ما وراء المشرط: في مديح السنين وفلسفة الرضا في عصر المحاكاة

بقلم الدكتورة :تاليا عراوي كاتبة واخصائية في الأخلاقيات وناشطة في مجال حقوق الإنسان

بينما كنتُ واقفةً في رتابة طابور أمن المطار، لم يباغتني ضجر الانتظار بقدر ما أرعبني ذلك الإحساس الغريب بالوادي غير المألوف. كنتُ أتوقع أن أرى وجوهاً تحكي قصصاً، ملامحاً تعكس جغرافيا الأرض وتنوع الأعراق، لكنني وجدتُ نفسي فجأةً في صالة عرض لدمىً بشرية خرجت للتو من ذات القالب.

على يميني ويساري، كانت وجوه النساء والفتيات تتلاشى في جمالية واحدة مطلقة وباردةوجناتٌ مرتفعة كأنها نُحتت من رخام متجمد، أنوفٌ موحدة بشكل يثير الريبة، وحواجب مرسومة بدقةٍ هندسية ترفض الانصياع لقوانين التعبير أو الارتجاف. شعرتُ بذعرٍ صامت؛ لم يكن الأمر مجرد تشابه، بل كان محواً جماعياً للهويةلقد تحول الوجه الأنثوي من نصٍّ فريد لا يقرأه إلا من يحبنا، إلى نسخة كربونية باهتة تطارد معايير اصطناعية.

إننا لا نتحدث هنا عن رغبة عابرة في التجميل، بل عن استلابٍ فلسفي للفطرة. لقد أصبح المشرط هو الأداة التي نكتب بها خوفنا من الزمن، وخجلنا من التفرد. لماذا قررنا أن التحسين, إن صح التعبير, يعني بالضرورة الاستنساخ؟ ولماذا صار وجه المرأة مطالبًا بأن يكون جدارًا أملس لا تترك عليه الحياة أي أثر؟ إن هذا الهروب الجماعي إلى القناع الموحد هو صرخة استغاثة ضد مجتمعٍ يقايض الاحترام بالشباب الدائم، ويستبدل سحر الاختلاف برعب التكرار ملس لا تترك عليه الحياة أي أثر؟ إن هذا الهروب الجماعي إلى القناع الموحد هو صرخة استغاثة ضد مجتمعٍ يقايض الاحترام بالشباب الدائم، ويستبدل سحر الاختلاف برعب التكرار. وفي غمرة هذا التحول، أتساءل أحياناً: هل ما نشهده هو مجرد هروبٍ ذعور من مرآة الحقيقة، أم أنه طاعة حزينة لإملاءات سلطاتٍ خفية؟ سلطاتٍ يبدو أن دورها المحوري يكمن في ترويض الطبيعة، وتنميط الثقافة، واغتيال العفوية؛ وذلك لأسبابٍ ومصالح تتجاوز حدود هذا المقال، لتغوص في أعماق السيطرة على الوعي الإنساني .. مجتمع لم يفقد ملامحه المتفردة وخصوصيته الثقافية فحسب، بل سقط أسيرًا لصورة نمطية لما يُسمى المرأة الجميلة؛ تلك الصورة التي باتت، وللأسف، غارقة في بحر من الاصطناع والزيف، حتى غدا الجمال قيداً يُكبل الهوية بدلاً من أن يكون تعبيراً عن جوهر الروح.

لقد فقدنا القدرة على التمييز بين الجمال وبين المواصفات القياسية، وبين أن نكون بشراً وبين أن نكون منتجات. وهنا يتسلل السؤال المقلق: إذا كانت كل الوجوه قد أصبحت وجهاً واحداً، فأين ضاعت الروح التي كانت تسكنها؟ وماذا حلّ بتلك الروح وهي تتشظى اليوم بين جسدٍ كانت تعرفه ويألفها، وبين هوية وجهٍ اصطناعية جديدة تبدو مع مرور الوقت أكثر غُربة ونفوراً من أي وقت مضى؟ إنها حالة من التيه يسكن فيها الكائن داخل قناعٍ لا يعكسه، ويحاول الانتماء لملامح لا تشبه تاريخه، ليجد نفسه غريباً حتى عن صورته في المرآة .

