بقلم الدكتور : حاتم عبد المنعم أستاذ علم الاجتماع البيئى بجامعة عين شمس

سلسلة الدين والسياسة : السماء الصافية والبحر العميق المقال العاشر :

الجماعة والعنف والتكفير
يرى المرشد الأول للجماعة في رسالته إلى المؤتمر الخامس: ان أول درجة من درجات القوة هي قوة العقيدة والإيمان، ويلي ذلك قوة الوحدة والارتباط، ثم بعدهما قوة الساعد والسلاح، ولا يصح أن توصف جماعة بالقوة حتى تتوفر لها هذه المعاني جميعاً، وأن الإخوان المسلمين سوف يستخدمون القوة العملية حيث لا يجدي غيرها، وحين يثقون في أنهم قد استكملوا عدة الإيمان والوحدة (ص353 – 354)، وفي هذه الرسالة يقول المرشد أن الإخوان إذا لم يجدوا حكومة تحكم بمنهج الإسلام، فسوف يعملون على استخلاص الحكم من أيدي كل حكومة لا تنفذ أوامر الله (ص356)، وفي نفس هذه الرسالة يقول المرشد الأول: في الوقت الذي يكون فيه منكم معشر الإخوان ثلاثمائة كتيبة جاهزة روحياً وثقافياً وجسمانياً، في هذا الوقت طالبوني بأن أخوض بكم لجج البحار وأقتحم بكم عنان السماء، وأغزو بكم كل عنيد جبار، فإني فاعل إن شاء الله (ص344)، وفي رسالته بعنوان الإخوان تحت راية محمد (ص) يقول: عدتنا هي عدة سلفنا من قبل، والسلاح الذي غزا به قدوتنا محمد (ص) العالم … هو السلاح الذي سنحمله لنغزو به العالم من جديد (ص389) وصولاً إلى أستاذية العالم.

واضح من كل ما سبق أن استخدام السلاح وشعاره السيف في الوقت المناسب لانتزاع الحكم، الذي لا يحكم بالإسلام ويرى إنها وسيلة أو خطوة في طريق غزو العالم بالسلاح، وصولاً إلى الخلافة الإسلامية وأستاذية العالم، فهذا قولاً واحداً، لا يحتمل أي تفسير أخر وهذا بالطبع يؤدي للعنف، وأعتقد أنه ليس هناك أية احتمالية لأي تفسيرات أخرى، هنا الهدف واضح والوسيلة واضحة فالهدف هو كرسي الحكم والوسيلة القوة والعنف وراجعوا كل هذه المقولات ولذلك لم يكن غريباً أن يقول الكاتب الكبير عباس العقاد مبكراً: أن الإخوان سيستخدمون القوة لفرض رأيهم، هذه ليست مهارة لأنها واضحة صريحة، فهي مسألة وقت فقط كما قال المرشد الأول، وبالتالي فالعنف نتيجة طبيعية لاستخدام قوة السلاح في فرض وجهة نظر الجماعة (غير المتخصصة في الدين أو السياسة) في نظام الحكم الإسلامي من وجهة نظر هذه الجماعة، والقضية كيف جماعة غير متخصصة في الدين أو حتى السياسة أن تنجح في إدارة بلد كبير مثل مصر.

