أَدِلَّةُ الْأَمَانِ فِي نَجَاةِ الْوَالِدَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ ( رُؤْيَةٌ تَأْصِيلِيَّةٌ جَامِعَةٌ بَيْنَ النَّقْلِ وَالْعَقْلِ وَالذَّوْقِ)
12 فبراير، 2026
منوعات

بِقَلَمِ فَضِيلَةِ الشَّيْخِ / أَحْمَدَ إِسْمَاعِيلَ الْفَشَنِيِّ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، شَهَادَةً تُذَكِّرُنَا عِنْدَ السُّؤَالِ حُجَّتَنَا، وَتُيَسِّرُ عَلَى الصِّرَاطِ مُرُورَنَا، وَتَرْوِينَا يَوْمَ الْعَطَشِ الْأَكْبَرِ مِنْ حَوْضِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَنَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا وَعَظِيمَنَا وَقَائِدَنَا وَقُدْوَتَنَا وَأُسْتَاذَنَا وَقُرَّةَ أَعْيُنِنَا، وَمُخْرِجَنَا مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ؛ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ، وَرَفَعَ فِي الْعَالَمِينَ ذِكْرَهُ، وَصَلَّى عَلَيْهِ ، ثُمَّ أَمَرَنَا نَحْنُ الْمُؤْمِنِينَ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ، فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الْفَاتِحِ لِمَا أُغْلِقَ، وَالْخَاتِمِ لِمَا سَبَقَ، نَاصِرِ الْحَقِّ بِالْحَقِّ، وَالْهَادِي إِلَى صِرَاطِكَ الْمُسْتَقِيمِ، وَعَلَى آلِهِ حَقَّ قَدْرِهِ وَمِقْدَارِهِ الْعَظِيمِ.
مَوْلَايَ صَلِّ وَسَلِّمْ دَائِمًا أَبَدًا.. عَلَى حَبِيبِكَ خَيْرِ الْخَلْقِ كُلِّهِمِ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ : إِنَّ الْحَدِيثَ عَنْ وَالِدَيِ النَّبِيِّ ﷺ، السَّيِّدِ عَبْدِ اللَّهِ وَالسَّيِّدَةِ آمِنَةَ، لَيْسَ مُجَرَّدَ بَحْثٍ فِي التَّارِيخِ أَوِ الْأَنْسَابِ، بَلْ هُوَ بَحْثٌ فِي صَمِيمِ “الْأَدَبِ” مَعَ صَاحِبِ الرِّسَالَةِ ﷺ. فَالْمُؤْمِنُ الذِي يَمْتَلِئُ قَلْبُهُ بِمَحَبَّةِ الْمُصْطَفَى، لَا يُمْكِنُ أَنْ يَسْتَسِيغَ أَبَدًا فِكْرَةَ أَنَّ اللَّبِنَةَ الَّتِي نَبَتَ مِنْهَا هَذَا النُّورُ، وَالْوِعَاءَ الذِي حَمَلَهُ، وَالصُّلْبَ الذِي نَقَلَهُ، يَكُونُ مَآلُهُ إِلَى غَيْرِ النَّجَاةِ. وَمِنْ هُنَا، انْطَلَقَ عُلَمَاءُ الْأُمَّةِ الْمُحَقِّقُونَ لِيُثْبِتُوا بِالدَّلِيلِ الْقَاطِعِ نَجَاةَ الْأَبَوَيْنِ الْكَرِيمَيْنِ، مُسْتَنِدِينَ إِلَى مَسَالِكَ عِلْمِيَّةٍ مُتَعَدِّدَةٍ.
أَوَّلًا: مَسْلَكُ “أَهْلِ الْفَتْرَةِ” وَالْبُرْهَانُ الْقُرْآنِيُّ
هَذَا هُوَ الْمَسْلَكُ الْأَقْوَى مِنَ النَّاحِيَةِ الْأُصُولِيَّةِ وَالْكَلَامِيَّةِ، وَهُوَ الذِي اعْتَمَدَهُ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَمُنْطَلَقُهُ هُوَ الْقَاعِدَةُ الْقُرْآنِيَّةُ الْكُلِّيَّةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الْإِسْرَاء: ١٥].
