ذنوب الخلق جرأة أم ضعف ايمان..لقاء الله


بقلم فضيلة الشيخ : يوسف محمد السعداوى

من علماء الأزهر والأوقاف

من يطالع كتاب الله تعالى ويتدبر آياته بحكمه ويقف عند اشارته يفقه أن ذنوب العباد جلها من نهم النفوس والشهوات

ويعلم جيداً أن عدو الإنسان الأول وهو الشيطان يتربص به فى هذا الموطن الخطير
إذا انزلق الإنسان نحو شهواته ومتعه يبحث عنها ويسعى لها شمر الشيطان عن ساعده يزين له كل السبل للحصول على مايريد

لقد صور القرآن الكريم هذا المشهد كثير وحذر من مخاطره

وقص قصص كثيرة فى القرآن تبين تخنث الشيطان إلى البشر من باب الشهوات والنزوات ومتع الدنيا التى لا شك كل كل نفس تدب فيها الحياة تهوى وتشتهى متع الحياة
لقد وضع الله الإنسان فى تخيير هو اعظم فتنة للبشر

ركب فيه الشهوات وجعل له نفساً تتوق الى التمتع بها وجعل هذه المتع لها واقع وحقيقة وادوات يتحصل الإنسان بها على متعة وزينها للناظرين والطالبين

وجعل فى النفس البشرية توقا وتشوقا الى التنوع فى الشهوة الواحدة وهو عين الابتلاء
فالطعام أى منه يسد الجوع إلا أن النفس تهوى الذه واطعمه وتنوعه
والجنس امرأة واحدة يقضى معها الرجل ورجل واحد تقضى معه المرأة إلا أن النفوس من الجنسين تتوق وتشتهى إلى اصناف الرجال والنساء
والمال والحرث والجاه والسلطان كلها أيضا باصنافها ودرجاتها ورتبها كل إنسان يطمح أن يكون هو الملك الغنى القوى المستحوذ المطاع
كلها نهمات فى النفوس

ثم يأتى قانون الله تعالى يحكم فى ذلك ويتحكم فيه
ويقف الإنسان هنا وقفة الاختيا والشيطان فى مواجهته ينتظر الاختيار
ولن يتركه فى اختيار ولن يتنازل عن عداوته التى غرضها الاوحد (ولا تجد اكثرهم شاكرين)

معاندة الخالق التى اتبعته فيها أمم كثيرة وخلق كثير
إن القرآن الكريم قرر هذه الحقيقة المؤسفة حين قال (وإن كثيرا من الناس لفاسقون)(وما اكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين)ثم يتحدث عن سبب ذلك فيقول (زين لهم الشيطان سوء عملهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون)

يتخير الإنسان امره بإرادته هنا
اما التزام القانون الالهى واما الخضوع لضغوط الشهوات ولانصياع لوساوس الشيطان
وتأتى هنا نتيجة خطيرة مهمة
هى أنه إذا اختار أن يستسلم للنفس ومآربها فإنه سيرفض كل التحذيرات وينكر العواقب وتتضح هويته الحقيقية من خلال افعاله
ربما تكون لديه بقية إيمان بالله وربما تألمه نفسه
إلا أنه مع الوقت تصير لديه الجرأة وبات لا يخشى عواقب ولا يردعه نذير بعذاب أو سوء حساب
ثم يصيب فطرته التى فطر الله عليها الخلق الخلل
فيستبدل الخالق سبحانه وتعالى بمعبود آخر لا يملى عليه آوامر ولا نواهى ليتخصل من بقية صراخ الفطرة بداخله
وهنا يطمئن الى الدنيا ولا يرجوا لقاء ربه ويغفل عن آيته

صور ذلك كله آيتين فى كتاب الله من سورة يونس تبين اهم سبب لغفلة الناس واستبعادهم من مخيلاتهم أنه هناك يوم آخر يقومون فيه لرب العالمين للعرض والحساب هو كسبهم وذنوبهم التى طمرت الفطرة واتت عليها فقتلتها

يقول سبحانه (إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ . أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) فكان الكسب المهلك الموجب للعذاب سببه أن الإنسان أختار الا يلتزم بهدى ربه واستوحش من لقاءه ورضى بالحياة الدنيا واطمئن بها وغفل ان تذكير الله له وضربه الأمثال له وبيان العواقب وتلقى كل هذه الانذارات الإلهية باستهانة وتهوين

بخلاف من أختار الله ربا واذعن لأمره وانتبه لعدوه وجاهد نفسه وحافظ على فطرته سويه يأتيه الهدى من ربه ويتلمسه فى كتابه وهدى نبيه فيستقيم وتستقيم اعماله وأخلاقه (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ . دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)

فكما أنه سبحانه يملى لمن يظلم نفسه ويختار المعصية كسبه
فإنه يزيد من اهتدى هداية ،ويهدى المؤمن بإيمانه ويقوى عزمه وارادته على الطاعة والعمل الصالح حتى يتسابق مع اقرانه إلى الخيرات ويسارع فيها

(وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا)
ربما يظن أهل الشر فى هذه الدنيا أن إمهال الله تعالى لهم أنهم لا مؤاخذة لهم على جرأتهم على الله

إنما هى الدنيا تسع الصالح والطالح ولكن العواقب ليست واحدة بل لكل اختيار عواقبه
آمن الناس بذلك ام لم يؤمنوا (وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ)

يقول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم (إن الله يملى للظالم حتى إذا اخذه لن يفلته)

لا تظلموا انفسكم ولا تتجرأوا على الله واحسنوا اختيار طريقكم

واعلموا انه لابد من يوم ترجعون فيه إلى الله فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور
وتذكروا عدوكم اللدود واعلموا أنه يتربص بكم يزين للعاصى معصيته ويجاهد أن يفتن الطائع عن طاعته
فتحصنوا منه بذكر الله وتلاوة القرآن فهما الشفاء للصدور والنور للقلوب والهداية للطريق
أسأل الله لى ولكم الهداية والتوفيق وأن يكتبنى واياكم من الذاكرين الشاكرين
كل عام انتم بخير