إن طلاب الطب حين يشرعون في دروس التشريح، يتركون الوجه ليكون آخر ما يُكشف عنه الستار؛ فثمة هيبة في قسمات الوجه تروي سيرة حياة كاملة، وتختزل آثار التجارب والزمن. أما اليوم، فماذا بقي من ذلك الوجه خلف ركام الحقن وزيف الغرسات الاصطناعية؟ وأيُّ هويةٍ صمدت بعد أن واراها هذا القناع المصمت؟

منذ فجر التاريخ، لم تكن الجراحة التجميلية ترفاً، بل كانت محاولة بائسة لاستعادة الإنسانية المسلوبة. في الهند القديمة، عام 600 قبل الميلاد، وضع الطبيب سوشروتا أولى لبنات هذا الفن لترميم أنوف الذين بترتها عقوبات جائرة؛ كانت الجراحة حينها فعلاً لاسترداد الكرامة، لا لتغيير الهوية.

تطورت هذه الرحلة عبر آلام الحروب العالمية؛ حيث كان الجراحون في خنادق القتال نحاتين للوجوه المهشمة، يحاولون إعادة بناء ملامح الجنود الذين فقدوا ملامحهم تحت وطأة الشظايا. كانت الغاية هي الترميم (Reconstruction) أي العودة بالجسد إلى حالته الطبيعية الناقصة والجميلة بعفويتها. وفي هذا السياق، تستحضر الذاكرة الطبية قصة الرجل الفيل؛ ذاك الإنسان الذي حُبس خلف تشوهاتٍ جسدية قاسية، فكانت حاجته للجراحة صرخةً من أجل استعادة الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية، لا طلباً لرفاهيةِ التغيير. لقد كان الطبُّ حينذاك ملاذاً أخيراً لمداواة الانكسارات الوجودية، حيث لا يُمسُّ الوجه إلا عند الضرورة القصوى التي تفرضها الفطرة.

لقد وُجدت الجراحة الترميمية لتُعيد للوجه ‘إنسانيته’ المسلوبة، لا لتسلبه ‘فرادة’ ملامحه. فشتان بين مبضعٍ يسعى لجبر حطام الأرواح، وبين إبرةٍ تلهث اليوم خلف سرابِ كمالٍ زائف، يمحو أثر الزمن ويقتل في الوجه صدق الحكاية.

أما اليوم، فقد حدث الانزياح الفلسفي الأكبر. انتقلنا من علاج التشويه إلى تقديس النمط .تحول المشرط من أداة إنقاذ إلى أداة ضبط جودة، حيث يُعاد تشكيل الوجوه لتطابق معايير مصنعية موحدة. إن مفارقة التاريخ تكمن هنا: الجراحة التي وُجدت يوماً لتجعل الشخص طبيعياً مرة أخرى، أصبحت اليوم الوسيلة التي تجعل الجميع غير طبيعيين بنفس الطريقة تماماً.

لقد استبدلنا فن استعادة الذات بصناعة الهروب من الذات، وهذا هو التشويه الحقيقي الذي يتجاوز سطح الجلد ليمس جوهر الوجود. لقد تجاوزت هذه الممارسة حدود التجميل البسيط لتصبح سلاحاً ذا حدين، خاصة حين يكون التقدم في العمر هو العدو اللدود، ويكون المشرط هو الطبيب المزيف الذي يبيعنا الوهم. إننا لا نجمل وجوهنا فحسب، بل نطمس هوياتنا خوفاً من ألا نكون أشباه الآخرين، متناسين أن الجمال الذي لا يحمل بصمة الروح والزمن هو مجرد قناعٍ بلاستيكي في عالمٍ يفتقد الأصالة.

