الذود عن الأبوين الكريمين للنبي ﷺ
15 فبراير، 2026
بستان النبوة

بقلم د/عبدالفتاح سعيد وزير
الباحث بجامعة الأزهر الشريف
لقد ابتُلينا في هذا الزمان بظهور فئات ضلّت طريق الأدب، وتجاسرت على مقام النبوة بأفكار “عفنة” لا تراعي لله وقاراً ولا لرسوله قدراً. فبينما يصف أحدهم يوم المولد النبوي الشريف باليوم الأسود، يخرج علينا آخر بجرأة وقحة ليعلن بغضه للأبوين الكريمين للنبي ﷺ، زاعماً كذباً وزوراً أن النبي يبغضهما!
كيف يجرؤ هؤلاء على قول ذلك، والقرآن الكريم الذي أُنزل على قلب المصطفى ﷺ يأمر بالإحسان إلى الوالدين المشركين وصحبتهما بالمعروف في قوله تعالى: {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا}؟ فإذا كان هذا أدب القرآن مع عامة الناس، فكيف ببر سيد الأبرار ﷺ بوالديه؟
إن الحق الذي تسانده الأدلة هو نجاة الأبوين الكريمين لعدة اعتبارات:
أهل الفترة: هما من أهل الفترة الذين لم تدركهم دعوة، والله عز وجل يقول: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا}.
الأصل الطاهر: هما من أصلاب الساجدين، كما قال تعالى: {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ}، فما استقر نور النبوة إلا في أصلاب طاهرة وأرحام زكية.
أما بخصوص حديث “أبي وأبوك في النار”، فإليك البيان:
الاضطراب في الرواية: هذا اللفظ لم ينفرد به إلا “حماد بن سلمة”، وقد ذكر أهل العلم أن ربيبه كان يدس في مروياته ما ليس منها، بينما الروايات الأكثر صحة وشيوعاً جاءت بلفظ: “إذا مررت بقبر كافر فبشره بالنار” دون تعيين.
دلالة اللفظ: حتى بفرض صحة اللفظ، فإن كلمة “الأب” في لغة العرب وفي القرآن تُطلق على العم، كما في قوله تعالى على لسان أبناء يعقوب: {نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ} وإسماعيل كان عماً ليعقوب لا أباً مباشراً. وبناءً عليه، يُحمل المعنى على عمه (أبي لهب) الذي نزل القرآن بذمه.
إن من يبغض أصول النبي ﷺ إنما يؤذي النبي في شخصه، ومن آذى رسول الله فقد استحق الخزي في الدنيا والآخرة.
وهنا سؤال مهم لماذا يخرج علينا بين الحين والآخر رويبضة يتكلم في نجاة الأبوين الكريمين للنبي صلى الله عليه وسلم من عدمه مع أن المسألة ليست من أركان الإيمان التي يُبنى عليها كفر أو إيمان .
والإجابة على هذا
البعد العاطفي ومكانة النبي ﷺ
بالنسبة لجمهور المسلمين، ترتبط هذه القضية بالأدب مع مقام النبي ﷺ. الكثيرون يجدون في القول بعدم نجاتهما إيذاءً لمشاعر النبي ﷺ، مما يجعل التفاعل مع الموضوع مشحوناً بالعاطفة الشديدة والدفاع عن الجناب النبوي، وهو ما يضمن استمرار الجدل لفترة أطول.
الفراغ الدعوي في القضايا الجوهرية
إثارة الجدل لزيادة المشاهدات، على مواقع التواصل
مما يضطر مؤسسات دينية رسمية مثل الأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية أو علماء الأزهر، فتبدأ حلقة مفرغة من النقاش.
إن الواجب على كل من ينتسب لهذا الدين أن يشتغل بما ينفعه، وأن يكفّ لسانه عن إثارة مسائل لا تورث إلا الشقاق وقسوة القلب. أقول لهؤلاء الذين يخوضون في أصول النبي ﷺ وأهله:
-
إن رعاية الأدب مع رسول الله ﷺ مقدمة على كل علم، ومن سوء الأدب أن يُبحث في شأن والديه الكريمين بما يوهم النقص أو الإساءة، وهما أصل الشجرة النبوية المباركة.
-
لقد جعل الله عز وجل “المودة في القربى” هي الأجر الذي طلبه النبي ﷺ من أمته، كما في قوله تعالى: {قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ}. فأي مودة هذه التي تدفع المرء للبحث عن أدلة تُدخل أصول النبي ﷺ النار؟ وأي جفاء هذا الذي يجعلك تجاهر ببغض من هم بضعة من كيانه؟
-
إن إثارة هذه المسائل “العفنة” في زمن يحتاج فيه المسلمون إلى التمسك بهدي نبيهم هو نوع من الخذلان، فدعوا ما يريبكم إلى ما لا يريبكم، واعرفوا لآل البيت قدرهم وحرمتهم.
وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم تسليما كثيرا