ولقد سبق أن أوضحنا أن كلا من العلوم السياسية والدينية علوم صعبة مركبة تحتاج لدراسة متأنية وخبرة كبيرة وعدم التخصص في الدين أو السياسة أو حتى التاريخ الإسلامي أو الجغرافيا ينطبق عليها منذ المرشد الأول للآن، فالمرشد الأول مدرس ابتدائي حاصل على دبلوم ثانوي، والمرشد الأخير عام 2012 طبيب بيطري، بل أن مكتب الإرشاد باستثناء عبد الرحمن البر، نجدهم تخصصات ليست بعيدة فقط عن الدين بل عن الدراسات الإنسانية، لأن معظمهم تخصصات علمية تتنوع ما بين الطب البيطري والطب البشري والهندسة وهذه التخصصات العلمية تعتمد على رأي ونظرية علمية ثابتة ليست موضع خلاف فكري أو فلسفي كما في العلوم الإنسانية، كما إنها علوم بسيطة غير مركبة عكس العلوم الدينية المركبة والتي تعتمد على مجموعة أخرى من العلوم ومن ثم صعوبة فهمها واستيعابها مما يؤدي في النهاية لغياب التعددية النظرية والفلسفية وتبادل وجهات النظر و الآراء،
وهذه نتيجة طبيعية ومقصودة لأنهم يريدون السمع والطاعة بدون نقاش فعضو الجماعة في يد المرشد مثل الجسد في يد المغسل كما يقول المرشد الأول وهنا التساؤل من الذى أعد هذه الأفكار هل هؤلاء أم جهة خارجية مثل الماسونية العالمية ولذلك فكيف وعلى أي أساس نعتمد على هذه الجماعة في أمور ديننا ونحن نملك أكبر وأعرق مؤسسة إسلامية في التاريخ وهي الأزهر الشريف، وإذا رجعنا لتاريخ الجماعة والعنف نجده واضحاً في كل المراحل منذ النشأة للآن، والتنظيم الخاص أو السري الذي أنشئ على يد المرشد الأول حقيقة اعترف بها كثيرون من الجماعة حيث قال المستشار مأمون الهضيبي في مناظرة بمعرض الكتاب مع فرج فودة في أوائل التسعينات: أن الإخوان يتعبدون لله بأعمال النظام الخاص قبل الثورة…، وهذا النظام الخاص الذي قام بالاغتيالات والتفجيرات؟،

وكان التنظيم الخاص أو السري الذي أسسه المرشد الأول هو الركيزة الأساسية للعنف الذي ارتبط بالجماعات منذ بدايتها وهو مرتبط بفكرة أن تغيير المنكر باليد ليس مقتصراً على أولى الأمر أو الحكام، بل لأحاد الرعية، وهذا ترتب عليه النظرة للجهاد على أنه ليس خارج حدود الوطن فقط بل بداخله أهم وأولى من وجهة نظر الجماعة ومن أشهر الأعمال التي قام بها هذا التنظيم في الأربعينات اغتيال الخازندار وهو القاضي الذي أصدر أحكام ضد الجماعة، ثم اغتيال النقراشي رئيس الوزراء ونسف المحكمة، والغريب أن المرشد الأول يذكر في رسالته: قضيتنا أن الجماعة بريئة، وينكر ذلك بوضوح واستماتة، ويؤكد أن هذه تهم ظالمة (ص367 – 369)، وبعد فترة من ثبوت هذه الاتهامات يتبرأ من أعضاء الجماعة الذين ثبت بالدليل تورطهم ويقول قولته الشهيرة “ليسوا أخواناً وليسوا مسلمين”.

وهذا يدعوا للتساؤل عن الأفكار في البداية، وهي أن المرشد لا يعلم بالحقيقة أو كان يعلم، وفي كلتا الحالتين مشكلة تدعو للتأمل وخاصة أنه هو الذي أنشأ التنظيم السري وأشرف عليه، وهنا هل كان تكفير النقراشي والخازندار هو مبرر القتل كجهاد داخلي للجماعة المسئولة عن تغيير المنكر باليد؟! وهنا لب المشكلة، التغيير باليد والتكفير، وهذا الفكر امتد إلى فكر سيد قطب في الخمسينات والستينات ومحاولة اغتيال عبد الناصر في الخمسينات والستينات، ثم قول الهضيبي في التسعينات أن الاغتيالات أو التنظيم الخاص وسيلة للتعبد إلى الله، وإذا رجعنا لفكر سيد قطب فهو قولاً واحداً فكر يعتمد على التكفير والعنف، ومن يقرأ كتاب معالم في الطريق أو كتاب ظلال القرآن، أو يدخل على الإنترنت ويقرأ مذكرات سيد قطب بعنوان لماذا أعدموني؟، سيجد واضحاً أن فكر سيد قطب يعتمد على أن المجتمع المصري الأن مجتمع جاهلي مثل مجتمع مكة قبل الرسالة، ومن ثم يجب ويبرر العنف مع هذا المجتمع، ويذكر صراحة في لماذا أعدموني؟

