قراءة في تهافت الفكر الحداثي.


بقلم الشيخ : عماد الدين الغزالى
واعظ أول وعضو لجنة فتوى بالأزهر الشريف

الرد على الفكر الحداثي في التفريق بين لفظ النبي والرسول :
إن الناظر المتأمل في كتاب الله يجد الآيات التي خاطبت سيدنا محمد ﷺ بوصفه “نبيًا” قطعت الطريق على الفكر الحداثي الذي يزعم أن طاعته تقتصر على تبليغ القرآن (مقام الرسالة) دون سنته (مقام النبوة).

إليك تفصيل الأدلة القرآنية التي تؤكد وجوب طاعة “النبي” واتباع سنته استقلالاً:

1. وجوب الاتباع المطلق لـ “النبي”
ورد في سورة الأعراف أمر صريح باتباع “النبي” بالوصف لا بالرسالة فقط، مما يربط الهداية بشخصه وما يصدر عنه:

الآية: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف: 158].

الدلالة: هنا عطف الاتباع على الإيمان، وربط الهداية باتباعه بصفته “النبي الأمي”، وهذا الاتباع عام يشمل أفعاله وأقواله (السنة) وليس فقط النص المنزّل.

2. صلاحية التشريع والتحليل والتحريم لـ “النبي”
يزعم الحداثيون أن التحليل والتحريم لله فقط، لكن القرآن أسند هذه المهمة لـ “النبي” بصيغة الفعل المضارع، مما يدل على التشريع المستمر:

الآية: {يأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: 157].

الدلالة: الآية تصف وظائف “النبي”، ومنها التحليل والتحريم. فلو كان “النبي” مجرد ناقل للقرآن، لكان التحليل والتحريم منسوباً لله وحده في النص، لكن نسبته للنبي تؤكد أن سنته وحي تشريعي ملزم.

3. “النبي” هو الأسوة والمثال العملي 
مقام الأسوة والقدوة مرتبط بشخص سيدنا محمد ﷺ وحياته اليومية وتصرفاته، وهو ما يجسد “السنة”:

الآية: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21].
الدلالة: التأسي لا يكون بالكلمات المجردة (القرآن)، بل بمحاكاة الأفعال والمواقف، وهذا هو جوهر السنة النبوية.

4. مهمة “البيان” المستقلة عن “الإنزال”

فرق القرآن بين “إنزال” الذكر وبين وظيفة النبي في “تبيينه”، والبيان هو السنة الشارحة:

الآية: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44].
الدلالة: لو كان القرآن كافياً وحده دون بيان النبي، لما كان هناك حاجة لتعليل الإنزال بـ “البيان”. هذا البيان (السنة) واجب الاتباع لأنه هو الذي يفصل المجمل من القرآن.

5. التحذير من مخالفة “أمره”
الآية: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63].

الدلالة: الإضافة في “أمره” تعود على النبي ﷺ. ومخالفة أمره (أي سنته وهديه) موجبة للعقاب، مما يدل على أن له “أمراً” مستقلاً تجب طاعته.
الخلاصة: القرآن لم يكتفِ بالأمر بطاعة “الرسول” (باعتبار الوحي المنزّل)، بل أمر باتباع “النبي” (باعتبار سنته وهديه) وجعل طاعته من طاعة الله ({مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ}). (يتبع)