الأزهر الشريف .. الحصن الذي يحمي الفكر الوسطي وأمن مصر القومي

 

بقلم د/ مصطفى طاهر رضوان
عضو هيئة التدريس بقسم العقيدة والفلسفة
كلية أصول الدين والدعوة ـ جامعة الأزهر

 

أيُّها الإخوةُ الكرام، وأهلُ العُقولِ الراجحة، والقلوبُ الواعية:
إنَّ الناظرَ في أحوالِ هذا الزمان، والمتأمِّلَ في تقلباتِ الواقعِ المعيش، لا يخطئه أن يدرك أننا نعيشُ عصرًا مضطربَ الموازين، مختلطَ المفاهيم، قد تتابعت فيه الفتنُ، وتشابكت فيه الخيوطُ، وتكاثفت فيه رياحُ التغيير، حتى صارت تقتحم على الناسِ أفكارهم، وتزاحمهم في عقائدهم، وتنازعهم هويتهم واتجاهاتهم.

زمانٌ اشتعلت فيه المعاركُ الفكرية، واحتدمت فيه الصراعاتُ السياسية، واشتد فيه الاستقطاب، وتعددت فيه وسائلُ الهدم، وتنوّعت فيه أدواتُ التخريب؛ لا بالسيف وحده، ولا بالمدفع والدبابة، ولكن بالغزو الناعم، والتزييف الممنهج، والعبث بالعقول، وقطع الإنسان عن أصوله، وسلخه من تاريخه، واقتلاعه من جذوره الحضارية.

وقد سخَّرت الحضارةُ المعاصرة – في كثير من تجلِّياتها – كل ما أوتيت من أدواتِ التقنية، ووسائلِ الإعلام، ومنصاتِ التواصل الاجتماعي، لتبلغ غاياتها، غير متورعةٍ عن قلب الحقائق، وتشويه القيم، حتى صار الشريف عندهم مدانًا، والدنيء مرفوعًا، والباطل متزينًا بلباس الحق.

ولم تقف هذه المحاولات عند حدٍّ، بل تجاوزته إلى استهداف العقول الشابة، تلك التي هي عمادُ الأمة وعدتها، فإما أن تُستباح أجسادُ أبناء الأمة بالقصف والقتل والتهجير، كما نرى في فلسطين الجريحة، وإما أن تُستهدف قلوبهم بالشهوات، وعقولهم بالشبهات، وأرواحهم بالتزييف والتحريف، في كثير من أوطاننا الإسلامية.

وقد تجاذبت التياراتُ المتناقضة عقولَ الشباب، فأبعدتهم عن جادة الوسطية، وحرفتهم عن ميزان العدل، حتى صار بعضهم وقودًا لصراعات لا تخدم إلا أعداء الأمة، وتتعرض مصرنا الحبيبة – حفظها الله – لأخطر حربٍ في تاريخها الحديث؛ حربٍ لا تُرى فيها الخنادق، ولا تُسمع فيها المدافع، حربٌ خفيةٌ تقودها خفافيش الظلام، ممن يأكلون من خيرها، ويشربون من نيلها، ثم يبثُّون الفرقة بين أهلها، ويؤججون الصراع بين أبنائها، ويستدرجون الشباب إلى التناحر والتباغض، والسباب والتكفير، حتى تنقطع أواصر المودة، وتتفكك روابط الأخوة.

فرَّقونا باسم قضايا جانبية، وهامشيات مفتعلة، فكفَّر بعضنا بعضًا، وامتلأت القلوب بالأحقاد والضغائن، مع أننا جميعًا مسلمون، ربُّنا واحد، وكتابُنا واحد، ونبيُّنا واحد، وقبلتُنا واحدة.

أيُّها السادة الكرام، وأهلُ الحكمة والإنصاف:
إذا كان حفظُ الأمن العسكري وصيانةُ الحدود، والدفاع عن الأرض والعِرض، تقوم به مؤسسات الدولة الوطنية، وفي مقدمتها جيشنا المصري الباسل – حفظه الله وسدَّد خطاه – ولا يجوز لأحدٍ أن ينازعه دوره، أو يفتات على اختصاصه؛ فإن للأمن وجهًا آخر لا يقلُّ خطرًا ولا أهمية، ألا وهو الأمن الفكري، وحراسةُ العقول، وصيانةُ الوعي، وحفظُ الهوية.

وهذا الأمن الفكري لم تُوكله الأمة المصرية عبثًا، ولم تسلِّمه مصادفة، وإنما عهدت به إلى مؤسستها العريقة، وحصنها الحصين، وضميرها الحي: الأزهر الشريف.

