بيان طهارة النسب الشريف ونورانية الحجة اللغوية
6 فبراير، 2026
منبر الدعاة

بقلم أ : محمد عطية
معلم أول بالأزهر الشريف
إنَّ المتدبر في أسرار البيان الإلهي، والمستمسك بعروة لغة العرب، يدركُ يقيناً أنَّ القول الراجح والصحيح هو أن “آزر” كان عمَّ الخليل إبراهيم عليه السلام وليس والده، وفي هذا البرهان مفتاحٌ لغويٌّ يقطع دابر الشبهات حول نجاة والدي حضرة سيدنا النبي ﷺ. وهذا ميزانٌ علميٌّ صرف، حتى لا نُتَّهم بأننا نبني أحكامنا على العاطفة بعيداً عن العلم، وإن اتُّهِمنا فكفى بنا شرفاً هذا الاتهام.
فبناءً على ما قرره ابن منظور في “لسان العرب”، يُفرق القرآن الكريم بدقة معجزة بين لفظ (الوالد) الذي لا يُطلق إلا على الأب المباشر من الصُّلب حصراً، وبين لفظ (الأب) الذي يتسع لغوياً ليشمل العمَّ والجدَّ والمربي؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ ولم يقل (وبالأبوين)، لقصره على أصل الإنسان المباشر الذي لا يحتمل المجاز أو دخول العم فيه.
وتأمل أيها المحب لوالدي حضرة سيدنا النبي ﷺ- أنَّ المقصود حينما يكون الأب الحقيقي يقول القرآن: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾، ولما قَصَد العم قال: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾. والمتتبع لآيات القرآن الكريم يجد أن كل الآيات ذكرت لفظ (أبيه) في حق آزر، ولم تذكر لفظ (والده) أو (والدته) إلا في مقام الدعاء لهما بالمغفرة والرحمة، وقد اهتم القرآن بذكر (الوالد والولد والمولود) للتأكيد على معانيهم الحقيقية: ﴿لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ﴾، ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾، ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾.
وتأمل أخي المحب في الميراث المجمع عليه؛ كان النص الحاسم: ﴿وورِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ ولم يقل (والداه)، لأن “الأب” يكون الجد وهو داخل في الميراث بالحجب، وهذا من سعة اللفظ. والدليل القاطع من القرآن على إطلاق “الأب” على “العم” هو قوله تعالى عن بني يعقوب: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾؛ وإسماعيل هو (عمّ) يعقوب بنص القرآن وسماه “أباً” على سبيل التوقير، وقد قال النبي ﷺ: “عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ”.
ويظهر التوفيق الإلهي في مواقف الخليل إبراهيم عليه السلام؛ فقد استخدم لفظ (الأب) مع آزر الكافر وتبرأ منه، لكنه في ختام حياته دعا لوالديه بلفظ (الوالدَيْن) الذي لا يحتمل إلا الحقيقة والنسب المباشر. فلو كان آزر هو الوالد، لكان إبراهيم قد خالف أمر الله واستغفر لمشركٍ تبرأ منه سابقاً، وهذا محالٌ في حق المعصوم.
وبهذا يزول إشكال حديث “أبي وأبوك في النار”؛ ويُحمل لفظ “الأب” فيه على “العم” صيانةً لمنصب النبوة. وعليه، فإن والدي حضرة سيدنا النبي ﷺ (عبد الله وآمنة) ناجيان وطاهران بيقين؛ فقد نصَّ القرآن على طهارة هذا النسب: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾، فاستحال لغوياً وشرعياً أن يكون في نَسَب المصطفى ﷺ مشركٌ واحد. فهما سلالة توحيد، وناجيان ببركة الصُّلْب الطاهر وبحكم “أهل الفترة” الذين قال الله فيهم: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾.
وهنا نسجل عتاباً رقيقاً للم شمل الأمة ووحدة صفها؛ فنحن نتعجب صراحةً كيف يستميت البعض في ليِّ أعناق النصوص لخدمة منهجٍ جاف، فبينما يجهدون أنفسهم ويصولون ويجولون بكل ما أوتوا من قوة لتأويل حديث التوسل الصحيح الصريح “أتوجَّه إليك بنبيك محمد” فيحولون (الذات) إلى (دعاء) فراراً من الحقيقة، نراهم عند حديث “أبي وأبوك” يرفضون أي تأويل لغوي ويتمسكون بحرفية النص بجمودٍ غريب! ليت شعري أي عقل هذا؟ وكيف يُقبل التأويل لتنقيص الفضل ويُمنع التأويل لتنزيه الأصل؟
إن وحدة الصف تقتضي أن نجتمع على ما يُعزز مكانة نبينا ﷺ، لا أن نتتبع ما قد يُفهم منه النقص بجهلٍ بلغة العرب وقواعد البيان. فسبحان الله على تناقضٍ يجعل المرء يطلب الشفاعة ممن نال من والديه، ويؤول النصوص على مقاس الأهواء لا على مقاس الشرع واللغة. والواجب أن نصون الجناب النبوي، فمن لم يجعل الله له نوراً من أدب اللغة وأدب النبوة، فما له من نور.