فقه الصيام بين مقاصد الشريعة ومنهج التصوف


سلسلة : مقالات في الفقه الإسلامي المعاصر

بقلم د : مهدى صالحى

إنّ المقاربة المقاصدية هي ذلك الوعاء الذي يضفي حيوية على فقه العبادات لإخراج المكلّف من عقال الفتور والرتابة حتى يستوعب الأبعاد الدلالية العملية لحقيقة التكاليف الشرعية التعبّدية ومنها عبادة الصوم ؛أي أن العبادة في مدلولها الاصطلاحي ليست تلك الطقوس المظهرية الشكلية أومجرّد حركات عابرة خالية من كل مقصد وحكمة مصداقا لقولهﷺ: من لم يدعْ قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه”.

ويكون تفعيل هذا المدلول التطبيقي وتحويله إلى ثقافة مجتمعية إسلامية بسبر أغوار المقاصد الكامنة المترتبة عن الصوم والدائرة حول الفعل الأخلاقي بين المسلم والخالق كالتأدّب مع الله وبين المجتمع الإسلامي في شموله لحلحلة الأزمة الأخلاقية في الفضاء الإنساني المألوف جرّاء غياب الوعي بالبعد المقاصدي المصلحي من الصوم الذي يختزله الحديث القدسي:”كلّ عمل ابن آدم فهو له إلاّالصيام فإنّه لي وأنا أجزي به،والصيام جُنّة …فإن سابّه أحد أوقاتله فليقل إنّي امرؤ صائم”.

وتأسيسا على هذا الاعتبار المصلحي ذو البعد الأخلاقي الاجتماعي فإنّ مثل هذه الدلالات المقاصدية لهي ذاتها اللمسات الجمالية التي يحقّقها منهج التصوف تزكية للنفس الإنسانية وتهذيبا لسلوكياتها اليومية السائدة واللامعقولة ،ولذلك تستهدف الممارسة الصوفية منظومة قيمية ذات منحى تربوي اجتماعي تعلّله أحكام الصوم.

ثم إن المصلحة الشرعية الأخروية من الصوم هي ترشيد المكلّف السالك بإقباله على مرضاة الله شوقا للقاءه وهذه نزعة عرفانية صوفية يعكسها قوله ﷺ: من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ماتقدّم من ذنبه وماتأخّر”. وهذا المعنى الصوفي المقاصدي يتناسق مع الاصطلاح الفقهي الأصولي الذي يعتبر المصلحة كل لذّة جسمية وعقلية حتى يكون المسلم الصائم مُنعَما على الإطلاق ،وبما أنّ المصالح تدور مع وسائلها وجودا وعدما فإن المصلحة المترتبة عن الصوم هي تلك اللذّة المشروعة وسيلتها القربات الفعلية كالمواضبة على الأذكار لتغذية الروح والارتقاء بها نحو الكمالات وهذه المصالح الشرعية هي لبّ التجربة الصوفية الذوقية