إِنَّ وَالِدَيِ النَّبِيِّ ﷺ مَاتَا فِي زَمَنِ “الْفَتْرَةِ”، وَهِيَ الْفَتْرَةُ الزَّمَنِيَّةُ الَّتِي تَقَعُ بَيْنَ نَبِيَّيْنِ، حَيْثُ لَمْ يُدْرِكَا بَعْثَةَ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِهِمَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ يَدْعُوهُمَا، إِذْ كَانَ النَّاسُ عَلَى بَقَايَا مِنْ دِينِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَالْقَاعِدَةُ الْمُطَّرِدَةُ فِي الْمَنْهَجِ الْوَسَطِيِّ أَنَّ مَنْ مَاتَ قَبْلَ الْبَعْثَةِ وَلَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ فَهُوَ نَاجٍ بِنَصِّ الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَكْلِيفَ إِلَّا بِشَرْعٍ، وَلَا شَرْعَ إِلَّا بِرَسُولٍ. [مَسَالِكُ الْحُنَفَاءِ فِي وَالِدَيِ الْمُصْطَفَى، لِلْإِمَامِ جَلَالِ الدِّينِ السُّيُوطِيِّ، ص ٤٥، طَبْعَةُ دَارِ الْكُتُبِ الْعِلْمِيَّةِ].
وَيُؤَكِّدُ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْأَبَوَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُمَا شِرْكٌ، بَلْ كَانَا عَلَى الْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ، فَالْفِطْرَةُ السَّلِيمَةُ كَانَتْ هِيَ الْحَاكِمَةَ. يَقُولُ الْإِمَامُ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ: “إِنَّ آبَاءَ الْأَنْبِيَاءِ مَا كَانُوا مُشْرِكِينَ، وَلَوْ كَانَ فِيهِمْ مُشْرِكٌ لَمَا نُصِبُوا مَقَامَ الِاصْطِفَاءِ”.[التَّفْسِيرُ الْكَبِيرُ (مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ)، لِلْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ الرَّازِيِّ، عِنْدَ تَفْسِيرِ سُورَةِ الشُّعَرَاءِ، آيَة ٢١٩].
ثَانِيًا: مَسْلَكُ “طَهَارَةِ الْأَصْلَابِ” وَنَفْيِ الشِّرْكِ
يَنْطَلِقُ هَذَا الْمَسْلَكُ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْكَرَامَةِ النَّبَوِيَّةِ. فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «لَمْ أَزَلْ أُنْقَلُ مِنْ أَصْلَابِ الطَّاهِرِينَ إِلَى أَرْحَامِ الطَّاهِرَاتِ».[دَلَائِلُ النُّبُوَّةِ، لِلْإِمَامِ الْبَيْهَقِيِّ، ج ١، ص ١٧٤].
وَمِنَ الْمَعْلُومِ يَقِينًا أَنَّ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ وَصَفَ الْمُشْرِكِينَ بِأَنَّهُمْ “نَجَسٌ” فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التَّوْبَة: ٢٨]. فَلَوْ كَانَ فِي آبَاءِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ أُمَّهَاتِهِ مُشْرِكٌ، لَمَا صَحَّ وَصْفُهُمْ جَمِيعًا بِالطَّهَارَةِ فِي قَوْلِهِ «أَصْلَابِ الطَّاهِرِينَ وَأَرْحَامِ الطَّاهِرَاتِ». هَذَا الِاسْتِدْلَالُ يُبَيِّنُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى طَهَّرَ شَجَرَةَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ كُلِّ شَائِبَةِ كُفْرٍ أَوْ نَقِيصَةٍ جَاهِلِيَّةٍ.
يَقُولُ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي كِتَابِهِ الْحَافِلِ: “وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى عُلُوِّ قَدْرِهِ ﷺ وَشَرَفِ نَسَبِهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَخْلَصَهُ مِنْ أَطْهَرِ الْأَنْسَابِ وَأَبْرَئِهَا مِنَ الْعُيُوبِ”.[الشِّفَا بِتَعْرِيفِ حُقُوقِ الْمُصْطَفَى، لِلْقَاضِي عِيَاضٍ، ج ١، ص ١٦٧، طَبْعَةُ دَارِ الْفِكْرِ].
ثَالِثًا: كَرَامَةُ “الْإِحْيَاءِ” وَالْمُعْجِزَةُ النَّبَوِيَّةُ
وَهَذَا مَسْلَكٌ يُمَزِّجُ بَيْنَ الرِّوَايَةِ وَالْجَانِبِ الرُّوحِيِّ، وَقَدْ ذَهَبَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ لِيَكُونَ نُورًا عَلَى نُورٍ. فَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحْيَا لِلنَّبِيِّ ﷺ أَبَوَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا حَتَّى آمَنَا بِهِ تَكْرِيمًا لَهُ.