إن محاولة إخفاء الشيخوخة عبر الوسائل الاصطناعية و محاولة للانحناء والامتثال لمفاهيم اجتماعية متقلبة وأعرافٍ واهية ليست مجرد رغبة في التجميل، بل هي إنكار صريح للصدق مع الذات وتصادم مع السنن الكونية التي جعلت لكل مرحلة عمرية وقارها وجمالها الخاص. فالحقيقة التي يتجاهلها هوس التجميل هي أن التقدم في السن بركة وهبة إلهية، وكل مرحلة يمر بها الإنسان تحمل جمالاً فريداً يتسق مع طبيعة خلقه؛ فجمال العشرين في حيويته، وجمال الأربعين في نضجه، وجمال الستين في وقاره وحكمته. إن تجاعيد الوجه ليست عيوباً يجب ردمها، بل هي ندوب معارك الحياة الشريفة وحكايات الصبر التي لا يمكن للمشرط أن يحاكيها. إن الإصرار على محو آثار الزمن يكرس ثقافة سطحية تجعل من العمر مرضاً بدلاً من كونه ارتقاءً، مما يحرم الإنسان من السكينة التي تأتي مع قبول الذات، ويخلق فجوة مؤلمة بين مظهر خارجي متجمد وروح نضجت بالخبرات. وبدلاً من الاحتفاء بكل فصل من فصول الحياة كجزء أصيل من الفطرة، نجد أنفسنا نعلّم الأجيال القادمة الخوف من المستقبل، متناسين أن الجمال الحقيقي يكمن في الانسجام مع تدفق الحياة وقبول بركتها كما هي، دون زيف أو تزييف. وفي هذا المعنى يذكرنا القرآن الكريم بقوله تعالى: “لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ”، مما يعني أن صورتنا هي اختيار الخالق الحكيم وليست مجالاً للعبث.

إن ظاهرة المستنساخات هذه ليست فشلاً شخصياً نابعاً من الغرور بل هي النتيجة المنطقية لتداخل عدة قوى اجتماعية واقتصادية قوية لتسليع الوجه البشري. في المجتمع الرأسمالي، يُعامل الجسد كعمل مستمر قيد التنفيذ، كمنتج غير مكتمل يتطلب عمليات تجميلية متلاحقة ومستمرة. في كتاب “أسطورة الجمال”، تؤكد ناعومي وولف أن معايير الجمال تعمل كنظام عقائدي حديث مصمم للحفاظ على الهيمنة الذكورية من خلال جعل النساء يشعرن بعدم الكفاية على الدوام. ومن خلال الترويج لمثال غير واقعي للشباب والنحافة، يضمن المجتمع أن تشعر النساء بأنهن قبيحات لغالبية حياتهن، مما يبقيهن مشغولات وخاضعات بشكل فعال. هذه المؤامرة الثقافية تغذيها صناعات قوية تتربح من حالات عدم الأمان هذه؛ فعندما تشعر النساء بالقصور، يندفعن لشراء منتجات غير ضرورية مثل كريمات مكافحة الشيخوخة أو الملابس العصرية. وتلاحظ وولف أن هذا الفخ الاقتصادي بدأ يستهدف الرجال أيضاً، حيث تسعى الصناعات إلى أسواق جديدة من خلال تصنيع عدم الأمان لدى الذكور. ومن المحركات الرئيسية لهذه الأسطورة صناعة المجلات النسائية، التي تصفها وولف بأنها رقيب مهذب للمعلنين. فبينما تقدم هذه المنشورات غالباً محتوى مؤيداً للمرأة، فإنها تقوض قارئاتها في الوقت نفسه من خلال الترويج للوجبات الغذائية وعمليات التجميل لإرضاء المعلنين الذين يمولونها. وتسلط وولف الضوء على كيف أن السمات الجسدية التي تُصنف الآن على أنها تشوهات، مثل الوركين والبطون المستديرة، كان يُحتفى بها تاريخياً كرموز للأنوثة حتى نالت النساء السلطة السياسية، مما يشير إلى أن معايير الجمال الحديثة هي رد فعل مباشر على تحرر المرأة.

في العصر الرقمي، تطورت أسطورة الجمال لناعومي وولف إلى حلقة مفرغة عالية التقنية حيث تتيح ديمقراطية أدوات التعديل مثل FaceTune للأفراد تنسيق مقاطع مميزة اصطناعية، مما يؤدي إلى مقارنة ذاتية مستمرة وضارة. وتتعزز هذه الدورة من خلال النظرة الخوارزمية، التي تعطي الأولوية لمعايير الجمال التقليدية الضيقة بشكل أكثر فاعلية مما فعلته وسائل الإعلام المطبوعة في أي وقت مضى، ومن خلال رأسمالية المراقبة، التي تستخدم تتبع البيانات لبيع التدخلات التجميلية في أكثر لحظات المستخدم ضعفاً. والنتيجة هي تجانس عالمي في المظهر، يتجسد في وجه إنستغرام، الذي ينقل الجمال من كونه مثالاً ثقافياً إلى مطلب جراحي مكلف للحصول على القيمة الاجتماعية. وتصف الكاتبة جيا تولنتينو هذا بالسايبورغية، حيث لم نعد نقارن أنفسنا بأشخاص حقيقيين بل بمثل رقمية رياضية تولدها الفلاتر والخوارزميات.

إن مأساة هؤلاء النساء البلاستيكيات هي أنهن لم يفقدن هويات وجوههن فحسب، وهو ما يصنع أزمة داخلية في الهوية إن لم يكن الآن فلاحقاً، بل أصبحن عاجزات عن التعبير. تشاهد التلفاز وتدرك أن هؤلاء الأفراد المجملين قد فقدوا الجوهر الحقيقي للتواصل البشري؛ فهم يبتسمون بصعوبة ولا يستطيعون تحريك جباههم. من المحزن حقاً رؤية كل هؤلاء النساء في مناسبات تشبه حفل الأوسكار وهن لسن أنفسهن، عاجزات عن الحركة الطبيعية، ولا يمكن للمرء إلا أن يتخيل مدى البؤس الذي يشعرن به في أعماقهن وحجم الألم الذي تحملنه بصبر. والسؤال المطروح هو: لماذا لا يفعل الرجال ذلك؟ والجواب هو أن القوالب الاجتماعية لا تتطلب منهم ذلك. إن من يطلق عليهن لقب النسويات حين يصرخن ضد الشوفينية الذكورية ثم يقمن بهذا، فإنهن يصبحن الدليل القاطع على أن الرجال على حق وأن هذا المجتمع هو مجتمع ذكوري بامتياز، ولكن هذا لا ينبغي أن يكون هو الحال.

إن الحقيقة الغائبة هي جمال التقدم في السن والصدق مع الذات، فأن يكون المرء نفسه بغض النظر عن الضغوط الاجتماعية هو الجمال الحقيقي. إن الجسد الذي وهبنا الله إياه هو أمانة مقدسة، وليس شيئاً نخجل منه لمجرد التوافق مع التركيبات الاجتماعية الزائلة. من منظور ديني، وخاصة في الإسلام، هناك تفريق حاسم بين الجراحة الضرورية والعبث بالخلقة؛ فبينما يبيح الإسلام الجراحات الترميمية لإصلاح العيوب أو إزالة الضرر النفسي والجسدي الحقيقي، إلا أنه لا يسمح بالجراحات التجميلية القائمة على الغرور المحض واتباع الهوى. وهنا يحذرنا القرآن من الوقوع في فخ الشيطان الذي قال: “وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ” . ويؤكد النبي ﷺ هذا النهج الصارم ضد تغيير الخلقة لغرض التجميل حيث ربط بين طلب الحسن المصطنع وبين تغيير خلق الله. يُنظر إلى هذا الاندفاع نحو التجميل غير الضروري كنوع من تغيير خلق الله، وهو مسلك يؤدي إلى فقدان الرضا بما قسمه الخالق وتشويه للصورة التي خُلق عليها الإنسان في أحسن تقويم. وكما هو الحال مع كل جراحة تجميلية لا تُجرى للتصحيح بل لما يسمى بالتجميل، فإن تعديلاً واحداً يؤدي إلى آخر في دورة لا تنتهي حيث يجعل تحسين واحد بقية الوجه الطبيعي يبدو في غير مكانه، مما يؤدي إلى مزيد من التدخل الجراحي حتى تُدفن الهوية الإنسانية تحت طبقات من الفيلر الاصطناعي. هذا السلوك يقع أيضاً تحت طائلة النهي عن إيذاء النفس؛ فالمخاطرة بصحة الجسد وتعريضه للمشرط والمضاعفات الطبية من أجل غاية جمالية وهمية هو انتهاك لحرمة هذا الجسد الذي أُمرنا بحمايته، كما في قوله تعالى: “وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ”.

في كتابه “المحاكاة”، يصنف بودريار تفكك الصورة وتحولها إلى محاكاة عبر أربع مراحل متتالية: في المرحلة الأولى، تعكس الصورة واقعاً أساسياً؛ ثم في المرحلة الثانية، تقوم بحجب ذلك الواقع الأساسي أو تشويهه؛ وفي المرحلة الثالثة، تحجب الصورة غياب الواقع الأساسي؛ وفي المرحلة الأخيرة، تصبح الصورة بلا أي صلة بأي واقع كان، حيث تستحيل محض محاكاة ذاتية خالصة. تعتبر نظرية جان بودريار عن المحاكاة (Simulacra) ذات صلة وثيقة هنا؛ حيث يصبح التمثيل أكثر واقعية للمجتمع من الكائن البشري الفعلي. الوجه البلاستيكي هو وجه ساكن، نسخة من نسخة لم توجد أبداً في الطبيعة. عندما تُصاب العضلات بالشلل، تُقطع القدرة البشرية على التواصل غير اللفظي، ونفقد أدوات التعاطف والاتصال التي بثها الله فينا. بالنسبة للفيلسوف إيمانويل ليفيناس، فإن الوجه هو أساس الأخلاق ذاته. فأن تنظر إلى وجه الآخر يعني أن تعترف بإنسانيته وضعفه. وعندما يصبح الوجه قناعاً متجمداً، تخفت تلك الإشارة الأخلاقية. لا نعود نرى روحاً لها تاريخ؛ بل نرى منتجاً. وهذا يفسر الفزع الناتج عن الوادي غير المألوف؛ تلك الظاهرة النفسية حيث يثير الشيء الذي يبدو بشرياً تقريباً ولكن ليس تماماً، شعوراً بالاشمئزاز لأنه يفتقر إلى التعبيرات الدقيقة التي تشير إلى الحياة والعاطفة، والتي وصفها الله في كتابه: “وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ”.

إن القلق الوجودي من الشيخوخة في تركيبتنا الحالية يعامل الوقت نفسه كمرض يجب علاجه بدلاً من كونه تقدماً طبيعيّاً لحياة عيشت. كتبت سيمون دي بوفوار باستفاضة عن تغريب الجسد الهرم، واليوم نرى هذا يتجلى في محاولة يائسة للبقاء مرئية في مجتمع يجعل النساء الأكبر سناً غير مرئيات. ومع ذلك، فإن المفارقة تكمن في أنه أثناء محاولة تجنب الظهور بمظهر المتقدمين في العمر، يصبح الكثيرون مرئيين كأجسام اصطناعية أي فئة ثالثة ليست شابة ولا مسنة بشكل طبيعي. فلسفياً، الوجه هو موقع غيريتنا، وهو الشيء الذي يجعلنا فريدين تماماً. وبنسخ الآخرين كربونياً، تقوم المرأة بعملية سطو بيولوجي على هويتها الخاصة، مما يؤدي إلى شعور عميق بالوحدة. نصبح مجتمعاً من التماثيل، جميلات بتعريف تجاري ضيق للغاية، لكننا وحيدون تماماً في عجزنا عن إظهار أرواحنا حقاً. إن الشفاء من هذا الهوس يكمن في العودة إلى الهدي النبوي والرضا بالذات، حيث كان الصحابة والتابعون يفتخرون بآثار السنين كوقار، ونستذكر قول النبي ﷺ: “إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم”.

يمكننا استلهام رؤية عميقة من الفيلسوف جون رولز في كتابه نظرية العدالة، حيث يطرح مبدأً جوهرياً مفاده أن المواهب الطبيعية والسمات الجسدية التي نولد بها هي أمور عشوائية أخلاقياً (Morally Arbitrary). فمن منظور رولز، نحن لم نُختر ملامحنا، ولا جيناتنا، ولا شكل أنوفنا أو لون أعيننا، وبالتالي لا يمكن اعتبار هذه الهبات الطبيعية استحقاقاً أخلاقياً أو معياراً لقيمة الإنسان. وبما أننا لا نملك يداً في صياغة هذه الهبات، فإننا بالضرورة غير مسؤولين أخلاقياً عنها أمام المجتمع؛ إنما الذي يحدد كينونتنا كبشر أخلاقيين هو أفعالنا الواعية، والخيارات التي نتخذها بملء إرادتنا، والآثار التي نتركها في حياة الآخرين.

هذا الطرح الفلسفي يلتقي بشكل مدهش مع الجوهر الإيماني؛ فإذا كانت الملامح عشوائية في ميزان العدالة البشرية، فهي في ميزان السماء تقدير إلهي لا يد للمرء فيه، ولذلك لا يُحاسب الإنسان على شكل وجهه، بل يُحاسب على ما كسبت يده وما وقر في قلبه. إن المأساة المعاصرة تكمن في أن المجتمع المادي يحاول عكس هذه الآية، فيجعل الإنسان مسؤولاً عن ملامحه، ومطالباً بتصحيحها جراحياً ليتناسب مع معايير زائفة، وكأن الطبيعة أو الخالق قد أخطأ في حقه.

إن العودة إلى الفطرة تعني إدراك أن الوجوه التي منحنا الله إياها هي مجرد أمانة ووسيلة للتعارف، وليست غاية في حد ذاتها. إن القيمة الحقيقية لا تكمن في الجبهة المتجمدة التي لا تعرف التعبير، بل في الروح التي تشع بالرضا والسكينة. فبينما يستهلك المشرط الهوية ويحولها إلى محض محاكاة باهتة لا روح فيها، يبقى العمل الصالح والأثر الطيب هما الجمال الباقي الذي لا يشيخ ولا يذبل. إننا لسنا مطالبين بأن نكون نسخاً مكررة من أسطورة الجمال الرأسمالية، بل نحن مطالبون بأن نكون أنفسنا التي خلقها الله في أحسن تقويم، لنترك خلفنا آثاراً تدل علينا ككائنات أخلاقية، لا أقنعة تخفي حقيقتنا خلف فيلر اصطناعي.

إن المعركة الحقيقية اليوم ليست ضد الزمن، بل ضد النمط الذي يحاول تدجين أرواحنا وتنميط هوياتنا. فإذا كان الهروب إلى القناع الموحد هو صرخة استغاثة، فإن العودة إلى الذات هي أعلى درجات التحرر والسيادة.

علينا أن ندرك بعمق أن ملامحنا الجسدية ليست سوى هبات عشوائية أخلاقياً؛ فنحن لا نستمد قيمتنا الإنسانية مما ورثناه في جيناتنا أو ما منحته لنا المصادفات البيولوجية، بل بما نختاره بوعينا الحر وبما نتركه في هذا العالم من أثر. إن القيمة الحقيقية لا تسكن في الجبهة المتجمدة التي فقدت قدرتها على الدهشة، بل في الروح التي تشع بالرضا والسكينة وتنعكس وقاراً على ملامح صاحبها.

لن تُخلدنا الملامح التي استعرناها من مبضع الجراح، فهي أقنعة زائلة في عالم من المحاكاة، بل ستُخلدنا تلك الندوب الصادقة التي رسمتها أفعالنا في أرواح الآخرين. لذا، كن أنت الحقيقة وسط زيف الصور، واعتز بتفردك ككائن أخلاقي؛ ففي نهاية المطاف، تفنى الأجساد المستنسخة، ويبقى الأثر الطيب وحده شاهداً على جوهر الإنسان الذي خُلق في أحسن تقويم.