الفُتُوحُ الرَّبَّانِيَّةُ بِتَسْلِيطِ الضَّوْءِ عَلَى طَبْعَةِ صَحِيحِ مَوْلَانَا الإِمَامِ البُخَـارِيِّ الْمَعْرُوفَةِ بِالسُّلْطَـانِيَّـةِ


بقلم الدكتور: محمد عبدالحليم المعصراوى 

 

مقدمة:

يُعَدُّ صحيح الإمام البخاري تاجَ السُّنَّة النبوية، وأصحَّ كتابٍ صُنِّف في الحديث الشريف، وقد تعاقبت عليه عناية العلماء عبر القرون حفظًا وضبطًا وتصحيحًا، حتى صار نموذجًا فريدًا في الدقة المنهجية والتحقيق العلمي؛ ومن أظهر شواهد هذه العناية الجليلة:

(النسخة اليونينية)، التي حازت منزلةً رفيعة بين أصول الصحيح، واعتمدت عليها أعظم الطبعات، وفي مقدمتها (الطبعة السلطانية) التي صدرت بأمر الخليفة العثماني السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله، فكانت ثمرة جهدٍ علميٍّ جماعيٍّ نادر المثال، اجتمع فيه كبار الأئمة وأعلام الضبط والتحقيق.

جذورُ الطبعةِ السلطانيةِ ومصدرها:

طُبع صحيح الإمام البخاري في تسعة أجزاء في المدة من سنة 1311هـ إلى 1313هـ، وذلك بأمر السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله، وأمر أن يُعتمد في تصحيحه على النسخة (اليونِينِية) المعوَّل عليها في جميع روايات البخاري، مع مقابلة ذلك على نسخٍ أخرى مشهورةٍ بالصحة والضبط. فطُبعت هذه الطبعة بالشكل الكامل، وطُبع بهامشها تقييداتُ اثنين من كبار علماء العربية والحديث، يجلسان مع جماعةٍ من الفضلاء لتحرير كل الروايات على مستوى الحركة والضبط في صحيح البخاري.

وهذان العالمان هما:

الأول: جمال الدين محمد بن مالك، صاحب الألفية المشهورة في النحو، المتوفى سنة 672هـ.

الثاني: الإمام شرف الدين علي بن محمد اليونيني، نسبةً إلى يونين من قرى بعلبك، المتوفى سنة 701هـ.

وقد عُقدت هذه الجلسات العلمية في دمشق خلال إحدى وسبعين جلسة، وذلك من سنة 667هـ على الراجح، فخرجت هذه النسخة في غاية التحقيق والتدقيق، وأصبحت من أوثق النسخ المعتمدة لصحيح الإمام البخاري، بل لو أُطلق القول بأنها أوثقها وأعظم أصلٍ يُوثق به لما كان بعيدًا.

ولذلك جعلها الإمام القسطلاني (ت 923هـ) عُمدته في شرح صحيح البخاري، فحقق المتن حرفًا حرفًا على تلك النسخة.

ويقول الإمام العلامة ابن حجر العسقلاني في كتابه (الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة) عن الإمام المحدِّث اليونيني:

«عُنِيَ بالحديث وضبطه، وقرأ البخاري على ابن مالك تصحيحًا، وسمع منه ابن مالك روايةً، وأملى عليه فوائد مشهورة، وكان عارفًا بكثيرٍ من اللغة، حافظًا لكثيرٍ من المتون، عارفًا بالأسانيد، وكان شيخ بلاده، والرحلة إليه».

(الدرر الكامنة، ج 4، ص 116).

وكتب الإمام ابن مالك فوائده المشهورة التي أشار إليها ابن حجر، في كتابٍ سمّاه: «شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح»، وقد طُبع مرات. وكان ابن مالك قد وعد به فيما كتبه بخطه في حاشية ظاهر الورقة الأولى من المجلد الأخير من النسخة اليونينية، وكانت في مجلدين.

ونقل لنا الإمام القسطلاني كلامه هذا حيث يقول:

«سمعتُ ما تضمَّنه هذا المجلد من صحيح البخاري بقراءة سيدنا الشيخ الإمام العالم الحافظ المتقن شرف الدين أبي الحسن علي بن محمد بن أحمد اليونيني، وعن سلفه، وكان السماع بحضرة جماعةٍ من الفضلاء، ناظرين في نسخٍ معتمدٍ عليها، فكلما مرَّ بهم لفظٌ ذو إشكال، بيَّنتُ فيه الصواب، وضبطتُه على ما اقتضاه علمي بالعربية، وما افتقر إلى بسط عبارةٍ وإقامة دلالةٍ أخَّرتُ أمره إلى جزءٍ استوفيتُ فيه الكلام بما يحتاج إليه من نظيرٍ وشاهد، ليكون الانتفاع به عامًا، والبيان تامًّا إن شاء الله تعالى. وكتبه محمد بن عبد الله بن مالك، حامدًا لله تعالى».

