ضبطُ الصانعِ
16 فبراير، 2026
منبر الدعاة

بقلم: الدكتور: إسلام عوض مدير تحرير بجريدة الأهرام المصرية
لا يحل علينا شهر رمضان المبارك ليكون مجرد محطة زمنية للامتناع التقليدي عن الطعام والشراب نهارًا، بل هو في جوهره مدرسة متكاملة لتهذيب النفوس وتزكية الأخلاق، وفرصة ذهبية للمسلم المعاصر ليراجع سلوكياته وسط ضجيج الحياة المادية، ويقوّم ما اعوجّ من طباعه ليتزين بأخلاق الإسلام السمحة.
إن رمضان يعلمنا الصبر بمعناه الشامل؛ ليس فقط الصبر على الجوع والعطش، بل الصبر على كظم الغيظ وتحمل مشاق الحياة اليومية وضغوطها. إنه تدريب عملي يُعلي من قيمة “الترفع”، فالمسلم يتدرب فيه على أن الصبر هو مفتاح الفرج، وأنه السبيل الأسمى للرضا بأقدار الله والثبات على الطاعة في زمن المتغيرات المتسارعة.
وفي ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي يمر بها العالم اليوم، يبرز رمضان كشهر للجود والإحسان والبذل؛ فيه يتسابق المسلمون لإخراج الصدقات ومساعدة المحتاجين، متجاوزين الفردية المفرطة نحو التكافل الاجتماعي؛ حيث يشعر الغني بمعاناة الفقير، ويتقاسم الجميع خيرات الله في صورة من صور الوحدة والتلاحم التي تجعل من المجتمع جسدًا واحدًا.
يدعونا هذا الشهر الفضيل إلى ضبط إيقاع التعامل مع الناس؛ فمن لين الجانب والتسامح إلى العفو عند المقدرة، يطهر المسلم قلبه من الأحقاد والضغائن التي قد تخلّفها النزاعات اليومية؛ فرمضان يربي فينا الصدق والأمانة في القول والعمل والوفاء بالعهود والمواثيق، والنزاهة والشفافية؛ ليكون المسلم قدوة حسنة في كل تصرفاته، وحفظ اللسان والجوارح عن اللغو والغيبة والنميمة، والسمو بالروح نحو التفكر والتدبر.
حقيقة رمضان فرصة لا تُعوض لتقوية الروابط الأسرية والاجتماعية التي أضعفتها العزلة الرقمية والسعي وراء لقمة العيش؛ فرمضان شهر صلة الأرحام وتفقد الجيران ونشر الحب والوئام. وهو قبل ذلك كله، شهر القرآن والقيام والذكر، والاجتهاد في الإقبال على الله تعالى بالتوبة والاستغفار، واغتنام كل لحظة لنيل مرضاة الخالق.
إن الدرس الأهم الذي يقمه لنا رمضان هو الاعتدال والتوازن؛ في الطعام، والعبادة، والراحة، والتعامل. فالمسلم يخرج من رمضان بشخصية منضبطة تلتزم بالمسئولية والنظام، وتقدر قيمة الوقت، وتتفكر في ملكوت الله لتزداد بصيرة وحكمة.
وختامًا رمضان ليس مجرد شهر يمر، بل هو مشروع للتغيير الإيجابي وصناعة “أفضل نسخة” من ذواتنا. إنه شهر التسامح الذي تذوب فيه الخصومات، وشهر المسئولية الاجتماعية الذي يدفعنا لنكون دعاة للخير بالقدوة الحسنة لا بالموعظة فحسب.
فلنجعل من هذا الشهر نقطة انطلاق لتجديد العهد مع الله، وبناء الجسور مع المجتمع، وتغيير أنفسنا نحو الأفضل؛ فلا يدري أحد منا هل سيُدرك رمضانَ آخر، أم سيكون هذا الشهر هو مسك الختام لرحلته في هذه الدنيا.