فالأزهر – أيُّها الإخوة – ليس مجرد معهدٍ للتعليم، ولا مدرسةٍ للدعوة فحسب، بل هو مؤسسة وطنية كبرى، وقلعة شامخة من قلاع هذا الوطن، تطل عليه عبر القرون، تحرس هويته، وتصون عقيدته، وتضبط بوصلة وعيه، هو الحارس الأمين على وسطية الإسلام، والدرع الواقي من الانحراف والغلو، وخط الدفاع الثابت عن وحدة الوطن وأمنه.

إن قوة الأوطان لا تُبنى بالسلاح وحده، وإن كان السلاح ضرورة، ولكنها تُبنى بالفكر الرشيد، والعلم الصحيح، والوعي المستنير، والانتماء الصادق، وهذا هو الميدان الذي يحمل الأزهر لواءه، ويقوم فيه بجهد وطني مخلص، يسعى إلى ترسيخ الأمن، وبناء الإنسان، وتوحيد الصفوف، وجمع الكلمة، في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.

وليعلم المنصفون، ويشهد التاريخ، أن دعاة الغلو والتطرف في مصر لم يكونوا يومًا من أبناء الأزهر، ولم يتخرجوا من مناهجه، ولم يتشربوا وسطيته، ونظرة يسيرة في سير قادة الجماعات المتطرفة والمحظورة، كافية لتبين أنهم لم ينتموا إلى الأزهر علمًا ولا فكرًا، بل تخرج أكثرهم من جامعات أخرى، وحملوا فكرًا دخيلًا على منهج الأزهر، وروحه، ورسالة الإسلام السمحة.

وكذلك قادة جماعات العنف والإرهاب، لم يكن فيهم أزهريٌّ واحد؛ لأن الأزهر لا يُخرِّج قتلة، ولا يصنع غلاة، ولا يربي على الكراهية، بل يُعلِّم دينَ الرحمةِ، وفقهَ العمران، وأدبَ الخلافِ، وحكمة الاختلاف.

فالأزهرُ هو صمامُ أمانِ هذا الوطن، وركنٌ أصيلٌ من أركانِ أمنه القومي، ومن طعن فيه، أو همَّش دوره، أو حاول إضعافه، فإنما يخدم – عن قصدٍ أو غير قصد – مشروعَ الفوضى، ويهدم أحدَ أعمدةِ الاستقرار في مصر.

وإن أردنا مزيدَ بيانٍ، وإقامةَ الحجة على من أبى إلا المكابرة، فلننظر في أسماءٍ من حملوا راياتِ التكفير، وسفكوا الدماء، وعبثوا بأمن البلاد والعباد؛ فإن التاريخ شاهدٌ لا يكذب، والوقائع لا تُزوَّر.

فشكري مصطفى، مؤسسُ جماعةِ التكفير والهجرة، وصالحُ سرية، قائدُ محاولةِ الفنية العسكرية، وقادةُ الجماعة الإسلامية من أمثال ناجح إبراهيم، وعاصم عبد الماجد، وعبود الزمر، ومن شاركوا في اغتيال الرئيس محمد أنور السادات، ومن اقتحموا مديرية أمن أسيوط، ومن نفَّذوا مذبحةَ مسجد الروضة ببئر العبد؛ لم يكن واحدٌ من هؤلاء من خريجي الأزهر الشريف، ولم يتلقَّ علمه في أروقته، ولم يتشرب وسطيته.

وكذلك الأمر في العالم أجمع؛ فإن قادةَ جماعات العنف والإرهاب الدولي لم يعرفوا طريقَ الأزهر، ولم ينهلوا من مناهجه:
فأسامةُ بن لادن – زعيمُ القاعدة – لم يكن أزهريًا،
وأيمن الظواهري – طبيبُ جامعة القاهرة – لم يتخرَّج في الأزهر،
وأبو بكر البغدادي – مؤسسُ تنظيم داعش – لم يعرف أروقة الأزهر،
وأبو محمد الجولاني، الذي صار يُعرف اليوم بأحمد الشرع، لم يكن أزهريًا،
ولا أبو بكر جنجلاني، زعيمُ جماعة أبو سياف في الفلبين.

حتى ما يُسمَّى بـ«الذئاب المنفردة» التي تُفجِّر نفسها في شوارع أوروبا، أو في بعض البلاد العربية والإسلامية، لم يُثبت يومًا أن واحدًا منها درس في الأزهر، ثم خرج ليقتل الناس باسم الدين.

بل إن عملية الفنية العسكرية عام 1974، كان أغلب المشاركين فيها من كليات الهندسة والطب بجامعة الإسكندرية، لا من الأزهر.
وإن إعادة تأسيس الجماعة الإسلامية في سبعينيات القرن الماضي، قام بها بعض طلاب طب القصر العيني، وكان من أبرزهم عصام العريان، وحلمي الجزار، وعبد المنعم أبو الفتوح، ثم انضمَّ الثلاثة لاحقًا إلى جماعة الإخوان.