وفي آخر ذلك المجلد كتب الإمام اليونيني ما نصه: «بلغتُ مقابلةً وتصحيحًا وإسماعًا على يد شيخنا شيخ الإسلام، حُجَّة العرب، مالك أزِمَّة الأدب، العلامة أبي عبد الله بن مالك الطائي الجياني، أمدَّ الله تعالى عمره، في المجلس الحادي والسبعين، وهو يراعي قراءتي ويلاحظ نطقي، فما اختاره رجَّحه، وأمر بإصلاحه فأصلحتُه، وصححتُه عليه، وما ذُكر أنه يجوز فيه إعرابان أو ثلاثة أعملتُ ذلك على ما أُمر ورُجِّح، وأنا أقابل بأصل الحافظ أبي ذر، والحافظ أبي محمد الأصيلي، والحافظ أبي القاسم الدمشقي…».

«انتقال النسخة اليونِينِية إلى السلطان عبد الحميد الثاني» :

انتقلت هذه النسخة الفريدة في خزائن كتب السلاطين والخلفاء، حتى استقرَّت لدى السلطان عبد الحميد الخليفة العثماني، فأرسل السلطان إلى شيخ الأزهر ليقوم بطباعة صحيح البخاري.

وقد قصَّ الشيخ حسونة النواوي القصة في مقدمة ما سُمِّي بعد ذلك بـالطبعة السلطانية للبخاري، نسبةً إلى السلطان عبد الحميد خان الثاني، والتي تمت طباعتها في المدة من 1311هـ إلى 1313هـ، في تسعة أجزاء، تُجلد عادةً في ثلاثة مجلدات، يضم كل مجلد ثلاثة أجزاء.

قطعة من كلام شيخ الإسلام والمسلمين

«حَسُّونَة النَّوَوِيّ» رحمه الله تعالى، قال:

«ففكَّر –أيَّده الله– في أجلِّ خدمةٍ يُسديها للسُّنَّة النبويَّة الحنيفة، فلم يرَ –وفَّقه الله– أكملَ من نشر أحاديثها الشريفة على وجهٍ يصحُّ معه النَّقل ويرضاه العقل، وقد اختار –أجلَّه الله– من بين كتب الحديث المنيفة كتاب صَحِيحِ البُخَارِيِّ، الذي هو بضبط الرواية عند أهل الدراية.

 

فأمر أن يُطبع في مَطْبَعَةِ مِصْرَ الأَمِيرِيَّةِ، لما اشتهرت به من دقَّة التصحيح وجودة الحروف بين سائر المطابع الأميرية، وأن يكون طبع هذا الكتاب في هذه المطبعة على النُّسْخَةِ اليُونِينِيَّةِ المحفوظة في الخِزَانَةِ المُلُوكِيَّةِ بِالأَسْتَانَةِ العَالِيَةِ، لما هي معروفة به من الصحَّة قليلة المثال في هذا الجيل وما مضى من الأجيال.

 

وأن يكون جميع ما يُطبع من هذا الكتاب وقفًا عامًا لجميع الممالك الإسلامية، وأن يتولَّى قراءة المطبوع بعد تصحيحه في المطبعة جمعٌ من أكابر علماء الأَزْهَرِ الشَّرِيفِ، الذين لهم في خدمة الحديث الشريف قدمٌ راسخة بين الأنام.

 

وفي التاسع عشر من شهر رمضان المبارك سنة 1312هـ من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التحيَّة، أبلغ صاحب الدولة الغازي أَحْمَدُ مُخْتَارٌ بَاشَا، المندوب العالي العثماني في القطر المصري، هذه الأوامر السلطانية إلينا، لنجمع من حضرات أكابر العلماء الأزهريين من يُعتمد عليهم في هذا الباب، ونقوم معهم بهذه الخدمة الشريفة والأعمال المنيفة.

 

ثم بعثت دولتُه إلينا بالنسخة اليونينية والنسخ المطبوعة، على يد صاحب السعادة عَبْدُ السَّلَامِ بَاشَا المَوَيْلِحِيُّ، للمقابلة عليها كما قضى بذلك الأمر الهمايوني الكريم.

 

وقد كان، فجمعنا ستة عشر ممن عمَّ فضلهم واشتهر، وأبلغناهم هذه الأوامر السلطانية، فتلقَّوها بصدورٍ رحبة وأفئدةٍ فرِحة، لعلمهم أنها خدمةٌ من أجلِّ الخدمات الدينية وأعظمها قدرًا وأكبرها نفعًا، خصوصًا وقد أمر بها جلالُ سُلْطَانِ المُسْلِمِينَ وحامي حوزة الدين.

 

وعلى ذلك جمعنا أيضًا ما أمكن جمعه من نسخ هذا التصحيح القديمة من المكتبات العامة والخاصة، مما عُني به المتقدِّمون ضبطًا وتصحيحًا، حتى تمَّت قراءته ومقابلته في مدةٍ يسيرة من الزمان، مع بذل ما في الاستطاعة من العناية بضبط الحروف وشكلها، وتحرِّي أسماء الرواة وضبطها، وتوجيه الروايات، فجاء هذا الكتاب الجليل –بحمد الله– على غاية ما يُرام، مطابقًا لما أراده مولانا أمير المؤمنين…».

 

والله أعلى وأعلم.