ومايتبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن عبادة الشيطان وهم واختلاق
16 فبراير، 2026
منبر الأزهريين

بقلم فضيلة الشيخ : يوسف محمد السعداوىمن علماء الأزهر والأوقاف
لم يكن الشيطان إلا عدوا لدودا للإنسانية جمعاء داعايا إلى كل انحطات وخسة وفجر وخلاعة ومجون
إنه عدو احتقر آدم عليه السلام من أول وهلة وأعلن ذلك فى حضرة الحق سبحانه وتعالى حين قال (قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا)
فكان تعبيره هذا ينم عن حقد وكره وغل لآدم وذريته (لأحتنكن ذريته) والمعنى لأجعلنهم كالدواب والانعام اقودهم كما يقودون انعامهم باللجم فى الحنك إلى الضلال والغواية
وهذه قمة الاضلال لهم (إلا قيلا)ممن وعى وادرك هذه العداوة وناصبه العداء بمخالفة وساوسه والاستعاذة بالله من شرها
إلا أن اقواما توهموا أن له نفع وقد يأتى من وراءه خير وظنوا ذلك ظنا بغيهم وجهلهم فذهبوا يعبدونه بطقوس ما هى إلا فجر وانتكاسة انسانية تخطت بهم حدود إجرام الشيطان نفسه
يثبت الله هذه الحقيقة بقوله
(أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ)
لقد ألف الناس عبادة الأصنام فى القديم واتخذوهم شركاء لله فى عبادتهم إلا أن الله سبحانه وتعالى قال إن هذا مجرد وهم وظن سول لهم الشيطان تصوره على أن فى هذه الاصنام نفع أو ضر
ولكن غفلتهم كانت عن أن الله تعالى هو الملك الاوحد الذى له من فى السماوات والأرض
لكن ما يجرى فى زماننا هذا فاق كل التوقع من الشر الذى يحل بالانسانية
هذا الشر المتطاير أن ترى اقواما يصرحون بأنهم يعبدون الشيطان نفسه ويقدمون له القرابين
الأدهى والأمر أننا نجد بعدض من يدعون الثقافة والفهم يروجون أن هؤلاء الحمقى يرون الشيطان ويظهر لهم ويتحدث اليهم بل ويفتح لهم آفاق العلوم والتكنولوجيا المتفوقة وكأنها دعوة إلى أن يعبد الناس الشيطان
فهل ادعاء انهم يرون الشيطان ادعاء صحيح ؟
لقد اثبت القرآن الكريم أنه ادعاء باطل وأنه مجرد كذب وخداع وضرب من الظن حيث يقول سبحانه وتعالى (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ)
فهنا عندم تكلم عن فتنة الشيطان للناس عن طريق الهداية وعبادة الخالق سبحانه اثبت أنه لا يظهر لأحد فقال (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ )
ليصدق عليهم قوله تعالى (إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ)
لم يكن عمل الشيطان مع هؤلاء إلا تزيين سوء عملهم الذى ابتكروه من تلقاء انفسهم دون ادنى سلطان عليهم وهذا ما حكاه القرآن على لسان الشيطان نفسه فى خطبته المشهورة فى أهل النار ممن اتبعوه فحق عليهم عذاب الله فيها حيث يقول (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) فكان دوره مع الخلق هو الدعوة عن طريق الغواية بالوسواس
الوسواس الذى يتخنث به إلى عقول البشر ويمدهم به فى غيهم هو وقبيله من الإنس الذين اتبعوه ومردة الجن الذين فسقوا معه واتبعو غوايته
العجب أن الله سبحانه وتعالى اثبت مرارا وتكرارا فى القرآن الكريم أن كل ادعاءات البشر مجرد ظنون وتخرص اختلقوها من تلقاء انفسهم فاستغلها الشيطان وزينها لهم حتى أنهم باتباعهم الظن ظنوا أن الشيطان نفسه إله قادر ويعبد من دون الله تعالى
وقادر على تحقيق مطالبهم واعطاءهم ما يتمنون
السؤال هنا
هل الشيطان له القدرة على ذلك حقا ؟
لقد صور القرآن الكريم كيف أن الشيطان لا قدرة له وأنه يقهر أمام قدرة الله ويهزم بجنده أمام جند الله تعالى
فى معركة بدر الكبرى خرجت قريش بفرسانها وصناديدها بطرا ورءاء الناس بخيلاءها وكبرها لمواجهة النبى صلى الله عليه وسلم واصحابه والفرق كان بين الجيشين شاسع بالعدة والعتاد والعدد
فقريش بجيشها كانوا ثلاثة اضعاف المسلمين ولا مقارنة بينهم أيضا فى العتاد والزاد
كان الشيطان يدفع بوسواسه المشركين يملأ قلوبهم عجباً بقوتهم وكثرتهم بل اقنعهم أنه معهم بجنده
ولكن هيهات ،يقول الله تعالى (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ)
ابرز القرآن الكريم دوره فى هذه الآية أنه يدفع اولياءه فقط الى حتفهم وعند المواجهة مع جند الله تعالى يولى هارباً بعد أن يوردهم المهالك ولا يكن لهم ناصرا ابدا
هذه الآية تصور المشهد فى المعركة كما فسره النبى صلى الله عليه وسلم حين قال (لم يرى الشيطان ادحر ولا احقر ولا اغيظ من يوم بدر جاء بجنده مع المشركين فلما رأى جبريل عليه السلام يمسك بخطام فرسه نكص على عقبيه)
كما صورت الآية المشهد وتبرأ من المشركين
فانكسرت شوكتهم واندحرت الكثرة المتغطرسة من اولياء الشيطان أمام القلة القليلة من اولياء الله
السؤال هنا
أنى لقوم بعقولهم وعلومهم وما فتح الله عليهم من الدنيا فى هذا الزمان يذهبون من تلقاء انفسهم إلى طقوس وتراهات ويظنون أن الشيطان معبود ينفع ويضر فى ملك الله سبحانه وتعالى
وأنى للبعض من أمة الإسلام ينساقون وراء هذه التراهات ويتكلمون عن طاقات وعبثيات يزعمون أنها تستخدم لاستحضار الشيطان
أين هذا العقل الذى يتحدث بهذه الهترات من الظنون والتخامين وكلها ضرب من العبث
صدق الله العظيم حيث يقول (إن يتبعون إلا الظن وانهم إلا يخرصون)
إن كل تخوضات البشر فى معبودات من دون الله ماهى إلا ضرب من سفاهة عقول ظنت أنها تستطيع أن تتخير من دون الله آلهة تعبد تتماشى مع شذوذهم الفطرى وانتكاستهم الانسانية
والحقيقة أنهم قد ضلوا واضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل
والحقيقة أيضاً أن الكل اسرى فى ملكوت الله تعالى خاضعين لحكمه ولن يتفلت احد مهما حاول أو ادعى أنه يقدر على التفلت (إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا .نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا)
وفى كل يوم تزداد الأمانة ثقلا على أهل الحق فى مواجهة أهل الشر وانتكاساتهم الإنسانية ولا معين عليها إلا الله تعالى
دم طبين ونجانا الله تعالى وإياكم من فتن الشياطين
كل عام وانتم بخير