خطبة بعنوان ( ففروا إلى الله ) للدكتور محمد حرز
15 فبراير، 2026
خطب منبرية

خطبة بعنوان ( ففروا إلى الله )
للدكتور : محمد حرز
الْحَمْدُ لِلَّهِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا لَا مُنْتَهَى لِحَدِّهِ، وَلَا حِسَابَ لِعَدَدِهِ، وَلَا انْقِطَاعَ لِأَمَدِهِ، وَلَا مُنْتَهَى لِأَبَدِهِ، ﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ﴾ [الإِسْرَاء: 44]، وَأَشْهَدُ أَن لَا إِلَـٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الْأَرْضُ أَرْضُهُ، وَالْخَلْقُ خَلْقُهُ، وَالْأَمْرُ أَمْرُهُ، وَنَحْنُ مِلْكُهُ وَعَبِيدُهُ، وَمَا بِنَا مِن نِعْمَةٍ فَمِنْ فَضْلِهِ وَجُودِهِ، ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [النِّسَاء: 83]، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَمُصْطَفَاهُ وَخَلِيلُهُ، الْبَدْرُ جَبِينُهُ، وَالْيَمُّ يَمِينُهُ، وَالإِيمَانُ سَفِينُهُ، وَالْحَنِفِيَّةُ دِينُهُ، وَالْحَقُّ جَلَّ وَعَلَا نَاصِرُهُ وَمُعِينُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ وَأَنْعَمَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلهِ الطَّيِّبِينَ ، وَصَحَابَتِهِ الْمُكَرَّمِينَ، وَالتَّـَابعِينَ وَتَابِعِيهِمْ بِإحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ؛ أَمَّا بَعْدُ: فَأَوْصِيكُمْ – أَيُّهَا النَّاسُ – وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ؛ فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى حَقَّ تَقْوَاهُ، وَاستَمْسِكُوا مِنَ الدِّينِ بِأَوْثَقِ عُرَى، وَاحْذَرُوا أَسْبَابَ سَخَطِ الْجَبَّارِ؛ فَقَدْ أَعَدَّ النَّارَ لِمَن عَصَاهُ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْعَزَّ كُلَّهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَأَنَّ الشَّقِيَّ الْمُخْذُولَ مَنْ اسْتَسْلَمَ لِهَوَاهُ، وَانْقَادَ لِلشَّيْطَانِ وَلِشَهَوَاتِ نَفْسِهِ فَأَرْدَاهُ؛ ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [القصص: 50]. عِبَادَ اللهِ : (( فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ)) هُوَ عُنْوَانُ وَزَارَتِنَا وَعُنْوَانُ خُطْبَتِنَا
عَنَاصِرُ اللِّقَاءِ:
-
أَوَّلًا: الفِرَارَ الفِرَارَ عِبَادَ اللهِ
-
ثَانِيًا: ثَمَرَاتُ الفِرَارِ إلَى اللهِ
-
ثَالِثًا وَأَخِيرًا: فِرَارٌ قَبْلَ فَوَاتِ الأَوَانِ!!!
أيُّهَا السَّادَةُ: بَدَايَةً مَا أحْوَجَنَا فِي هَذِهِ الدَّقَائِقِ المَعْدُودَةِ إِلَى أَنْ يَكُونَ حَدِيثُنَا عَنْ ((فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ)) وَخَاصَّةً وكُلُّ مَنْ خِفْتَ مِنْهُ فَرَرْتَ مِنْهُ بَعِيدًا، إِلَّا اللَّهَ تَعَالَى لَا تَهْرُبْ مِنْهُ إِلَّا إِلَيْهِ: فَإِنَّهُ بِحَسَبِ الْخَوْفِ مِنْهُ يَكُونُ الْفِرَارُ إِلَيْهِ، ﴿ اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإِ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ ﴾ [الشُّورَى: 47]. وَخَاصَّةً في زَمَنٍ غَفَلَ فيهِ الكَثِيرُ مِنَ النَّاسِ عَنِ اللَّهِ وَغَفَلَ فيهِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَغَفَلَ فيهِ عَنْ لِقَاءِ اللَّهِ وَالْدَّارِ الآخِرَةِ ، خَاصَّةً عِنْدَ الاخْتِلافِ وَالفِتَنِ وَالْمِحَنِ والبَلَايَا وَتَكالُبِ الأَعْداءِ نحن في حاجة إلى الفرارِ إلى الله خَاصَّةً وَنَحْنُ في حَاجَةٍ إِلَى رَبِّنَا وَرَبُّنَا لَيْسَ في حَاجَةٍ إِلَيْنَا وَاللَّهُ غَنِيٌّ عَنَّا وَعَنْ عِبَادَتِنَا ، خَاصَّةً وَاللَّهُ جَلَّ وَعَلاَ لا تَنْفَعُهُ طَاعَةُ الطَّائِعِينَ وَلا يَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ الْعَاصِينَ إِنَّمَا نَفْعُ الطَّاعَةِ لِصَاحِبِهَا وَضَرَرُ الْمَعْصِيَةِ لِفَاعِلِهَا ، وَخَاصَّةً