من جزيرة “إبستين” إلى وعيد القرآن

بقلم/ د. إسلام عوض مدير تحرير بجريدة الأهرام 

في لحظات تاريخية فارقة، تقف البشرية وجهًا لوجه أمام حقائق تعيد ترتيب الوعي، وتكشف زيف القوى التي ظنت يومًا أنها تمتلك مفاتيح الأرض والسماء، بل وصل بها الجبروت أن ظنت أن بيدها -وأسغفر الله وأتوب إليه- مقادير العباد، وليست فضيحة ‘إبستين’ مجرد ملف جنائي مكدس بالأسماء والجرائم، بل هي في جوهرها تجلٍّ صارخ لسنن إلهية لا تحابي أحدًا، وصورة حية لما يؤول إليه حال الإنسان حين ينفصل نفوذه عن وازعه الأخلاقي والإنساني. 

إن ما نتابعه اليوم من تهاوي تلك القلاع المحصنة بالمال والسلطة، يضعنا أمام استحقاق إيماني وتاريخي، نرى فيه كيف يتحول الترف من وسيلة للعيش إلى أداة للبغي، وكيف يمهد الفسق الطريق لنهاية حتمية سطرتها السماء قبل آلاف السنين.

تطل علينا فضيحة “إبستين” كمرآة كاشفة لواقع إنساني مأزوم، تتجاوز في أبعادها مجرد التفاصيل الجنائية لتصبح نموذجًا حيًا للنبوءة القرآنية التي حذرت من طغيان المادة على الروح، فما كشفته الوثائق من توغل النفوذ واستغلال السلطة والثروة في أبشع صورها، يبرهن بوضوح على أن تلك النخبة المترفة قد سقطت في فخ البغي الذي حذر منه رب العزة في محكم التنزيل حين قال: (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ)، فهذا البسط في الرزق والتمكين في الأرض لم يقابل بالحمد أو المسئولية، بل تحول إلى جنون العظمة الذي يظن أصحابه أنهم فوق المحاسبة وفوق نواميس الخلق.

إن المشهد الذي نراقبه اليوم من سقوط مروع لرموز كانت تملأ السمع والبصر ما هو إلا بداية لزلزال أخلاقي سيجرف في طريقه عروشًا من الوهم بناها المترفون على أنقاض الفطرة السوية، واليقين يملأ قلوبنا بأننا سنرى عقابهم بأعيننا قريبًا، ليس فقط في قاعات المحاكم، بل في تدمير هيبتهم وزوال بركة ما يملكون، وذلك مصداقًا لقوله تعالى: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) صدق الله العظيم.

فالمتأمل في هذه الآية يدرك أن الفسق الذي مارسه هؤلاء في خلواتهم المحصنة قد أذن بخراب بنيانهم الذي شيدوه من الزيف، فالله لا يصلح عمل المفسدين مهما طال الأمد، وما انفجار هذه القضية في هذا التوقيت إلا نوع من “الدمار” المعنوي والاجتماعي الذي يحيق بالقرى الظالمة التي استباحت الضعفاء، وظنت أن ستار الترف سيحميها من شمس الحقيقة، إنها معركة الوعي التي نرى فيها كيف تهوي الأقنعة لتظهر الوجوه على حقيقتها، معلنةً أن يد العدالة الإلهية هي الأطول، وأن وعيد الله للمفسدين آتٍ لا محالة ليشفي صدور قوم مؤمنين بالحق والعدل، وإن غدًا لناظره قريب.