الانطلاق على قدر الهدف
10 فبراير، 2026
منبر الدعاة

بقلم أ.د/ سعد عبد المعطي عبد العليم شعبان
أستاذ التفسير وعلوم القرآن وعضو مجمع الفقه الاسلامي بكندا
حينما يكون الهدف عظيمًا ونادر التكرار يكون الاستعداد إليه عظيمًا، والانطلاق لتحصيله أعظم، لذلك أمر الله تعالى بالمسارعة في الخيرات والمسابقة إلى الطاعات لنيل مغفرة الله ورضوانه،
والمسارعة هذه تعني المبادرة والسبق إلى فعل الطاعات والأعمال الصالحة بنشاط وهمة، دون تأخير أو توانٍ، للفوز برضوان الله وجناته، وهي تتضمن الإقبال على العبادات، ومساعدة المحتاجين، والتخلق بالأخلاق الفاضلة، والاجتهاد في الخيرات المادية، والمعنوية أمر بالمسارعة والمسابقة فقال تعالى: (وَسَارِعُوٓاْ) وقال: (سَابِقُوٓاْ )، المسارعة إلي التوبة، والأوبة، والمغفرة، والعودة إلى الله تعالى والصلح معه، وخاصة في موسم الطاعات وزمن الخيرات وأوقات البركات امتثالاً لنداء رب الأرض والسماوات: والسَّرعة والتقدم والخفة إلى الشيء، مع الجد والرغبة والإقبال عليه.
الإسراع إلى كل ما يقرب إلى الله، مثل الصلاة والصيام، والصدقة والذكر والعلم والدعوة الي الله والامر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ولقد أعد الله لكل مهمة ما يناسبها من الاستعداد، السرعة، والانطلاق فعلى قدر الهدف ومكانته تكون الهمة، ويكون الانطلاق،
فعند النداء إلى السعي على المعاش والأرزاق الذي ضمنه الله لعباده مع توقفه على بذل سبب ولو يسير فقال (فامشوا)، قال تعالى: (هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ ذَلُولٗا فَٱمۡشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزۡقِهِۦۖ وَإِلَيۡهِ ٱلنُّشُورُ ) [الملك: 15]
وعند النداء إلى الصلاة التي هي أعظم أركان الإسلام ولا يقوم بها غير صاحبها ولها وقت محدد يحتاج تأهب مسبقاً واستعدادا للقيام بها بطمأنينة وسكينة ووقار فقال (فاسعوا)، قال تعالى: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوۡمِ ٱلۡجُمُعَةِ فَٱسۡعَوۡاْ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلۡبَيۡعَۚ ) [الجمعة: 9]
وعند النداء للمغفرة، والرضوان، والجنة، وهي السلعة الغالية تحتاج إلى منافسة عظيمة، ومسارعة جادة، وسباق ِشديد، فعبر عن السعي لها بالمسارعة قال تعالى: (وَسَارِعُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِينَ) [آل عمران: 133]،
قال تعالى: (سَابِقُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا كَعَرۡضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ أُعِدَّتۡ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ) [الحديد: 21]،
وعند فعل الخيرات قال تعالى: (فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ ) [البقرة: 148]، [المائدة: 48]
وعند الأمر بالرجوع إلى الله تعالى عبر بالفرار فقال تعالى: ﴿فَفِرّوا إِلَى اللَّهِ إِنّي لَكُم مِنهُ نَذيرٌ مُبينٌ﴾ [الذاريات: 50]
لذا يجب على المسلم أن يقتنص الفرص، وأن يغتنم، وأن يبادر من الأن، وأن يستعد للسباق والمسارعة للفوز بجنة الله ومغفرته ورضوانه وأن يستعد بذلك بالسعي بكل قوة وطاقة لنيل مرضاته الله وأن يتسابق في الخيرات وأن يهرع الى الله عز وجل فكل من تخاف منه تهرب منه إلا الله إذا تحقق الخوف منه تفر إليه وتلوذ به فهو الملاذ الآمن، والركن الشديد، اللطيف بعباده (ٱللَّهُ لَطِيفُۢ بِعِبَادِهِۦ) [الشورى: 19] يتودد إليهم وهو الغني عنهم (من يستغفرني من يسألني)
(فَفِرُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۖ) نسارع الي مغفرته ورضوانه ونتسابق الي جناته بكل ما يرضيه عنا من الان وقبل فوات الاوان وذلك استجابة لأمره سبحانه: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمۡ لِمَا يُحۡيِيكُمۡۖ) [الأنفال: 24]
واستجابة لامر نبيه صلى الله عليه وسلم إذ يقول: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا».