وَكُلُّ طُرُقِ الدُّنْيَا مَكْتُوبٌ عَلَيْهَا انْتَبِهْ الطُّرُقُ مُرَاقَبَةٌ لَا تَسْرِعْ إِلَّا الطَّرِيقَ إِلَّا اللَّهُ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ وَسَارِعُوا وَسَابِقُوا فْفِرُوا إِلَى اللَّهِ، وَخَاصَّةً وكُلُّنَا فُقَرَاءُ إلى اللهِ تعالى، في جَمِيعِ شُؤُونِنَا، بَلْ في كُلِّ كَبِيرَةٍ وَصَغِيرَةٍ، فُقَرَاءُ إلى اللهِ تعالى في صِحَّتِنَا قَبْلَ سَقَمِنَا، فُقَرَاءُ إلى اللهِ تعالى في غِنَانَا قَبْلَ فَقْرِنَا، فُقَرَاءُ إلى اللهِ تعالى في أَمْنِنَا قَبْلَ خَوْفِنَا، فُقَرَاءُ إلى اللهِ تعالى في حَيَاتِنَا قَبْلَ مَوْتِنَا، وَلَيْسَ لَنَا في الحَقِيقَةِ إِلَّا اللهُ تعالى.
تَأَهَّبُوا فَإنَّ الأَجَلَ قَرِيبٌ******شَمِّرُوا فَإنَّ الأَمْرَ جِدٌّ
تَزَوَّدُوا فَإنَّ السَّفَرَ بَعِيدٌ*****أَكثِرُوا الزَّادَ فَإنَّ المَسَافَةَ بَعِيدَةٌ
أَخْلِصُوا النِّيَّةَ فَإنَّ النَّاقِدَ بَصِيرٌ*****خَفِّفُوا الأَثْقَالَ فَإنَّ فِي الطَّرِيقِ عَقَبَةً كَؤُودٌ
-
أَوَّلًا: الفِرَارَ الفِرَارَ عِبَادَ اللهِ
أيُّهَا السَّادَةُ: اللَّهُ جلَّ جلالَهُ بحكمتِهِ البالغةِ، ومشيئتِهِ النافذةِ، خلقَ الإنسانَ ضعيفًا، محدودَ القدرةِ، متواضعَ الإمكانياتِ، وجعلَهُ محتاجًا من كلِّ ناحيةٍ، وجعلَ هذه الاحتياجاتِ ضروريةً متكررةً، فهو في كلِّ لحظةٍ من لحظاتِ حياته لا ينفكُّ أن يكونَ محتاجًا حاجةً ماسَّةً إلى خالِقهِ ومولاَهُ، فإنْ لم يرجعْ إليْهِ اختيارًا، رجعَ إليْهِ اضطرارًا، وإنْ لم يتذكَّرْهُ إيمانًا، فسيتذكَّرْهُ قهرًا، وإنْ لم يناجِهِ في الرخاءِ، ناداهُ في الشدَّةِ؛ بينما اللهُ تباركَ وتعالى يناديه: ﴿ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ ﴾ [الزمر: 54]، ﴿ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ ﴾ [الزمر: 54]، فهو سبحانه الملاذُ والملجأُ، ولا ملجأَ منه تعالى إلا إليه، وهو سبحانه الْمُغيثُ لعبادِهِ، ولا مغيثَ سواه: ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ ﴾ [الإسراء: 67
فلا فِرارَ من اللهِ -تعالى- إلا إليه، كما جاءَ في الدُّعاءِ قبلَ النّومِ: “اللهم أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ؛ رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ”. فإذا عَرَفَ الإنسانُ المَهالِكَ والمَخاوِفَ والمَكارِهَ فيما سِوَى اللهِ، وذاقَ الهَلعَ والجَزعَ والقَلقَ بعيدًا عن اللهِ، سيَعلَمُ حينَها يَقينًا أنَّه لا نَجاةَ ولا أمانَ، ولا سَعادةَ ولا اطمِئنانَ، إلا بالرُّجوعِ إلى العَزيزِ الرَّحمنِ، فيأتي سؤالٌ ليُجيبَ عن السُّؤالِ: ماذا يُسمَّى الرُّجوعُ إلى اللهِ -تعالى- من هذه المَهالِكِ والمَخاوِفِ؟، وماذا يُسمَّى الرُّجوعُ من الهَلاكِ المُحَقَّقِ إلى بَرِّ الأمانِ؟، أليسَ هذا الرُّجوعُ يُسمَّى فِرارًا؟ .. بَلَى واللهِ. قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ الْفِرَارُ نَوْعَانِ: فِرَارُ السُّعَدَاءِ: الْفِرَارُ إِلَى اللَّهِ – عَزَّ وَجَلَّ -. وَفِرَارُ الأَشْقِيَاءِ: الْفِرَارُ مِنهُ لَا إِلَيْهِ) [3}
وَكلمةُ الفِرَارِ تَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهَا مَعْنَى الجِدِّيَّةِ وَالعَزِيمَةِ، وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَأْمُرُنَا أَنْ نَتَلَقَّى أَوَامِرَهُ بِالعَزْمِ وَالجِدِّ قَالَ تَعَالَى: ﴿خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾[ البَقَرَةِ الآيَةُ: 93] وَقَالَ تَعَالَى ﴿ وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ ﴾[ الأَعْرَافِ الآيَةُ: 145] وَقَالَ لِيَحْيَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾[ مَرْيَمَ الآيَةُ: 12] أَي بجدٍّ وَاجْتِهَادٍ وَعَزْمٍ، لَا كَمَنْ يَأْخُذُ مَا أُمِرَ بِهِ بِتَرَدُّدٍ وَفَتُورٍ.
