تَحْقِيقُ الْقَوْلِ فِي حَدِيثِ: “أَبِي وَأَبُوكَ فِي النَّارِ”
13 فبراير، 2026
قضايا وأحكام

بِقَلَمِ فَضِيلَةِ الشَّيْخِ / أَحْمَدَ إِسْمَاعِيلَ الْفَشَنِيِّ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، شَهَادَةً تُذَكِّرُنَا عِنْدَ السُّؤَالِ حُجَّتَنَا، وَتُيَسِّرُ عَلَى الصِّرَاطِ مُرُورَنَا، وَتَرْوِينَا يَوْمَ الْعَطَشِ الْأَكْبَرِ مِنْ حَوْضِ سَيِّدِنَا نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَنَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا وَعَظِيمَنَا وَقَائِدَنَا وَقُدْوَتَنَا وَأُسْتَاذَنَا وَقُرَّةَ أَعْيُنِنَا، وَمُخْرِجَنَا مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ؛ سَيِّدَنَا مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ، وَرَفَعَ فِي الْعَالَمِينَ ذِكْرَهُ، وَصَلَّى عَلَيْهِ ، ثُمَّ أَمَرَنَا نَحْنُ الْمُؤْمِنِينَ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ، فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
مَوْلَايَ صَلِّ وَسَلِّمْ دَائِمًا أَبَدًا.. عَلَى حَبِيبِكَ خَيْرِ الْخَلْقِ كُلِّهِمِ.
إِنَّ الْوُقُوفَ عِنْدَ ظَوَاهِرِ النُّصُوصِ دُونَ رَدِّهَا إِلَى الْكُلِّيَّاتِ الْقُرْآنِيَّةِ وَالْمَقَاصِدِ الشَّرْعِيَّةِ قَدْ يُوقِعُ فِي اللَّبْسِ. وَحَدِيثُ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِلرَّجُلِ السَّائِلِ: «إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ» وَجَّهَهُ سَادَاتُنَا الْعُلَمَاءُ تَوْجِيهًا عِلْمِيًّا دَقِيقًا يَمْنَعُ التَّعَارُضَ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، وَذَلِكَ مِنْ خِلَالِ ثَلَاثَةِ مَسَالِكَ:
أَوَّلًا: الْمَسْلَكُ اللُّغَوِيُّ (الْأَبُ بِمَعْنَى الْعَمِّ)
يُقَرِّرُ سَادَاتُنَا الْمُفَسِّرُونَ وَاللُّغَوِيُّونَ أَنَّ لَفْظَ “الْأَبِ” فِي لِسَانِ الْعَرَبِ يُطْلَقُ عَلَى “الْعَمِّ” اتِّسَاعًا. وَالدَّلِيلُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ قَوْلُهُ تَعَالَى عَنْ أَبْنَاءِ سَيِّدِنَا يَعْقُوبَ: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [الْبَقَرَة: ١٣٣]، مَعَ أَنَّ سَيِّدَنَا إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ هُوَ “عَمُّ” سَيِّدِنَا يَعْقُوبَ وَلَيْسَ أَبَاهُ، لَكِنَّ الْقُرْآنَ سَمَّاهُ “أَبًا”.
وَعَلَيْهِ، فَإِنَّ سَيِّدَنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَالَ “أَبِي” كَانَ يَقْصِدُ عَمَّهُ أَبَا لَهَبٍ الذِي مَاتَ مُشْرِكًا بِنَصِّ الْقُرْآنِ، أَوْ أَبَا طَالِبٍ، وَهَذَا لِيُسَلِّيَ السَّائِلَ وَيُوَاسِيَهُ فِي فَقْدِ أَبِيهِ. [رُوحُ الْمَعَانِي، لِسَيِّدِنَا الْعَلَّامَةِ الْأَلُوسِيِّ، ج ٧، ص ١٩٤].
