الدِّينُ يُسْرٌ.. رَحْمَةُ الْخَالِقِ لَا تَمْيِيعُ الثَّوَابِتِ: قِرَاءَةٌ فِي مَنْهَجِ الِاعْتِدَالِ
6 فبراير، 2026
منبر الدعاة

بقلم فضيلة الشيخ/ أحمد إسماعيل الفشني
من علماء الأزهر الشريف
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الشَّرِيعَةَ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَرَفَعَ عَنَّا الْإِصْرَ وَالْأَغْلَالَ بِفَضْلِهِ الْمُبِينِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى “الْمُبَشِّرِ” الَّذِي بُعِثَ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، الَّذِي مَا خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْماً، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَهْلِ الِاعْتِدَالِ وَالْيَقِينِ.
أَمَّا بَعْدُ..
فَإِنَّ كَلِمَةَ “الدِّينُ يُسْرٌ” هِيَ مِنْ أَكْثَرِ الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ دَوَرَاناً عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ، وَلَكِنَّ فَهْمَهَا انْقَسَمَ بَيْنَ طَرَفَيْنِ: طَرَفٌ شَدَّدَ حَتَّى نَفَّرَ النَّاسَ وَظَنَّ أَنَّ الْقَسْوَةَ هِيَ التَّدَيُّنُ، وَطَرَفٌ سَهَّلَ حَتَّى مَيَّعَ الثَّوَابِتَ وَظَنَّ أَنَّ التَّرَخُّصَ فِي الْفَرَائِضِ هُوَ الْيُسْرُ. وَالْمَنْهَجُ الْوَسَطِيُّ يُعَلِّمُنَا أَنَّ الْيُسْرَ هُوَ “رَفْعُ الْحَرَجِ مَعَ حِفْظِ الْأَصْلِ”.
مَا هُوَ الْيُسْرُ الْحَقِيقِيُّ؟
الْيُسْرُ فِي دِينِنَا لَيْسَ اتِّبَاعاً لِلْهَوَى، بَلْ هُوَ الِانْضِبَاطُ بِالرُّخْصَةِ الشَّرْعِيَّةِ عِنْدَ وُجُودِ السَّبَبِ. فَالْقَصْرُ فِي السَّفَرِ يُسْرٌ، وَالتَّيَمُّمُ عِنْدَ فَقْدِ الْمَاءِ يُسْرٌ، وَالْإِفْطَارُ لِلْمَرِيضِ يُسْرٌ. أَمَّا تَرْكُ الصَّلَاةِ كَسَلاً، أَوْ التَّهَاوُنُ فِي الْحِجَابِ، أَوْ تَبْرِيرُ الرِّبَا بِحُجَّةِ “الدِّينِ يُسْرٌ”، فَهَذَا لَيْسَ يُسْراً، بَلْ هُوَ تَمْيِيعٌ لِحُدُودِ اللَّهِ.
مَوَاقِفُ وَقَصَصٌ فِي مَنْهَجِ الْيُسْرِ وَالِاعْتِدَالِ
-
قِصَّةُ الرَّهْطِ الثَّلَاثَةِ (تَصْحِيحُ الْغُلُوِّ):
جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ، فَلَمَّا أُخْبِرُوا بِهَا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا (رَأَوْهَا قَلِيلَةً)، فَقَالُوا: “أَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ؟”.
فَقَالَ أَحَدُهُمْ: “أَنَا أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَداً”. وَقَالَ الْآخَرُ: “أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ”. وَقَالَ الثَّالِثُ: “أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَداً”.
فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ، رَفَضَ هَذَا التَّشْدِيدَ وَقَالَ: «أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ). لَقَدْ أَرْسَى النَّبِيُّ قَاعِدَةً أَنَّ الْغُلُوَّ مَنْبَتُّ الصِّلَةِ عَنِ الدِّينِ.
-
قِصَّةُ الْأَعْرَابِيِّ فِي الْمَسْجِدِ (يُسْرُ التَّعْلِيمِ):
دَخَلَ أَعْرَابِيٌّ الْمَسْجِدَ فَبَالَ فِي نَاحِيَةٍ مِنْهُ، فَقَامَ الصَّحَابَةُ لِيَزْجُرُوهُ وَيَقَعُوا بِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ بِرِفْقٍ وَيُسْرٍ: «دَعُوهُ وَأَهْرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلاً مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ». لَقَدْ عَلَّمَهُمُ النَّبِيُّ أَنَّ كَسْبَ الْإِنْسَانِ أَهَمُّ مِنْ نَظَافَةِ الْمَكَانِ، وَأَنَّ الرِّفْقَ هُوَ جَوْهَرُ التَّيْسِيرِ فِي الدَّعْوَةِ.