الفِرَارُ إِلَى اللَّهِ يَقْتَضِي الْمُبَادَرَةَ وَالْمِسَارَعَةَ وَالْمُسَابَقَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- (( بَادِرُوا )).وقوله(( إِذا هَمَمْتَ فَبَادِرْ وَإِذا عزَمْتَ فَثَابِرْ وَاعْلَمْ أَنهُ لَا يُدْرِكُ المَفَاخِرَ مَنْ رَضِيَ بِالصَّفِّ الْآخَرِ.
وَقَالَ اللَّهُ جَلَّ جَلاَلُهُ {وَسَارِعُوا} وَقَالَ سُبْحَانَهُ {سَابِقُوا} وَقَالَ {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} فَإِن لَمْ تَكُنْ أَسَدًا فِي الْعَزْمِ وَلَا غَزَالًا فِي السَّبَقِ فَلَا تَتَثَعْلَبْ.
الفِرَارُ يَقْتَضِي عَدَمَ الْالْتِفَاتِ لِغَيْرِ اللَّهِ هَذَا الَّذِي فَرَّ إِلَى اللَّهِ لَا تَعْنِيهِ الأَشْكَالُ، لَا تَعْنِيهِ الْمَظَاهِرُ، لَا تَعْنِيهِ الْأَلْقَابُ، لَا تَعْنِيهِ الْمَرَاتِبُ الْعَالِيَةُ، اَلَّتِي يُعَظِّمُهَا النَّاسُ ، وَلَكِنَ الَّذِي يَعْنِيهِ الِاتِّصَالُ بِاللَّهِ ، الإِخْلَاصُ لِلَّهِ ، يَعْنِيهِ الْعَمَلُ الصَّالِحُ الَّذِي يُرْضِي اللَّهَ ، يَعْنِيهِ الشَّوْقُ إِلَى اللَّهِ ، لِأَنَّ فِرَارَهُ فِرَارٌ دَاخِلِيٌّ، فَرَّ مِنْ نَفْسِهِ إِلَى اللَّهِ، مِنْ حَظُوظِهِ إِلَى اللَّهِ، مِنْ هُمُومِهِ إِلَى اللَّهِ ، مِنْ رَغَبَاتِهِ إِلَى اللَّهِ، مِنْ حَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ إِلَى اللَّهِ وَلِسَانُهُ حَالُهُ {إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي} [العنكبوت: 26] {إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ } [الصافات: 99]
إِنَّ في تَقَلُّبِ الدَّهْرِ عَجَائِبَ، وَفي تَغَيُّرِ الأَحْوَالِ مَوَاعِظَ، تَوَالَتْ عَلَيْنَا الهُمُومُ وَالأَحْزَانُ، وَتَوَالَتْ وَتَكَاثَرَتْ عَلَيْنَا النَّكَبَاتُ، وَطَغَتِ المَادَّةُ عَلَى القُلُوبِ حَتَّى مَلَأَتِ القُلُوبَ قَلَقَاً وَاضْطِرَابَاً، وَضَعْفَاً وَهَوَانَاً، وَعَمَّ الخَوْفُ وَالهَلَعُ مِنَ المُسْتَقْبَلِ، وَنَسِيَ الكَثِيرُ رَبَّهُمْ فَنَسِيَهُمُ اللهُ تعالى، مَعَ أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ حَذَّرَنَا مِنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾. وَبِقَوْلِهِ: ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾. مَعَ أَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وتعالى خَاطَبَهُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. لَقَدْ طَلَبَ مِنَّا الغَنِيُّ عَنَّا أَنْ نَفِرَّ إِلَيْهِ تعالى ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللهِ﴾ فَالفَرَارُ إلى اللهِ تعالى وَاللُّجُوءُ إِلَيْهِ في كُلِّ حَالٍ وَفي كُلِّ كَرْبٍ وَفي كُلِّ هَمٍّ وَغَمٍّ هُوَ السَّبِيلُ للتَّخَلُّصِ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَمٍّ وَغَمٍّ وَكَرْبٍ وَبَلَاءٍ وَغَلَاءٍ وَتَسَلُّطٍ مِنَ الأَعْدَاءِ.
