن الكريم قال تعالي ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾، فالمودة هي الحب المتبادل، والرحمة هي الإحسان عند الضعف والعفو عند الزلل، وهو ما يجعل العلاقة الزوجية عقدًا أخلاقيًا طويل الأمد، ويثمر أسرةً متماسكة تنشئ أبناء أصحاء نفسيًا وأخلاقيًا، كما أن الحب يتجلى في علاقات الوالدين بالأبناء، والعكس صحيح، فهو من أعظم صور البر والوفاء، وينشئ جيلاً يعرف معنى الامتنان والمسؤولية، ويعيش في إطار قيم الرحمة والعدل والاحترام المتبادل، ليصبح الحب قاعدة أساسية لأسرة ومجتمع متماسكين، قادرين على مواجهة تحديات الحياة بثبات وأخلاق راسخة.
ونؤكد أن الحب في الرؤية الإسلامية هو علاقة متصلة بالله عز وجل، ورسالة أخلاقية، وفضيلة وقيمة حضارية؛ إنه شبكة علاقات تنسج المجتمع، وتمنحه التماسك والاستمرار، فالحب رحلة انتقالية من الأنا إلى نحن، إنه خروج من ضيق الذات إلى اتساع الجماعة، وسمو العطاء، وقوة تعيد للإنسان إنسانيته، وتربطه بخالقه، وتجعله أكثر رحمةً بالخلق، وحين نستعيد الحب في معناه القرآني والنبوي، ندرك أنه الطاقة التي تصلح القلوب، وتشيد البيوت، وتقيم المجتمعات على أساس التعارف والعدل والإحسان، فإذا كان العمران يحتاج إلى علم وعدل وقانون، فإنه قبل ذلك كله يحتاج إلى قلب يحب، لأن الحب هو الأساس الذي يُحيي القيم ويجعل الأخلاق فاعلة، ويجعل التراحم بين الناس مستدامًا وراسخًا.