وكان الوجود الإخواني والوهابي في جامعات القاهرة، والإسكندرية، والمنصورة، وسائر جامعات الدلتا والصعيد – ولا سيما المنيا وأسيوط – وجودًا قويًا مؤثرًا، من غير أن يكون لهؤلاء صلةٌ بالأزهر علمًا أو منهجًا.

وقد يُوجد – كما في كل مؤسسة بشرية – من انحرف من أبنائه، فهذا أمر وارد، لكن نسبته لا تزيد على نسبة المنحرفين في أي جامعة أو مؤسسة أخرى، غير أن الفارق الجوهري أن الأزهر كان – ولا يزال – مستهدفًا؛ لأنه الحصن الأخير للوسطية، فسعت جماعات الإخوان والتكفير والوهابية إلى اختراقه، ومحاولة السيطرة عليه، وتغيير منهجه الأشعري الماتريدي الصوفي، إلى مناهج الإقصاء والتكفير والخوارج، التي لا تعترف بغيرها، ولا تقبل الاختلاف، وتجتهد في إخراج مخالفيها من دائرة أهل السنة والجماعة.

والأزهر – أيها المنصفون – نشأ منذ أكثر من ألف عام، ولم يُعرف في تاريخه الطويل أن خرج من بين أبنائه انتحاريٌّ واحد، أو قاتلٌ يُفجّر نفسه في الناس، ولم يعرف تاريخ الإسلام في مصر – على امتداد قرونه – مثل هذه الجرائم، حتى الفرق الشاذة في التاريخ الإسلامي، كالحشاشين، كانت في الشام والعراق، ولم تكن في مصر.

وطوال هذه الألف سنة، تخرج في الأزهر مئات الآلاف من العلماء والدعاة، حفظوا لمصر دينها الوسطي، ومرَّت عليها الدول والعصور: الفاطمية، والأيوبية، والأخشيدية، والمملوكية، والعثمانية، والعصر الحديث، ولم يتخرج من مناهج الأزهر من يفكر في إيذاء إنسان، أو تفجير نفسه في مخلوق.

ومن أراد الفهم الصحيح، فعليه أن يدرس تاريخ هذه الحركات المتطرفة، وأفكارها، وسِيَرَ قادتها، وأن ينظر: من الذي يدعمها؟ ومن الذي يمولها؟ ومن الذي يفتح لها القنوات الفضائية؟

حينئذٍ سندرك أن الجواب كامنٌ في دهاليز السياسة، لا في نصوص الدين.

أفيقوا – رحمكم الله – يا من تتصدَّرون المنابر الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي، وكونوا صادقين مع أنفسكم ومع أوطانكم.
فالأزهر أمنٌ قوميٌّ؛ يحمي، ويصد، ويُعلِّم، ويرشد، ويوجِّه.
وإن سقط الأزهر – لا قدَّر الله – سقط كل شيء:
من يقود الفكر المستنير؟
من يضبط بوصلة الاعتدال؟
من يقف سدًّا منيعًا في وجه من ينتسبون إلى الإسلام زورًا وبهتانًا؟

إن الدولة المصرية عمودها الفقري هو جيشها، ومؤسساتها الأمنية – حفظها الله – والأزهر قلبها النابض.
وهل يصمد جسد بلا قلب؟!

إذا هُمِّش الأزهر، وتُرك وحيدًا، فلن يجد كثيرٌ من أبناء المجتمع أمامهم إلا أصواتَ المتطرفين، أو دعاةَ التشيع، أو تجارَ الدين، ومن أراد هدم الأزهر – من أبواقٍ إعلامية أو فيسبوكية أو غيرها – فإنه في الحقيقة يريد هدم مصر.

وقد أدرك زعماء مصر، عبر تاريخها الطويل، قيمة الأزهر، وعرفوا أنه ركيزة أساسية من ركائز الأمن القومي المصري، داخل البلاد وخارجها، ويكفي شاهدًا على ذلك بعوث الأزهر المنتشرة شرقًا وغربًا، شمالًا وجنوبًا، في أرجاء المعمورة، ومعاهده، وكلياته، وفروع جامعته المنتشرة في كل محافظات مصر.

فليراجع كل من يهاجم الأزهر نفسه، وليتفكَّر بصدق، وليتخيَّل – ولو لحظة – كيف سيكون حال العالم الإسلامي، لا مصر وحدها، إن غاب الأزهر؟

حفظ الله الأزهر، وحفظ به مصر، وجعله كما كان: عقل الأمة، وقلبها، وحصنها الحصين.