الفَرَارُ إلى اللهِ تعالى هو السَّبِيلُ الوَحِيدُ للتَّخَلُّصِ مِنَ الضَّعْفِ، وَالفُتُورِ وَالذُّلِّ وَالهَوَانِ. فَيَا صَاحِبَ المَصَائِبِ وَالرَّزَايَا، فِرَّ إلى اللهِ تعالى. يَا صَاحِبَ المَصَائِبِ والمِحَنِ وَالبَلَايَا، فِرَّ إلى اللهِ تعالى.
يَا صَاحِبَ العَيْنِ البَاكِيَةِ وَالقَلْبِ الحَزِينِ، فِرَّ إلى اللهِ تعالى.
وإذا العنايةُ لاحظتَك عيونُها *** لا تخشَ من بأسٍ فأنتَ تُصانُ
وبكلِّ أرضٍ قد نزلتَ قِفارَها *** نَمْ فالمخاوفُ كلُّهنَّ أمانُ
فيا أيُّها الخائفُ من الرِّزقِ والحاجةِ والفَقرِ، ويخشى الغلاءَ وقِلَّةَ الدَّخلِ وتقلُّباتِ الدَّهرِ، انظرْ إلى السَّماءِ، واسمعْ لهذا النِّداءِ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ)[فاطر: 3]، فالفقرُ وإن جاءَ فلا خوفَ على هذه الأمَّةِ منه، كما قالَ -عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ-: “وَاللهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنِّي أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ”، بل الخوفُ من الغِنى وكثرةِ الأموالِ وانفتاحِ الدُّنيا، كما قالَ -تعالى-: (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ)[الشورى: 27].
وَإِنْ ضَاقَ رِزْقُ اليَوْمِ فَاصْبِرْ إِلَى غَدٍ**عَسَى نَكَبَاتُ الدَّهْرِ عَنْكَ تَزُولُ فإذا خِفتَ من رزقِكَ وأردتَ النَّجاةَ، فتذكَّرْ قولَه -تعالى-: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ)[الذاريات: 50].
وإذا هاجَمَك شَبحُ الأحزانِ والهمومِ، وتكالبَ عليكَ رُعبُ الحَسراتِ والغمومِ، فتذكَّرْ أنَّ لكَ ربًّا هو الحيُّ القيومُ، ناداهُ عبدٌ ضعيفٌ فقيرٌ من بطنِ حوتٍ في المُحيطِ، ومن يظنُّ أن ينجوَ هذا والموتُ بهِ مُحيطٌ، (فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)، فما هي النَّتيجةُ: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ)، وهل هي خاصةٌ به؟، لا واللهِ، بل قالَ سُبحانَه بعدَها: (وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ)[الأنبياء: 87- 88].
يا نفسُ لا تَجْزَعي من شدةٍ عَظُمَتْ *** وأيقنِي من إلهِ الخَلْقِ بالفَرَجِ
فإذا أقلقتكَ همومُكَ وأردتَ السَّعادةَ في الحياةِ، فتذكَّرْ قولَه -تعالى-: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ)[الذاريات: 50].
وإذا حاصرتكَ يوماً الأمراضُ والأوجاعُ، وأصبحتَ أنتَ والموتُ في صِراعٍ، فتذكَّرْ ذلكَ العبدَ المريضَ الضَّعيفَ المسكينَ، الذي قضى مع الآلامِ السَّاعاتِ واللياليَ والسِّنينَ، فرَفضَه النَّاسُ القريبُ والبعيدُ، إلا امرأتَه ورَجلينِ من أصحابِه، فلما طالَ به البلاءُ، رفعَ رأسَه إلى السَّماءِ، وأحسنَ إلى خالقِه النِّداءَ: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)، فأتاهُ الجوابُ الفوريُّ: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا)، وهل هذه الرَّحمةُ خاصةً به؟، بل قالَ –سُبحانَه- بعدَها: (وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ)[الأنبياء: 83- 84].