-
قِصَّةُ سَيِّدِنَا عُمَرَ وَفَهْمُ الرُّخْصَةِ:
سُئِلَ سَيِّدُنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَنْ قَصْرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ وَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ (لِأَنَّ الْآيَةَ تَقُولُ: “إِنْ خِفْتُمْ”)، فَقَالَ عُمَرُ: “عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: (صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ)”. هَذَا هُوَ الْيُسْرُ؛ أَنْ نَقْبَلَ هَدَايَا اللَّهِ لَنَا دُونَ تَنَطُّعٍ أَوْ تَشْدِيدٍ لَا دَاعِيَ لَهُ.
وَفِي مَقَامِ الْيُسْرِ وَالِاعْتِدَالِ نَقُولُ:
دِينُ الْهُدَى يُسْرٌ بِلَا تَفْرِيطِ … وَالْحَقُّ وَسْطٌ لَا بِلَا تَقْنِيطِ
لَا شِدَّةٌ تُقْسِي الْقُلُوبَ وَتَمْحَقُ … وَلَا تَمَيُّعَ فِي الْهُدَى وَتَخْبِيطِ
شَرْعُ الْإِلَهِ رَحِيمٌ فِي أَحْكَامِهِ … يَحْمِي الْعِبَادَ مِنَ الْهَوَى الْمَفْرُوطِ
فَخُذِ الْيَسِيرَ إِذَا تَعَسَّرَ مَوْقِفٌ … وَالْزَمْ صِرَاطَ الْحَقِّ بِالتَّنْبِيطِ
كَيْفَ نُطَبِّقُ مَفْهُومَ الْيُسْرِ فِي حَيَاتِنَا؟
* الْيُسْرُ مَعَ النَّفْسِ: لَا تُحَمِّلْ نَفْسَكَ مِنَ النَّوَافِلِ مَا لَا تُطِيقُ فَتَنْقَطِعَ؛ بَلْ “أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ”.
* الْيُسْرُ فِي الدَّعْوَةِ: حَبِّبِ النَّاسَ فِي اللَّهِ، وَلَا تَجْعَلْ كَلَامَكَ كُلَّهُ عَنِ “النَّارِ وَالْعَذَابِ”، بَلْ بَشِّرْهُمْ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ.
* الْيُسْرُ فِي الْمُعَامَلَةِ: كُنْ سَمْحاً إِذَا بِعْتَ، وَسَمْحاً إِذَا اشْتَرَيْتَ، وَسَمْحاً إِذَا اقْتَضَيْتَ؛ فَالْيُسْرُ خُلُقٌ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ حُكْماً.
* الْحَذَرُ مِنَ الْهَوَى: إِيَّاكَ أَنْ تُسَمِّيَ “تَرْكَ الْوَاجِبِ” يُسْراً؛ فَالْيُسْرُ أَنْ تُصَلِّيَ قَاعِداً إِذَا عَجَزْتَ، لَيْسَ أَنْ تَتْرُكَ الصَّلَاةَ بِحُجَّةِ أَنَّ “الدِّينَ يُسْرٌ”.
خِتَاماً:
الدِّينُ يُسْرٌ لِأَنَّهُ يُنَاسِبُ فِطْرَةَ الْإِنْسَانِ وَيَرْحَمُ ضَعْفَهُ. فَلَا تَكُنْ غَالِياً فَتَهْلِكَ، وَلَا تَكُنْ جَافِياً فَتَضِيعَ، وَالْزَمِ الْمَنْهَجَ الْوَسَطِيَّ الَّذِي ارْتَضَاهُ اللَّهُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ.
نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُبَصِّرَنَا بِحَقَائِقِ دِينِنَا، وَأَنْ يَجْعَلَنَا مُبَشِّرِينَ لَا مُنَفِّرِينَ، مُيَسِّرِينَ لَا مُعَسِّرِينَ.
وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.