وَيُقَرِّرُ الْإِمَامُ الْقُرْطُبِيُّ أَنَّ هَذَا الْإِحْيَاءَ مُمْكِنٌ عَقْلًا، وَلَا يَمْنَعُهُ الشَّرْعُ، فَقَدْ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ إِحْيَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِلْقَتِيلِ، وَإِحْيَاءُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لِلْمَوْتَى. يَقُولُ الْقُرْطُبِيُّ: “وَلَيْسَ هَذَا بِبَعِيدٍ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُحْيِيَهُمَا وَيُؤْمِنَا بِهِ، فَقَدْ صَحَّتْ فِيهِ الْأَخْبَارُ”.[التَّذْكِرَةُ فِي أَحْوَالِ الْمَوْتَى وَأُمُورِ الْآخِرَةِ، لِلْإِمَامِ الْقُرْطُبِيِّ، ص ٥١].
وَقَدْ صَاغَ الْإِمَامُ ابْنُ نَاصِرِ الدِّينِ الدِّمَشْقِيُّ هَذَا الْمَعْنَى فِي أَبْيَاتٍ جَمِيلَةٍ قَائِلًا:
حَبَا اللَّهُ النَّبِيَّ مَزِيدَ فَضْلٍ … عَلَى فَضْلٍ وَكَانَ بِهِ رَؤُوفَا
فَأَحْيَا أُمَّهُ وَكَذَا أَبَاهُ … لِإِيمَانٍ بِهِ فَضْلًا لَطِيفَا
فَسَلِّمْ فَالْإِلَهُ لَهُ قَدِيرٌ … وَإِنْ كَانَ الْحَدِيثُ بِهِ ضَعِيفَا
[الْفَوَائِدُ الْمَجْمُوعَةُ فِي الْأَحَادِيثِ الْمَوْضُوعَةِ، لِلشَّوْكَانِيِّ (نَقْلًا عَنِ ابْنِ نَاصِرِ الدِّينِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ التَّحْسِينِيَّةِ)، ص ٣١٢].
رَابِعًا: فِقْهُ “الْأَدَبِ” وَخُطُورَةُ الْإِيذَاءِ
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ؛ إِنَّ هَذَا الْمَسْلَكَ هُوَ “سِيَاجُ الْعَقِيدَةِ” وَ”حِصْنُ الْمَحَبَّةِ”. إِنَّ الْكَلَامَ فِي حَقِّ وَالِدَيِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَا يُوحِي بِعَدَمِ النَّجَاةِ هُوَ فِي حَقِيقَتِهِ “إِيذَاءٌ” لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَقَدْ حَذَّرَ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ يُؤْذِي نَبِيَّهُ فَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [الْأَحْزَاب: ٥٧].
يَرْوِي بَعْضُ عُلَمَاءِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الْقَاضِيَ أَبَا بَكْرِ بْنَ الْعَرَبِيِّ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ يَقُولُ: “إِنَّ أَبَوَيِ النَّبِيِّ ﷺ فِي النَّارِ”، فَقَالَ: “هَذَا رَجُلٌ مَلْعُونٌ؛ لِأَنَّهُ آذَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَلَا أَذَى لَهُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُقَالَ إِنَّ أَبَوَيْهِ فِي النَّارِ”.[ أَحْكَامُ الْقُرْآنِ، لِلْقَاضِي ابْنِ الْعَرَبِيِّ، ج ٣، ص ٦١٤].
وَمِنْ هُنَا قَرَّرَ عُلَمَاؤُنَا أَنَّ الْمَنْهَجَ الْأَسْلَمَ هُوَ اعْتِقَادُ نَجَاتِهِمَا، أَوْ عَلَى الْأَقَلِّ الْإِمْسَاكُ عَنِ الْخَوْضِ فِيمَا يُؤْذِيهِ ﷺ. إِنَّ الْأَدَبَ مَعَ الْجَنَابِ النَّبَوِيِّ يَقْتَضِي أَنْ نَعْتَقِدَ أَنَّ اللَّهَ الذِي جَعَلَهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، قَدْ جَعَلَ أَقْرَبَ النَّاسِ إِلَيْهِ أَسْعَدَ النَّاسِ بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ.
خِتَامًا : إِنَّ نَجَاةَ الْأَبَوَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ عَاطِفَةٍ، بَلْ هِيَ حَقِيقَةٌ عِلْمِيَّةٌ تَقُومُ عَلَى أُصُولِ “أَهْلِ الْفَتْرَةِ”، وَقَوَاعِدِ “طَهَارَةِ النَّسَبِ”، وَمُعْجِزَةِ “الْإِحْيَاءِ”، وَوَاجِبِ “الْأَدَبِ”. فَاللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ يَتَأَدَّبُونَ مَعَ نَبِيِّكَ ﷺ فِي أُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ، وَاحْشُرْنَا فِي زُمْرَتِهِ، وَبَارِكْ لَنَا فِي رِزْقِنَا وَعَمَلِنَا.