القرآن والسنة (تكامل لا تقابل)

بقلم د. محمود فتحي أبوالليل
دكتوراه في اللغويات (النحو والصرف والعروض)
مدرس بالجامعة المصرية للثقافة الإسلامية كازاخستان

في أروقة الفكر الإسلامي المعاصر، نشأ استقطاب حاد يشبه في حدته انقسام النهر إلى فرعين؛ أحدهما يندفع بقوة نحو “التجريد”، والآخر ينكفئ على “الجمود”.

وفي خضم هذا الصراع، ضاع الميزان الذي قامت عليه هذه الأمة، وهو ميزان التكامل لا التقابل.

على الضفة الأولى، يقف “القرآنيون” الذين رأوا في التاريخ ركاماً، وفي المرويات خلطاً، فقرروا اعتزال السنة جملة وتفصيلاً. هؤلاء أرادوا حماية الدين من “الدخيل” -حسب زعمهم- فوقعوا في فخ أعظم: لقد حولوا القرآن من منهج حياة نابض إلى نص نظري صامت.

إنهم كالذي يملك “خارطة طريق” مفصلة لكنه يرفض استخدام “البوصلة” التي ترشده لكيفية قراءتها. فبدون السنة، ضاعت الصلاة في دهاليز التأويل، وغدت التشريعات خاضعة لأهواء العصر ومزاجه المتقلب، فصار كل فرد “نبياً” لنفسه، يفسر النص كما يشتهي، متناسياً أن الذي أنزل القرآن هو الذي قال: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ}.

وعلى الضفة المقابلة، يقف فريق جعل من “الرواية” غاية في ذاتها، فتشبث بآحاد الأخبار وظواهر النصوص دون عرضها على “محكمات الكتاب”. هؤلاء غفلوا عن أن السنة هي الظل، والقرآن هو الأصل، والظل لا يمكن أن يتجاوز الأصل أو يصطدم به.

لقد قبلوا مرويات قد تتعارض في ظاهرها مع مقاصد القرآن الكبرى كـ “العدل” و”الرحمة” و”الحرية”، وبرروا ذلك بـ “صحة السند” متجاهلين “علة المتن”. والنتيجة؟ دين يبدو في نظر الناس وكأنه مجموعة من المتناقضات، ونصوص تُستخدم لضرب نصوص أخرى، مما أورث الأمة انغلاقاً فكرياً جعلها عاجزة عن مواكبة روح العصر بمرجعية قرآنية صلبة.

إن الخطأ المشترك بين الفريقين هو الفصل بين المصدرين؛ فالسنة لم تأتِ لتكون ديناً موازياً، بل لتكون الروح التطبيقية للقرآن.

والميزان الصحيح الذي غاب عن هؤلاء وهؤلاء هو “منهج العرض”؛ فالنبي ﷺ لا يمكن أن يقول ما ينقض كتاب الله، والسنة هي الوعاء الزمني والمكاني للقيم القرآنية المطلقة.

فالقرآن هو القانون الدستوري، والسنة هي اللائحة التنفيذية. لا قيمة للدستور دون تنفيذ، ولا شرعية للتنفيذ إذا خالف الدستور.

إن المخطئ هو من ظن أن بإمكانه الاستغناء بالعين عن النور (القرآنيون)، أو من ظن أن النور يكفي دون عين تبصره وتطبقه (الحَرْفِيُّون).

إن الخروج من هذا المأزق يتطلب العودة إلى الوحدة العضوية بين الكتاب والسنة. فاليقين القرآني هو المظلة التي تستظل بها السنة، والبيان النبوي هو المفتاح الذي يفتح كنوز القرآن. وبغير هذا التلاحم، سنبقى نراوح مكاننا بين “تأويل جاهل” و”انغلاق غافل”.

و قد  وضع الأصوليون (كالإمام الشافعي في “الرسالة” وعيسى بن أبان من الحنفية) ضوابط دقيقة لهذا العرض:

قاعدة “عدم المعارضة للمحكم”:

يُعرض الحديث على آيات القرآن المحكمة. فإذا جاء حديث يوهم ظاهره عذاب قوم لم يأتهم رسول، عُرض على قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا}. فإن استحال الجمع أو التأويل، قُدم نص القرآن ورُدّ الحديث عِلماً أو سياقاً.

قاعدة “البيان لا الزيادة المناقضة”:

السنة وظيفتها “البيان” (تخصيص عام، تقييد مطلق). فإذا جاء الحديث ليغير حكماً قرآنياً جذرياً أو يهدم أصلاً قرآنياً، اعتُبر ذلك شذوذاً في المتن يُوجب التوقف.

قاعدة “اتفاق المقاصد”:

القرآن جاء بمقاصد كبرى (حفظ النفس، الدين، العقل، النسل، المال). أي حديث يُفهم منه إهدار لهذه المقاصد دون مسوغ شرعي قطعي، يُعاد النظر في فهمه ليوافق المقصد القرآني.

وعرض السنة على القرآن” لا يعني ضرب الأحاديث بالتشهي، بل هو عمل “المجتهد الراسخ” الذي يعرف أساليب اللغة العربية، ولا يسارع للرد إلا بعد استنفاد طرق “الجمع والتوفيق”.

فجمهور أهل العلم يقدمون الجمع ثم النسخ ثم الترجيح ثم التوقف عند تعارض الأدلة في الظاهر.

إن إحياء هذا المنهج هو الكفيل بإنهاء الصراع بين الفريقين؛ فهو يحفظ للسنة مكانتها كبيان للقرآن، ويحفظ للقرآن هيبته كحاكم ومهيمن على كل مروي.

رزقنا الله وإياكم الفقه في الدين، وهدانا سواء السبيل.