أَيْنَ إِيمَانُنَا بِاللهِ تعالى الفَعَّالِ لِمَا يُرِيدُ، الذي يَقُولُ للشَّيْءِ كُنْ فَيَكُونُ، وَالذي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، وَالذي لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ في الأَرْضِ وَلَا في السَّمَاءِ؟
أَيْنَ تَوَكُّلُنَا عَلَى اللهِ تعالى القَائِلِ: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾. وَالقَائِلِ: ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾؟
أَيْنَ يَقِينُنَا بِاللهِ تعالى الذي مَا شَاءَ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ؟ وَرَحِمَ اللهُ تعالى مَنْ قَالَ:
وَإِذَا عَــرَتْكَ بَلِيَّةٌ فَاصْبِرْ لَهَا *** صَـبْـرَ الــــكَرِيمِ فَإِنَّهُ بِكَ أَعْلَمُ
وَإِذَا شَكَوْتَ إِلَى ابْنِ آدَمَ إِنَّمَا *** تَشْكُو الرَّحِيمَ إِلَى الَّذِي لَا يَرْحَمُ
فَفِرُّو إلى اللهِ وَاهْرُبُوا أيُّها الناسُ مِنَ النارِ، وَمِنْ عِقابِ اللهِ إلى رَحْمَتِهِ، بِالإيمانِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ، واتِّباعِ أَمْرِهِ والعَمَلِ بِطاعَتِهِ. فِرُّوا مِمَّا يَكْرَهُهُ اللهُ ظاهِرًا وباطِنًا، إلَى مَا يُحِبُّه ظاهِرًا وباطِنًا. فِرُّوا مِنْ الجَهْلِ بِدينِهِ وَشَرِيعَتِهِ إلَى العِلْمِ بِالتَّوْحِيدِ والسُّنَّةِ وبِمَا يَقُومُ بِهِ دينُكُم ، وَمِنْ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، وَمِن الْمَعْصِيَةِ إلى الطاعةِ، وَمِن الغَفْلَةِ إلى ذِكْرِ اللهِ، حَتَّى الْمَكْرُوبُ والْمُتَضَرِّرُ يَفِرُّ إِلى اللهِ بِدُعائِهِ والتَضَرُّعِ إِلَيْهِ والاستِغاثَةِ بِهِ، لِكَشْفِ ضَرِّهِ وكَرْبِهِ، سَواءً كانَ مَرَضًا أَو فَقْرًا أَو دَينًا أَو هَمًّا. فَنَفِرُّ مِنَ الْجَهْلِ إِلَى الْعِلْمِ، وَمِنَ الْكُفْرِ إِلَى الْإِيمَانِ، وَمِنَ الشِّرْكِ إِلَى التَّوْحِيدِ، وَمِنَ الْبِدْعَةِ إِلَى السُّنَّةِ، وَمِنَ الْمَعْصِيَةِ إِلَى الطَّاعَةِ، وَمِنَ الْغَفْلَةِ إِلَى الذِّكْرِ، وَنَفِرُّ مِنْ أَسْبَابِ غَضَبِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ إِلَى أَسْبَابِ رَحْمَتِهِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنَ الْمُعَافَاةِ، وَنَفِرُّ مِنَ الْفِتَنِ وَمُضِلَّاتِهَا. وَنَفِرُّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى؛ بِتَوْحِيدِهِ، وَالسَّعْيِ إِلَى مَرْضَاتِهِ، وَجَنَّتِهِ، هَرَبًا مِنْ سَخَطِهِ وَعُقُوبَتِهِ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَلَهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ هِجْرَتَانِ: هِجْرَةٌ إِلَى اللَّهِ بِالطَّلَبِ وَالْمَحَبَّةِ، وَالْعُبُودِيَّةِ وَالتَّوَكُّلِ وَالْإِنَابَةِ، وَالتَّسْلِيمِ وَالتَّفْوِيضِ، وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهِ، وَصِدْقِ اللُّجْأِ وَالِافْتِقَارِ فِي كُلِّ نَفَسٍ إِلَيْهِ. وَهِجْرَةٍ إِلَى رَسُولِهِ فِي حَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، بِحَيْثُ تَكُونُ مُوَافِقَةً لِشَرْعِهِ الَّذِي هُوَ تَفْصِيلُ مَحَابِّ اللَّهِ وَمَرْضَاتِهِ)
وَلَرُبَّ نازلةٍ يضيقُ بها الفتى ****ذَرْعاً وعندَ اللهِ منها المخرَجُ
ضاقتْ فلمَّا استحكمتْ حلقاتُها ***فُرِجَتْ وكانَ يظنُّها لا تُفرجُ
ثَانِيًا: ثَمَرَاتُ الفِرَارِ إلَى اللهِ.
أيُّهَا السَّادَةُ : الفِرَارُ إِلَى اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا لَهُ فَضَائِلُ وَثَمَرَاتٌ عَدِيدَةٌ مِنهَا عَلَى سَبِيلِ الْمَثَالِ لَا الْحَصْرِ :
مَنْ فَرَّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا؛ أَمَّنَهُ اللَّهُ فِي الْآخِرَةِ: قَالَ تَعَالَى: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ﴾ [عَبَسَ: 34-37].