ثَانِيًا: مَسْلَكُ “أَهْلِ الْفَتْرَةِ” وَقَطْعِيَّةُ الْقُرْآنِ
مِنَ الْقَوَاعِدِ الْعِلْمِيَّةِ أَنَّ “الظَّنِّيَّ” (وَهُوَ حَدِيثُ الْآحَادِ) لَا يُعَارِضُ “الْقَطْعِيَّ” (وَهُوَ نَصُّ الْقُرْآنِ). فَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الْإِسْرَاء: ١٥]. وَوَالِدَا سَيِّدِنَا النَّبِيِّ ﷺ مَاتَا فِي زَمَنِ الْفَتْرَةِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ، فَهُمَا نَاجِيَانِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ. وَقَدْ أَوْرَدَ سَيِّدُنَا السُّيُوطِيُّ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ رُوِيَ فِي لَفْظٍ آخَرَ عِنْدَ سَيِّدِنَا الْإِمَامِ الطَّبَرَانِيِّ بِلَفْظِ: «إِذَا مَرَرْتَ بِقَبْرِ كَافِرٍ فَبَشِّرْهُ بِالنَّارِ»، دُونَ ذِكْرِ “أَبِي”، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّفْظَ مَحَلُّ نَظَرٍ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ إِذَا عَارَضَ الْأُصُولَ. [مَسَالِكُ الْحُنَفَاءِ، لِسَيِّدِنَا الْإِمَامِ السُّيُوطِيِّ، ص ٥٢].
ثَالِثًا: مَسْلَكُ الْإِحْيَاءِ (الْخُصُوصِيَّةُ النَّبَوِيَّةُ)
ذَهَبَ جَمْعٌ مِنْ سَادَاتِنَا الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ كَانَ فِي مَرْحَلَةٍ سَابِقَةٍ، ثُمَّ أَكْرَمَ اللَّهُ تَعَالَى سَيِّدَنَا نَبِيَّهُ ﷺ بِإِحْيَاءِ أَبَوَيْهِ لَهُ فَآمَنَا بِهِ، وَهَذَا مِنْ مَظَاهِرِ “النَّسْخِ” أَوْ “الْخُصُوصِيَّةِ”. يَقُولُ سَيِّدُنَا الشَّيْخُ عَبْدُ اللَّهِ الْغُمَارِيُّ: “إِنَّ حَدِيثَ الْإِحْيَاءِ لَهُ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ يَقْوِي بَعْضُهَا بَعْضًا، وَهُوَ مُمْكِنٌ لَا رَيْبَ فِيهِ”. فَيَكُونُ قَوْلُهُ “أَبِي وَأَبُوكَ فِي النَّارِ” قَدْ قِيلَ قَبْلَ هَذِهِ الْمُعْجِزَةِ الشَّرِيفَةِ.[الرَّدُّ الْمُحْكَمُ الْمَتِينُ، لِسَيِّدِنَا الْعَلَّامَةِ عَبْدِ اللَّهِ الْغُمَارِيِّ، ص ٨٢]
رَابِعًا: سُوءُ الْأَدَبِ مَعَ الْجَنَابِ الشَّرِيفِ
يُحَذِّرُ سَادَاتُنَا الْعُلَمَاءُ مِنْ أَنَّ اتِّخَاذَ هَذَا الْحَدِيثِ وَسِيلَةً لِوَصْفِ أَبَوَيِ السَّيِّدِ الْأَعْظَمِ ﷺ بِالنَّارِ هُوَ جَفَاءٌ مَذْمُومٌ وَإِيذَاءٌ لَهُ ﷺ. وَقَدْ قَالَ سَيِّدُنَا الْإِمَامُ مَالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ سُئِلَ عَمَّنْ يَقُولُ ذَلِكَ: “أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾؟ وَأَيُّ أَدًى لَهُ أَشَدُّ مِنْ ذِكْرِ أَبَوَيْهِ بِذَلِكَ؟”. فَالْمَنْهَجُ الْعِلْمِيُّ يَقْتَضِي أَنْ نَنْظُرَ إِلَى السَّيِّدِ عَبْدِ اللَّهِ وَالسَّيِّدَةِ آمِنَةَ بِعَيْنِ التَّقْدِيسِ وَالتَّبْجِيلِ لِاتِّصَالِهِمَا بِأَشْرَفِ نُورٍ.
«نَسْأَلُ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- أَنْ يَرْزُقَنَا كَمَالَ الْأَدَبِ مَعَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَحُسْنَ التَّأَدُّبِ مَعَ جَنَابِ سَيِّدِنَا الرَّسُولِ ﷺ، وَأَنْ يَفْتَحَ لَنَا مَغَالِيقَ الْفَهْمِ، وَيُعَلِّمَنَا مِنْ مَصُونِ أَسْرَارِ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ، وَمَكْنُونِ سُنَّةِ سَيِّدِنَا نَبِيِّهِ ﷺ، فَهُوَ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ، وَبِاللهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ وَالسَّدَادُ».