تجديد الرؤية الدينية في عصر المتغيرات الرقمية
12 فبراير، 2026
منبر الدعاة

بقلم الدكتورة : إيمان إبراهيم عبد العظيم
مدرس بكلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر – واعظة بوزارة الأوقاف
إنّ الخطاب الديني كان ولا يزال من أهم الوسائل التي تُشكِّل وعي الإنسان، وتغذّي روحه، وتهذّب سلوكه، وتربطه بخالقه سبحانه وتعالى. ومع ما يشهده العالم حاليًا وفي عصرنا الحديث من تطورات تكنولوجية متسارعة، بات من الضروري إعادة النظر في أساليب تقديم هذا الخطاب، بما يحقق رسالته السامية ويحفظ قدسيته، ويواكب متغيرات العصر التكنولوجية بتقنياتها الحديثة في الوقت ذاته .
ولا يُقصد بتجديد الخطاب الديني تغيير الثوابت أو المساس بأصول العقيدة والشريعة، فالدين الإسلامي كامل في أصوله، خالد في مبادئه، صالح لكل زمان ومكان مبرؤ من كل نقص يستوعب كل المستجدات العصرية. وإنما المقصود بالتجديد هو إحياء المعاني، وتقديم القيم الدينية بلغة يفهمها الإنسان المعاصر، وبأسلوب يخاطب القلب والعقل معًا، ويجعل من الدين نورًا يهدي في زحام الحياة الحديثة.
فقد أفرزت التكنولوجيا واقعًا جديدًا في التواصل والمعرفة، وأصبحت المنصات الرقمية ووسائل الإعلام الحديثة مؤثرة في تشكيل الأفكار والاتجاهات. ومن هنا تبرز مسؤولية الخطاب الديني في أن يحضر في هذا الفضاء حضورًا واعيًا رشيدًا، ينشر السكينة، ويعزز القيم، ويواجه الشبهات والأفكار المتطرفة الهدامة بالحكمة والموعظة الحسنة، بعيدًا عن التشدد أو التفريط.
كما يقتضي تجديد الخطاب الديني أن يكون أكثر التصاقًا بقضايا الإنسان المعاصر، فيرشد إلى حسن استخدام النعمة التكنولوجية، ويغرس قيم الأمانة، والصدق، واحترام الخصوصية، ويؤكد أن التقدم المادي لا يكتمل إلا برقيٍّ روحي وأخلاقي. فالتكنولوجيا، وإن بلغت أوج تطورها، تظل أداة تحتاج إلى ضمير حي يوجّهها نحو الخير والبناء.
إن الخطاب الديني المتجدد هو ذلك الخطاب الذي يُحيي القلوب، ويبعث الطمأنينة في النفوس، ويجعل الإنسان أكثر قربًا من الله، وأكثر وعيًا بمسؤوليته في هذا العالم المتغير. وهو خطاب يستمد نوره من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وينفتح بحكمة على الواقع، ليكون جسرًا بين ثوابت السماء ومتطلبات الأرض.
وختامًا ، فإن تجديد الخطاب الديني في ظل التطورات التكنولوجية ليس خيارًا، بل ضرورة فكرية ومجتمعية لمواجهة التطرف وحماية العقول وبناء إنسان متوازن يجمع بين صفاء العقيدة ورقي السلوك وهو سبيل لإبراز الصورة الحقيقية للإسلام، دينِ السلام والاعتدال، ليظلَّ نورًا يهدي القلوبَ، وحصنًا يحمي المجتمعاتِ من الغلوِّ والانحراف.