صحيح مسلم، (118)
قال النووي: “معنى الحديث الحث على المبادرة إلى الأعمال الصالحة قبل تعذرها والاشتغال عنها بما يحدث من الفتن الشاغلة المتكاثرة، المتراكمة كتراكم ظلام الليل المظلم لا المقمر، ووصف صلى الله عليه وسلم نوعاً من شدائد تلك الفتن، وهو أن يمسي مؤمناً ثم يصبح كافراً أو عكسه، وهذا لعظم الفتن، ينقلب الإنسان في اليوم الواحد هذا الانقلاب”. انظر: شرح النووي لمسلم حديث (118).
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سِتًّا: طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، أَوِ الدُّخَانَ، أَوِ الدَّجَّالَ، أَوِ الدَّابَّةَ، أَوْ خَاصَّةَ أَحَدِكُمْ، أَوْ أَمْرَ الْعَامَّةِ» صحيح مسلم، (2947)
فالعاقل من يغتنم فرصة الزمان ونحن مقبلون على شهر رمضان ويغتنم فرصة الحال وهو بصحته وشبابه ويملك ماله ولديه وقت وطاقة قبل أن يندم في وقت لا ينفع فيه الندم وقد جاء في الحديث عن أَبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «بَادِرُوا بِالأعْمَالِ سَبْعًا، هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلاَّ فَقْرًا مُنْسِيًا، أَوْ غِنَىً مُطْغِيًا، أَوْ مَرَضًا مُفْسدًا، أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا، أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا، أَوْ الدَّجّالَ، فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ، أَوْ السَّاعَةَ وَالسَّاعَةُ أدْهَى وَأمَرُّ؟!».الترمذي (4/552) وقَالَ هَذَا حَدِيث حسن»
والحديث فيه توبيخ لمن تأخر عن التوبة ولم يبادر إلى الاعمال الصالحة ماذا تنتظر؟؟
وأنت معك المال الأن هل تنتظر فقرًا مُنسِيًا، والفقر المنسي: ما يجعل الانسان ينسي طاعة الله وذكره، والغنى المطغي: ما يتجاوز به الحد حتى يشغله عن الدين، والمرض المفسد للبدن والصحة، والهرم المفند: حتى لا يمكن معه الحركة، ولا إدراك ما يقول. والموت المجهز: الذي يقضي على العبد بالفناء. عارضة الأحوذي (2306) بتصرف
هل تنتظر غننا يشغلك ويطغيك، انت الان بصحتك وعافيتك فهل تنتظر مرضًا يفسد حياتك ويذهب بمتعتك ويمنعك من الطاعة والعبادة، انت الان في شبابك وصحتك هل تنتظر هرَمًا مُفنّدًا أي كبر في السن فيجعلك تخرف ولا تعي ما تقول، أو تنتظر موتًا يجهز عليك ويذهب بآمالك وأحلامك، أو الدَّجَّالَ وعلامات الساعة حتى ترجع الي الله فالدجال فشرٌّ غائبٌ يُنتَظرُ، أو تنتظر السَّاعةُ فالسَّاعةُ أدهى وأمرُّ، وأصعب وأشق.
فبادر من الأن وسارع إلى مغفرة من الله، ففر واهرع واستقبل شهر رمضان بتوبة وقلب صادق ونية خالصة.