الْفِرَارُ إِلَى اللَّهِ سَبَبٌ لِمَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي وَالْآثَامِ فعَنْ أَبِي ذَرٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- ، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، فِيمَا رَوَى عَنِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: (( يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ )) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- ، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، فِيمَا يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ: (( أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا، فَقَالَ: اللهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: عَبْدِي أَذْنَبَ ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، اعْمَلْ مَا شِئْتَ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ ))
الْفِرَارُ إِلَى اللَّهِ سَبَبٌ مِّنْ أَسْبَابِ دُخُولِ جَنَّةِ النَّعِيمِ قَالَ جَلَّ وَعَلَا((﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 133]. قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ((فَمَن خَافَ أَدْلَجَ – أَي: خَرَجَ لَيْلًا حَتَّى يَبْتَعِدَ عَنْ مَنْطِقَةِ الْخَطَر – وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِلَ – يَعْنِي: وَصَلَ إِلَى بَرِّ الْأَمَان – أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ؛ أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ))؛ فَالأَمْرُ يَسْتَحِقُّ الْفِرَارَ إِلَى اللَّهِ.
الْفِرَارُ إِلَى اللَّهِ سَبَبٌ مِّنْ أَسْبَابِ النجاة من الفتن فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : (( يُوشِكَ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الرَّجُلِ غَنَمٌ، يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الجِبَالِ وَمَوَاقِعَ القَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ )). يا ابن آدم فرَّ إلى ربك في الدنيا راغبا مختارا قبل أن يأتي يوم تفرُّ إليه وأنت مضطرٌ إليه – وليس لك إلا هو – ولكن لا ينفعك الفرار حينها لأنك قد فررت منه وأعرضت عنه في الدنيا قال تعالى : { يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (10) كَلَّا لَا وَزَرَ (11) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ } [القيامة: 10 – 12] وقال جل شأنه : {يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ} [غافر: 33]وقال جل وعلا :{مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ } [الشورى: 47]فإذا خِفتَ على نفسِك من الفتنِ، وأردتَ الثَّباتَ، فتذكَّرْ قولَه -تعالى-: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ)[الذاريات: 50].
الْفِرَارُ إِلَى اللَّهِ سَبَبٌ مِّنْ أَسْبَابِ قبولِ الدعاءِ: يَا عِبَادَ اللهِ: قُولُوا لِكُلِّ مَرِيضٍ: وَلِكُلِّ مَدِينٍ: وَلِكُلِّ مَكْرُوبٍ، وَلِكُلِّ مَظْلُومٍ، وَلِكُلِّ مُعْسِرٍ، وَلِكُلِّ فَقِيرٍ، وَلِكُلِّ مَحْرُومٍ، وَلِكُلِّ صَاحِبِ حَاجَةٍ، وَلِكُلِّ مَنْ ضَاقَتْ عَلَيْهِ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، اشْكُ أَمْرَكَ إلى مَنْ قَالَ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾. ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾.﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ﴾ (النمل: 62) قَوِّ صِلَتَكَ مَعَ اللهِ تعالى القَائِلِ: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامَاً﴾. قَوِّ صِلَتَكَ مَعَ اللهِ تعالى القَائِلِ: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾. خَاطِبْ مَوْلَاكَ عَزَّ وَجَلَّ قَائِلَاً لَهُ:
أَنْـتَ المَلَاذُ إِذَا مَا أَزْمَةٌ شَمِلَتْ*** وَأَنْتَ مَلْجَأُ مَـنْ ضَاقَتْ بِهِ الْحِيَلُ
أَنْـتَ المُنَادَى بِهِ فِي كُــلِّ حَادِثَةٍ *** أَنْتَ الْإِلَهُ وَأَنْــتَ الذُّخْرُ وَالأَمَلُ
أَنْتَ الغِيَاثُ لِمَنْ سُدَّتْ مَذَاهِبُهُ *** أَنْتَ الدَّلِيلُ لِمَنْ ضَـلَّـتْ بِهِ السُّبُلُ
إِنَّـا قَـصَـدْنَـاكَ وَالآمَالُ وَاقِعَةٌ *** عَـلَـيْـكَ وَالكُلُّ مَلْهُوفٌ وَمُبْتَهِلُ
وَرَحِمَ اللهُ تعالى مَنْ قَالَ:
كَـمْ حَارَبَتْنِي شِدَّةٌ بِجَيْشِهَا *** فَضَاقَ صَدْرِي مِنْ لِقَاهَا وَانْزَعَجْ
حَـتَّى إِذَا أَيِسْتُ مِـنْ زَوَالِهَا *** جَـاءَتْنِي الأَلْطَافُ تَسْعَى بِالفَـرَجْ
-
ثَالِثًا وَأَخِيرًا: فِرَارٌ قَبْلَ فَوَاتِ الأَوَانِ!!!
