من مقاصد مشروعية الصوم:الالتزام بالواجب المهني

بقلم د : مهدى صالحى

سلسلة : مقالات في الفقه الإسلامي المعاصر المقال الثامن عشر:

إن النظر المقاصدي إلى النصوص لضرورة فقهية حضارية باعتبار أن أحكام الشرعة تقترن بعلل مصلحية في مختلف أبواب العبادات رغم أنها توقيفية،إلاأنّ الوقوف عند ظواهر الألفاظ هو اجتثاث لمقاصدها لأن الشريعة تنطوي على مصالح ممّا يُلزم العقل الإسلامي إلى قراءة الأحكام الشرعية التعبّدية وفقا للمقاربة المقاصدية المصلحية لصناعة وعي إسلامي شامل لفريضة الصوم الذي يعدّ فعلا تعبّديا لاينحصر في المواضبة على ذلك الجانب الشعائري رغم أهميته البالغة؛ذلك لأن العبادة في أبعادها الواسعة تلتقي مع دلالات المسؤولية الإنسانية على الصعيدين المهني والأسري مصداقا لقوله ﷺ :كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته “.

ومن هنا فإن المقصد من تشريع الصوم هو الالتزام بواجب التكليف الذي هو في حد ذاته مسؤولية حضارية إزاء علاقة المسلم الصائم بالمعبود وإزاء علاقته بالالتزامات الدنيوية كقضاء الحاجيات الإنسانية وتلبية المطالب الأسرية المادية كالنفقة والرعاية المعنوية تفعيلا لقيمة الخيرية للأهل -كما جاء في قوله ﷺ :خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي”بالّإضافة إلى إتقان العمل باستشعار الرقابة الإلــهية حتى تكتمل عبادة الصوم فتؤدّى على الوجه الذي تضبطه أحكام الشريعة مصداقا لقوله ﷺ:رُبّ صائم ليس له من صيامه إلاّ الجوع والعطش”.

وعلى هذا الأساس فإن البعد المقاصدي من تشريع الصوم ينحو منحى حضاريا بالجمع بين اتجاهات العبادة فإذا كان الاعتكاف في رمضان صنيعا نبويا اتخذه الصحابة من بعده أنموذجا تطبيقيا تحصيلا لأرقى درجات القرب وتحقيقا للمصلحة الآجلة كالأجر والثواب فإن الواجب المهني والإحسان إلى الخلق هو تنزيل عملي لمقاصد الصوم وبه يبلغ المسلم الصائم درجات المعتكف في رمضان ويقول ﷺ في ذلك:من بات كالاّ من عمل يديه بات مغفورا له”

وتأسيسا على هذه المقاربة المقاصدية التي تقدّم رؤية حضارية للصوم فإن بعض الظواهر الاجتماعية اليومية السائدة في رمضان تتنافى مع مقاصد هذه العبادة كالفجور في الخصام والعزوف عن المسؤولية المهنية الحضارية بالإدمان على التقنيات الالكترونية وتفاقم ظاهرة السهر بليل رمضان انشغالا بالملهيات والمغريات والنوم في نهاره وهذا إيحاء بالجهل بقوله تعالى:وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا .