إصلاح الذات قبل إصلاح الغير
10 فبراير، 2026
منبر الدعاة

بقلم الباحث والكاتب الدكتور: عبد الكريم فتاح أمين
المؤمن الحقيقي يصلح نفسه قبل إصلاح غيره، ومن المعقول أن يتحزن على الأوقات ضيعها بصرفها فيما لا يعنيه ويحسب نفسه من الخاسرين والساقطين، وإذا دفعته نفسه الأمارة بالسوء إلى الاشتغال فكريا وذهنيا بما ارتكبه من الذنوب الكبيرة والصغيرة فلينهيها ويقطعها، لئلا تدفعه مرة أخرى إليها وتسود وجهه أمام خالقه الجبار.
ولذا فالمؤمن الحقيقي یکثف كل أنظاره في كيانه التافه ويرسخها في أعماق أعضاءه التي تتسبب في ارتكاب الجرائم والمعاصي مثل العين واللسان والأيدي وما بين شفتيه وما بين رجليه، ويعيد النظر تكرارا متواصلا حتى يرى معايبه القاتلة من سوء الفهم مما له وما عليه وسوء الخلق وقلة البضاعة والزاد في المعلومات حول الحقاىق والقضايا ، كلا والله فالعاقل لا ينسى نفسه البتة لأن توجيه الانتقاد إلى غيره قبل التوجيه إلى نفسه من أعظم المصائب والنكبات التي تعانقه اعاذنا الله تعالى من هذه الخصلة الذميمة والخطوة القبيحة والسيئة، فياالعجب بعض من البسطاء ومن قلت بضاعته العلمية لا يرى معايبه الجسيمة ولكن يرى معايب غيره الصغيرة، وفي بعض الأحيان يرى معايب غيره وهي أدق من الشعر كما يقول رسول رب العالمين صلى الله عليه وآله وسلم : ” يبصر أحدكم القذاة في عين أخيه وينسى الجذع في عينه”
دخلنا الموضوع تلقائيا لأن توبيخ مناضلة غيرنا تجاوز كبير واجحاف خطير بحق غيرنا وعداوة شريسة تجاه من سواه الله تعالى بيده ونفخ فيه كما قال سبحانه: ﴿ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85)الهود
ولو كان المفعول من قبل غيرنا في اعييننا قليلا وتافها لا يليق بالبحث والذكر، لأن المعاملة بهذا الشكل يوصف بالتهور والاستكبار والتعاظم ويؤدي إلى أن وضعت نفسك حاكما ومقررا في القبول والرد، والتأييد والرفض والتحسين والتقبيح من ، وهذا مخالف صريح لظاهر النص القرآني كما قال سبحانه :
﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)الزلزلة
فيا من خلقت محكوما عليه دع الناس وشأنهم ولا تضعهم تحت رمي سهام لسانك الجارحة، ولا تضعهم تحت رحمة قذفك اللامنصفة:؛ ( عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه عن النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – أنه قال: “لا يرمي رجلٌ رجلاً بالفسوق، ولا يَرميه بالكفر، إلا ارتدَّت عليه، إن لم يكن صاحبُه كذلك)
ويقول في شرح هذا الحديث المار ذكره الإمامُ_الكبير الجليل ابن_دقيق_العيد : ( وهذا وعيدٌ عظيم لمن أكفر أحدًا من المسلمين وليس كذلك، وهي ورطةٌ عظيمة وقع فيها خلق كثير من المُتكلِّمين، ومن المنسوبين إلى السُّنة وأهل الحديث لمَّا اختلفوا في العقائد، فغلَّظوا على مخالفيهم، وحكموا بكفرهم) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (٤/ ٧٦)
كل إنسان بمحض خلق الله تعالى له شعور الانتقاد في مجال الحياة والدين ولكن يجب أن يسير الانتقاد في أطر الوجدان والضمير ويدور في مدار الإنسانية السمحاء، بعيدا عن العنصرية والطبقية وفرض الذات ورفض الغير.
وينبغي علينا إذا رأينا فيمن وجنا إليه الانتقاد خيرا نثناه وإذا رأينا فيه شرا واعوجاجا نقيمه ونأخذ بيده.
وإذا عاملنا بخلاف ذلك نكون مصداقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “وإذا خاصم فجر”
ينبغي علينا القول الحسن والجميل وتكريمهم حسبما يطلب منا القرآن الكريم:
﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا)(٨٣) البقرة.