أَيُّهَا التَّائِهُ … أَيُّهَا الْمُتَحَيِّرُ … أَيُّهَا الْمُتَبَاطِئُ … أَيُّهَا الْخَائِفُ … أَيُّهَا الْعَاصِي … أَيُّهَا الْمُثْقَلُ بِالذُّنُوبِ وَالْأَوْزَارِ … أَيُّهَا الْأَسِيرُ لِشَهَوَاتِهِ الْمُكَبَّلُ بِالْقُيُودِ وَالْأَغْلَالِ … يَا مَنْ أَسَرَهُ الشَّيْطَانُ وَلَا يَسْتَطِيعُ الْخَلَاصَ وَالْفِرَارَ …. يَا مَنْ ضَاقَ صَدْرُهُ وَأَحَاطَتْ بِهِ الْهُمُومُ وَالْأَحْزَانُ : { فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ } ﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ﴾ [الذَّارِيَاتِ: 50]، وَحَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَزِنُوا أَقْوَالَكُمْ وَأَعْمَالَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا؛ ﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [النُّورِ: 31]، ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ [الْبَقَرَةِ: 281]. ﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ﴾ [الذَّارِيَاتِ: 50]، فَمَهْمَا طَالَ الْإِمْهَالُ، فَلَا بُدَّ مِنْ نِهَايَةِ الْآجَالِ، وَمَهْمَا ٱمْتَدَّتِ الْأَعْمَارُ، فَسَتَأْتِي سَاعَةُ ٱلْاحْتِضَارِ، فَالْيَوْمَ عَمَلٌ وَلَا حِسَابٌ، وَغَدًا حِسَابٌ وَلَا عَمَلٌ، وَالْكَيِّسُ الْفَطِنُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ، وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ ٱلْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ الْمُتَوَانِي مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الْأَمَانِيَّ؛ ﴿ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ﴾ [الشعراء: 205 – 207]، ﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾ [الغاشية: 25، 26].
﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ﴾ [الذاريات: 50]؛ ((فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حِجَابٌ وَلَا تُرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلِهِ، وَيَنْظُرُ أَمَامَهُ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ)).
﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ﴾ [الذاريات: 50] فـ((إن الله لَيُمْلِي للظالم، حتى إذا أخَذَهُ لم يُفْلِتْه))، ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ﴾ [النمل: 69]، ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا ﴾ [محمد: 10]، ولقد أملى لله لفرعون أربعين سنة: ﴿ حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ ﴾ [يونس: 90 – 92].
﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ﴾ [الذاريات: 50]، ﴿ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴾ [الزمر: 56 – 59].
﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ﴾ [الذاريات: 50]، فَلَوْ رَأَى الإِنْسانُ مَا بَقِيَ مِنْ أَجْلِهِ، لَزَهِدَ فِي طُولِ أَمَلِهِ، وَلَأَقْلَعَ عَنْ خَطَأِهِ وَجَهْلِهِ، وَلَرَغِبَ فِي إِصْلاحِ نَفْسِهِ وَتَزْكِيَةِ خُلُقِهِ وَعَمَلِهِ؛ ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴾ [آل عمران: 30].
﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ﴾ لأنـــك لَن تَجِدَ أَعظَمَ وَأَقوى مِنَ اللّٰهِ فِي حِفظِكَ مِنْ أَعْدائِكَ فَالْإنسانُ الضَّعيفُ لابُدَّ أَنْ يَلْجَأَ فِي مَا يُعْرَضُ لَهُ مِنْ أُمورٍ إِلَى جِهَةٍ يَرَاهَا قَوِيَّةً وَقَادِرَةً عَلَى أَنْ تَحْمِيَهُ أَوْ تُوَفِّرَ لَهُ الأَمْنَ وَالاِطْمِئنانَ، فَإِلَى مَنْ يَتَجِهُ، وَإِلَى مَن يَفَوِّضُ أُمورَهُ ؟ { يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر: 15]ولا ملجأ للعبد منه سبحانه إلا إليه فعَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُا- ، أنها سمعت رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُول وهو ساجد : (( اللهُمَّ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ )). ﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ﴾ لَن تَجِدَ أَكرَمَ وَأَجْوَدَ مِنَ اللّهِ يَا ابْنَ آدَمَ الْكُلُّ يُرِيدُكَ لِنَفْسِهِ، وَاللّهُ عَزَّ وَجَلَّ يُرِيدُكَ لَكَ فَانتَبِهْ لِهَذَا الْمَعْنَى !! فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : (( يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً )). وقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- :قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : (( يَا ابْنَ آدَمَ ، قُمْ إِلَيَّ أَمْشِ إِلَيْكَ ، وَامْشِ إِلَيَّ أُهَرْوِلْ إِلَيْكَ )).
﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ﴾ لَن تَجِدَ أَحْلَمَ وَأَرْحَمَ مِنَ اللَّـهِ فعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- ، أَنَّهُ قَالَ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِسَبْيٍ فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ، تَبْتَغِي، إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ، أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : (( أَتَرَوْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟ )). قُلْنَا: لَا، وَاللهِ وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : (( لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا )). وعَنْ أَبِي مُوسَى -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- ، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، قَالَ: (( إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا )). {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِني لَكُمْ مِنهُ نَذِيرٌ مُبِين} [الذاريات: 50] الفرار إليه بالتوبة الصادقة ومثال ذلك فرار الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك قال تعالى في شأنهم : {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة: 118]
فَلِمَاذَا عِبَادَ اللَّهِ نُؤَخِّرُ الْفِرَارَ إِلَى الْعَزِيزِ الْجَبَّارِ؟
لِمَاذَا نُؤَخِّرُ الْفِرَارَ إِلَى الْواحِدِ الْقَهَّارِ؟
هَلْ نَحْنُ مُغْتَرُّونَ بِصِحَّتِنَا وَقُوَّتِنَا الَّتِي هِيَ إِلَى ضَعْفٍ وَزَوَال؟
أَمْ نَحْنُ مُغْتَرُّونَ بِأَمْوَالِنَا الَّتِي لَنْ يَلْحَقَنَا مِنْهَا شَيْءٌ إِذَا مِتْنَا؟
أَمْ نَحْنُ عَالِمُونَ بِمَوْعِدِ مَوْتِنَا وَانْتِقَالِنَا عَنْ هَذِهِ الْحَيَاةِ؟
لِهَذَا نَحْنُ نُؤَخِّرُ الْفِرَارَ إِلَى اللَّهِ إِلَى قُرْبِ هَذَا الْمَوْعِدِ، هَذِهِ أَسْئِلَةٌ لَابُدَّ أَنْ يُسْأَلَهَا الْمُسْلِمُ لِنَفْسِهِ، وَلَابُدَّ أَنْ يَجِدَ لَهَا الْإِجَابَاتِ الْمُقَنِّعَةَ إِن كَانَ حَقًّا يُرِيدُ مَرْضَاةَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَإِن كَانَ حَقًّا يُرِيدُ النَّجَاةَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَعِقَابِهِ.
فَتَعَالَوْا لِنُعْلِنْهَا صَرِيحَةً وَاضِحَةً تَحْمِلُ كُلَّ مَعَانِي الْفِرَارِ إِلَى اللَّهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا.: (( اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَهْبَةً وَرَغْبَةً إِلَيْكَ، لاَ مَلْجَأَ وَلاَ مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ )) وَيَا بَنَ آدَم، عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيْتٌ، وَأَحْبِبْ مَن شِئْتَ فَإِنَّكَ مَفَارِقٌ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مُجْزًى بِهِ، الْبِرُّ لَا يُبْلَى، وَالذَّنْبُ لَا يُنْسَى، وَالدَّيَّانُ لَا يَمُوتُ، وَكَمَا تَدِينُ تُدَانُ.
فَأَيُّهَا الْغَافِلُ عَنْ رَبِّكَ، إِذَا لَمْ تَفِرْ إِلَى اللَّهِ الْآنَ، وَأَنْتَ بِكَامِلِ قُوَّتِكَ وَعَافِيَتِكَ، فَمَتَى تَفِرُ؟، أَتَفِرُّ بَعْدَ أَنْ يُشِيخَ شَعْرُكَ، وَتَضْعُفَ قُوَّتُكَ، وَتَتَرَاكَمَ عَلَى جَسَدِكَ الْأَمْرَاضُ وَالْعِلَلُ؟، أَتَفِرُّ إِلَى اللَّهِ بَعْدَ أَنْ تُشَخَّصَ عَيْنُكَ، وَتَشُلَّ أَطْرَافُكَ، وَتُصْبِحَ جُثَّةً هَامِدَةً؟، فَكَمْ مِنْ غَافِلٍ عَنْ اللَّهِ حَتَّى فَاجَأَهُ الْمَوْتُ، قَالَ تَعَالَى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (99)، (100) المؤمنون فَالعَجَلَ العَجَلَ قَبْلَ انْتِهَاءِ الأَجَلِ وَالتَّوْبَةَ التَّوْبَةَ قَبْلَ انْتِهَاءِ العُمُرِ وَالرُّجُوعَ الرُّجُوعَ قَبْلَ الرَّحِيلِ. اللّهُمَّ خُذْ بِنَوَاصِينَا إِلَيْكَ أَخْذَ الْكِرَامِ عَلَيْكَ وَلَا تَكِلْنَا لِأَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ.