مقامُ الوالديّةِ ونورُ الفطرة .. قراءةٌ بين خُلّةِ الخليلِ وصفوةِ الحبيب


بقلم الشيخ : عماد الدين الغزالى
واعظ أول وعضو لجنة فتوى بالأزهر الشريف

في مِحراِب البيان القرآني، تَتنزَّلُ الألفاظُ بقَدَر، وتُوزَنُ الحروفُ بميزانِ الحكمةِ التي لا تطيش؛ ومن أعجبِ ما استوقَفَ أربابَ البلاغةِ ذلك الفَصْلُ الحاسمُ بين مَقامِ «الأب» ومَقامِ «الوالد» في سيرةِ أبي الأنبياءِ إبراهيمَ عليه السلام.

لقد رَسَمَ القرآنُ لـ «الأبِ آزر» مَساراً انتهى بـ «البراءة»؛ فكان لفظُ “الأب” هُنا وعاءً لعلاقةِ التربيةِ والمواجهةِ التي تحطَّمت على صخرةِ العنادِ والشرك. فما كان استغفارُ إبراهيمَ له إلا «موعدةً» تلطَّفَ بها حلمُ الخليلِ طمعاً في هدايتِه، «فلمّا تبيَّنَ له أنّه عدوٌّ لله تبرّأ منه». هُنا انطوت صفحةُ “الأب” المشرك، لتبدأَ في خريفِ العُمرِ صفحةُ «الوالدِ» المؤمن؛ ففي سورةِ إبراهيم، وبعد أن بَلغَ من الكِبَرِ عِتيًّا، صَدَحَ الخليلُ بدعائه الخالد: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾.

ويا لِدقّةِ السَّبكِ! فقد عَدلَ عن لفظِ “الأب” إلى «الوالد»؛ ليُشيرَ إلى طهارةِ الصُّلْبِ ونقاءِ المَنبِتِ الذي لم يتنجَّس بوضَرِ الأوثان، وليُثبتَ أنَّ استغفارَه لـ «والديه» (الأصلِ المؤمنِ المباشر) هو استغفارٌ باقٍ ما بقيَ الدهر، بخلافِ تبرُّئِه من «أبيه» (العمِّ المشرِكِ المربي).

ومن سِدرةِ الخليلِ نَرتقي إلى رِحابةِ الحبيبِ ﷺ؛ حيث يَتجلَّى الإعجازُ في منعِه من الاستغفارِ لأمِّه «آمنة». إنَّ هذا المنعَ لم يكن لِشَوبِ كفرٍ -حاشاها- وهي التي حَمَلتْ بنورِ النبوةِ وانتقلتْ في أصلابِ الطاهرين، بل كان المنعُ لكمالِ التنزيه؛ فالاستغفارُ مَحضُ طَلَبٍ لِمحوِ “ذنب”، والأمُّ الطاهرةُ كانت من «أهلِ الفَتْرة» الذين انقطعَ عنهم التكليفُ بسقوطِ البلاغ. وإذا انعدمَ التكليفُ استحالَ الذنب، وإذا استحالَ الذنبُ صارَ طلبُ الاستغفارِ مَنبوذاً لانتفاءِ مَحَلِّه.

فكانَ الحبيبُ ﷺ يزورُها برًّا، ويَبكيها رَحمةً، ويُمسكُ عن استغفارِها امتثالاً؛ لأنَّ مَقامَها عندَ اللهِ هو مَقامُ «النجاةِ بالفطرة» لا «المغفرةِ بعد الخطيئة». إنها صِيانةٌ إلهيةٌ لساحةِ مَن حَملتْ بصاحبِ الشفاعة، فكيف يُطلَبُ لها “الغفران” وهي التي لم تُلوِّثْها آثامُ الجاهليةِ ولم يَلحقْها ذمُّ التكليف؟

هكذا يأتلفُ العِقدُ: إبراهيمُ يَهجُرُ «أباً» مشركاً ويَبرُّ «والداً» مؤمناً، ومحمدٌ ﷺ يُعظِّمُ «والدةً» طاهرةً نَجَتْ بنورِ الفطرةِ وسُموِّ الرتبةِ عن مَقامِ المذنبين المُحتاجين للاستغفار. إنها سِلسلةُ الطهرِ التي تأبى إلا أن تظلَّ مَوصولةً بمددِ الإيمان، مُنزَّهةً عن دَنَسِ الأوثان، من لَدُنِ الخليلِ إلى يومِ يُبعثُ الثَّقلان.