« نشر المحتوى الإباحي من قِبَل بعض البلوجرز بدافع زيادة المشاهدات والتفاعل في ميزان الدعوة الإسلامية»
6 فبراير، 2026
قضايا وأحكام

بقلم الدكتور: محمد عبدالحليم المعصراوى
في البداية لا بد من الفهم والإدراك العميق لحجم التحديات والمخاطر التي تمثلها هذه الظاهرة على الدعوة الإسلامية والدعاة، وسينتظم الحديث حولها في عدة نقاط تلخص وتبلور الموضوع في صورةٍ واضحةٍ ومحددةٍ، وهاك النقاط على النحو الآتي:
أولًا: «ضوابط الاستفادة من التطور التكنولوجي في الرؤية الشرعية» :
لا ريب أن التطور التكنولوجي المتسارع الذي يشهده العالم المعاصر قد أضحى حقيقةً مفروضة، وأداةً مؤثرة في تشكيل الوعي الإنساني، وصناعة الرأي العام، وتوجيه السلوك الفردي والجماعي. وقد قرر الإسلام مبدأ الانتفاع بوسائل الحضارة والتقدم، بل حضَّ عليه؛ لما فيه من جلب المصالح وتكميلها، ودرء المفاسد وتقليلها، غير أن هذا الانتفاع مشروطٌ بانضباطه بقيم الشريعة الإسلامية ومقاصدها الكلية، التي جاءت لصيانة الكرامة الإنسانية، وحفظ الخصوصية، وحماية الأخلاق العامة.
وعليه؛ فإن تسخير الوسائل التكنولوجية في التلصص على الناس، وتتبع عوراتهم، وكشف خصوصياتهم، أو تهديد استقرار المجتمع وقيمه التربوية، يُعدّ خروجًا صريحًا عن المنهج القويم، وانحرافًا بالأداة النافعة عن مقصدها، وتحويلًا لها من وسيلة للبناء والرقي إلى أداة للهدم والإفساد، وهو ما تأباه الشريعة جملةً وتفصيلًا.
ثانيًا: «خطورة المحتوى الرقمي الخارج عن القيم والآداب المجتمعية» :
على الرغم من السطوة الواسعة التي يتمتع بها الإعلام الرقمي، وما يتسم به من سرعة الانتشار وقوة التأثير، إلا أنه – في كثير من مظاهره – بات يُقدِّم نماذجَ ومضامينَ تتعارض مع القيم الأخلاقية والآداب المجتمعية، ولا سيما ما يصدر عن بعض فئة «البلوجرز» – وهي كلمة أجنبية الأصل (Blogger) تُطلق على صُنّاع المحتوى المرئي عبر المنصات الرقمية – حيث يعمد بعضهم إلى نشر فضائح أخلاقية، أو مقاطع خارجة عن الذوق العام، طلبًا لزيادة التفاعل من تعليقٍ أو مشاركةٍ أو إعجابٍ حول ما يُنشر.
والواقع أن كثيرًا من هذه المقاطع القصيرة، التي تُقدَّم في صورة نصائح أو قصص واقعية، لا تختلف في حقيقتها عن وسائل الإفساد الأخرى؛ إذ تقوم على إثارة الغرائز، وإدمان المشاهدة، والتطبيع مع الانحراف، وتحقق انتشارًا سريعًا وثروة عاجلة، شأنها في ذلك شأن تجار المخدرات؛ فكلاهما إدمانٌ مدمِّر، وفسادٌ متعدٍّ، وخطرٌ على الفرد والمجتمع.
ثالثًا: «التحذيرُ الشرعيُّ من إشاعة الفاحشة ونشر المقاطع غير الأخلاقية»:
إن نشر المقاطع غير الأخلاقية، أو الترويج لها بأي صورة من الصور، يُعدّ في ميزان الشريعة الإسلامية من إشاعة الفاحشة في المجتمع، وهي جريمة عظيمة توعّد الله تعالى مرتكبيها بالوعيد الشديد، فقال سبحانه:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور: 19].
وهذه الآية الكريمة عامة في كل من سعى إلى تتبع العورات، أو هتك الستور، أو إشاعة الفواحش بين المؤمنين، سواء كان ذلك بالفعل أو بالقول أو بالنشر أو بالترويج.
وقد قرر الإمام فخر الدين الرازي هذا المعنى تقريرًا محكمًا، فقال في مفاتيح الغيب (11/ 279، ط. دار الفكر):
«لا شك أن ظاهر قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ﴾ يفيد العموم، وأنه يتناول كل من كان بهذه الصفة، ولا شك أن هذه الآية نزلت في قذف عائشة؛ إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ فوجب إجراؤها على ظاهرها في العموم، ومما يدل على أنه لا يجوز تخصيصها بقذفة عائشة؛ قوله تعالى: ﴿فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فإنه صيغة جمع، ولو أراد عائشة وحدها لم يجز ذلك» اهـ.
رابعًا: «التسوية بين فعل الفاحشة وإشاعتها في الإثم» :
جعل الإسلام إشاعة الفاحشة وفعلها في ميزان الإثم سواءً؛ لما يترتب على كل منهما من أضرارٍ جسيمة تمسّ الفرد والمجتمع معًا.
فقد أخرج الإمام البخاري في الأدب المفرد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: «القائلُ الفاحشةَ والذي يُشيعُ بها في الإثم سواء».
وقال عطاء رضي الله عنه: «من أشاع الفاحشة فعليه النكال، وإن كان صادقًا»
أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره.
كما رتّب النبي صلى الله عليه وآله وسلم على جريمة إشاعة الفاحشة عقوبة عظيمة، فقال: «أَيُّمَا رَجُلٍ أَشَاعَ عَلَى رَجُلٍ مُسْلِمٍ بِكَلِمَةٍ هُوَ مِنْهَا بَرِيءٌ يَشِينُهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا؛ كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يُذِيبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي النَّارِ حَتَّى يَأْتِيَ بِنَفَاذِ مَا قَالَ» .
رواه الإمام الطبراني في الكبير، كما ذكره الإمام الهيثمي في مجمع الزوائد (4/ 201، ط. مكتبة القدسي، القاهرة)، ورواه الإمام ابن أبي الدنيا في ذم الغيبة والنميمة.
خامسًا: «سوء عاقبة التشهير والتسميع وتتبع العورات» :
بيّن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خطورة التشهير بالناس والتسميع بعيوبهم، وأن الجزاء من جنس العمل، فقال: «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ بِهِ، وَمَنْ رَاءَى رَاءَى اللهُ بِهِ» رواه مسلم.
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا تُؤْذُوا عِبَادَ اللهِ، وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ، وَلَا تَطْلُبُوا عَوْرَاتِهِمْ؛ فَإِنَّهُ مَنْ طَلَبَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ طَلَبَ اللهُ عَوْرَتَهُ حَتَّى يَفْضَحَهُ فِي بَيْتِهِ» أخرجه الإمام أحمد.
سادسًا: «تعارض نشر الفضائح مع مبدأ الستر في الشريعة الإسلامية» :
إن نشر الفضائح الأخلاقية يتنافى تعارضًا كليًّا مع ما قررته الشريعة من الحث على الستر والاستتار؛ إذ الأصل في شؤون العباد الخصوصية لا التشهير.
قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
«مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» أخرجه الإمام مسلم.
وقال الإمام ابن عبد البر في التمهيد (5/ 337، ط. مؤسسة قرطبة): «وفيه أيضًا ما يدل على أن الستر واجب على المسلم في خاصة نفسه إذا أتى فاحشة، وواجب ذلك عليه أيضًا في غيره».
سابعًا: «الواجب الشرعي على من ابتُلي بمعصية» :
حثّت الشريعة من ابتُلي بمعصية على الستر على نفسه، وعدم المجاهرة بها، مع المبادرة إلى التوبة والاستغفار، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ أَصَابَ مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ…» أخرجه الإمام مالك في الموطأ.
وقد نصّ الفقهاء على ذلك:
فقال العلامة المرغيناني في الهداية (3/ 125، ط. دار إحياء التراث العربي): «الستر واجب، والإشاعة حرام» اهـ.
وقال الشيخ عليش المالكي في منح الجليل (3/ 408، ط. دار الفكر): «يجب ستر الفواحش على نفسه وعلى غيره…» اهـ.
وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في أسنى المطالب (4/ 131، ط. دار الكتاب الإسلامي): «(ويستحب للزاني) ولكل من ارتكب معصية (الستر) على نفسه» اهـ.
وقال الموفق ابن قدامة في المغني (10/ 182، ط. مكتبة القاهرة):
«ورد الشرع بالستر والاستتار» اهـ.
ثامنًا: «حكم كشف السر وخيانة الأمانة» :
إذا أسرّ العبد بمعصيته إلى غيره، فلا يجوز لمن استؤمن على ذلك كشفه أو نشره؛ لأن في ذلك خيانةً للأمانة ونقضًا للعهد.
قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 34].
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
«آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ… وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ»
متفق عليه.
تاسعًا: «حكم نشر الفضائح والمقاطع غير الأخلاقية عن طريق الغير» :
نشر الفضائح – ولو نقلًا عن الغير – يُعدّ من الغيبة المحرمة، لما فيه من ذكر الإنسان بما يكره.
قال الإمام النووي في الأذكار (ص: 535، ط. دار ابن حزم): «فأما الغيبة: فهي ذكرك الإنسان بما فيه مما يكره… سواء ذكرته بلفظك، أو كتابك، أو رمزت، أو أشرت…» اهـ.
خاتمة (نسأل الله حسنها) :
نشر المحتوى الإباحي أو الفضائحي عبر المنصات الرقمية، طلبًا للشهرة أو زيادة التفاعل، محرَّم شرعًا؛ لما يشتمل عليه من إشاعة الفاحشة، وهتك الستور، والاعتداء على الأعراض، وقد استوت النصوص الشرعية وأقوال العلماء على تحريم فعله والتشديد في الوعيد على ناشره ومروِّجه. والواجب دعويًا تسخير الإعلام الرقمي في الإصلاح وصيانة الأخلاق، لا في التطبيع مع الفساد أو ترويجه.
«والله أعلى وأعلم»