مراحل تشريع الصيام 

بقلم الشيخ: أبو بكر الجندى

أول ما فرض من الصيام صيام يوم عاشوراء فقد أرسل النبي صلى الله عليه وسلم ضحى عاشوراء إلى قرى الأنصار: “من أصبح مفطرا فليتم بقية يومه، ومن أصبح صائما فليصم”، 

ثم نسخ صيام عاشوراء من الوجوب للاستحباب، قالت عائشة رضي الله عنها: “لما فرض رمضان ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء، ‌فمن ‌شاء ‌صامه ‌ومن ‌شاء ‌تركه”. 

ولما فرض صيام شهر رمضان مر تشريع صيامه بمراحل عديدة متنقلا ما بين التخفيف والتكليف حتى وصل إلى مرحلته الأخيرة التي نحن عليها اليوم؛ دربة للمكلفين تارة وتخفيفا عنهم ورحمة بهم تارة أخرى ، وهي كالتالي:

المرحلة الأولى: التخيير لكل الناس بين الصيام، أو الفدية وأن يطعم عن كل يوم أفطره مسكيناً، عن سَلَمَةَ بنِ الأكْوعِ رضي الله عنه قال: ” لَمَّا نَزَلَتْ: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}[البقرة: 184]، كَانَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُفْطِرَ وَيَفْتَدِيَ، حَتَّى نَزَلَتْ {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}[البقرة: 185]، فصامه كل مستطيع.

المرحلة الثانية: يصوم الصائم لغروب الشمس، ثم يأكل ويشرب حتى ينام وليس للفجر فإذا نام حرم عليه الطعام والشراب، وكان في هذه المرحلة حرج شديد على المسلمين، ويدل على ذلك قول الْبَرَاءِ بن عازب: ” كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَائِمًا فَحَضَرَ الْإِفْطَارُ فَنَامَ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَ، لَمْ يَأْكُلْ لَيْلَتَهُ وَلَا يَوْمَهُ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنَّ قَيْسَ بْنَ صِرْمَةَ الْأَنْصَارِيَّ كَانَ صَائِمًا، فَلَمَّا حَضَرَ الْإِفْطَارُ أَتَى امْرَأَتَهُ، فَقَالَ لَهَا: أَعِنْدَكِ طَعَامٌ؟ قَالَتْ: لَا، وَلَكِنْ أَنْطَلِقُ فَأَطْلُبُ لَكَ، وَكَانَ يَوْمَهُ يَعْمَلُ فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ، فَجَاءَتْهُ امْرَأَتُهُ، فَلَمَّا رَأَتْهُ، قَالَتْ: خَيْبَةً لَكَ، فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ غُشِيَ عَلَيْهِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ}[البقرة: 187]، وهذا الدليل هو الدليل ذاته للمرحلة الأخيرة.

المرحلة الثالثة: يصوم الصائم لغروب الشمس ثم يأكل ويشرب حتى للفجر، كما في الآية السابقة، وهذا التدرج التشريعي لهذه الفرضية؛ لأن النفوس لم تألف الصيام ولم تتعود عليه، فلما ألفته وذاقت حلاوته فُرض الصيام على الناس وتعين على النحو الذي ألفناه اليوم ، وبقيت الرخصة للذي لا يقدر على الصيام، يُفطر ويطعم عن كل يوم مسكيناً، فعن عبد الله بنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه أنّه لما قرأ قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}[البقرة: 184]، ويطيقونه أي يشق عليهم، قال رضي الله عنه: “لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ، هُوَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْمَرْأَةُ الْكَبِيرَةُ لَا يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَصُومَا فَيُطْعِمَانِ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا”.

وبذلك تحقق السهولة واليسر الذي قررته آيات الصيام في قوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ}، وقد يظن الظان أنَّه تعالى يريد بنا اليسر مرةً واحدة أو في الصيام وحده، فأكَّد تعالى دوام هذه الإرادة بنفي العسر أبدا، فقال تعالى: {وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}.