أنه فكر في تدمير القناطر الخيرية وأغراق جزء كبير من مصر وشعبها، ونسف كباري ومحطات كهرباء وخلافه، وهذا موجود على الإنترنت الآن رغم إشارة الموقع أنه حذف بعض أجزاء من الشهادة، وهنا إذا افترضنا أن فكرة سيد قطب عن جاهلية المجتمع المصري صحيحة فهذا نسف لرسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لأنه إذا جاءت الرسالة ولم تترك أثراً في المجتمع الإسلامي فهذا اعتراف بضعف الرسالة، والرسول (ص) يقول الخير في امتي إلى يوم الدين، ولا يعقل بعد قدوم الرسول صلى الله عليه وسلم أن هذا مجتمع جاهلي، وهذا يرتبط أيضاً بوثيقة فتح مصر لخيرت الشاطر، فهل مصر كافرة؟ مصر الأزهر، مصر الألف مئذنة، مصر خير أجناد الأرض، مصر أول من أنشأت محطة للقرآن الكريم في الستينيات، وأول من طبعت المصحف الشريف في شرائط كاسيت في الستينات؟ وأنشاءت مجمع البحوث الإسلامية ومدينة البعوث الإسلامية وقادت حركات التحرير في الوطن العربي والعالم الثالث، وأنشأت منظمة العالم الإسلامي في الستينيات.

كما أن شكري مصطفى مؤسس جماعة التكفير والهجرة خارج من جماعة الإخوان وكان متأثراً بفكر سيد قطب، ولقد نقد الشيخ القرضاوي أفكار سيد قطب صراحة حينما قال: أن بعض أفكار سيد قطب فيها تكفير وخروج على أهل السنة، بل وهذه دعوة صريحة لهجرة المجتمع الكافر البعيد عن الإسلام، ومن هنا يتضح العلاقة الوثيقة بين فكر التكفير والعنف، ورمز السيفين وكلمة وأعدوا، فهي سلسلة من الحلقات المترابطة والمستمدة من الجذور، قد يكون هناك تشدد ووضوح وإبراز لفكر ما في مرحلة ما، ولكن الأصل والنبت واحد والاختلاف في الدرجة والشكل باختلاف ظروف الزمان والمكان ليس إلا، ومن هنا هل جماعة الإخوان الحالية تختلف عن جماعة المرشد الأول اختلاف شكلي أم جذري؟ اعتقد أن الاختلافات شكلية أو نسبية تبعاً لاختلاف الزمان والمكان ونوعية وخبرات القيادات ليس إلا.

والملاحظة الأخيرة أن الجماعة دائماً تعيش في صدام وعنف منذ فاروق إلى ناصر إلى السادات إلى مبارك إلى عهد مرسي الذي حكم فتصادم مع القضاء والإعلام والشرطة والجيش ثم معظم الشعب بعد ذلك، ولا ننسى وثيقة الشاطر “فتح مصر”، وأن قيادات الجماعة الآن جميعاً من بديع إلى الشاطر إلى مرسي وغزلان هم قطبيون، ينتمون لفكر سيد قطب بالدرجة الأولى، ولذلك سوف نستعرض في موضع لاحق الاتهامات التي وجهت للجماعة منذ نشأتها.

وهذا يقودنا إلى بذور التكفير في فكر المرشد الأول:
يرى المرشد الأول في رسالة الإخوان المسلمين تحت راية محمد (ص): ان كل النظم التي تسير عليها البلاد في الشئون الحيوية نظم تقليدية بحتة لا تتصل بالإسلام ولا تعتمد عليه ومن هذه النظم ما يلي:
1. نظام الحكم الداخلي.
2. نظام العلاقات الدولية.
3. نظام القضاء.
4. نظام الدفاع والجندية.
5. نظام الثقافة والتعليم.
6. نظام الاقتصاد والمال للدولة والأفراد.
7. نظام الأسرة والبيت بل نظام الفرد في سلوكه الخاص.

كل هذه النظم بعيدة عن الإسلام وتعاليم الإسلام، بل ويضيف المرشد الأول أن حتى المساجد التي يعمرها الفقراء والعاجزون فيؤدون فيها ركعات خالية من معاني الروحانية والخشوع، إلا من هدى الله، وحتى شهر الصيام فهو موسم للتعطل والتبطل والطعام والشراب، وقلما تتجدد فيها نفس أو تزكو بها روح، وهذه المظاهر الخادعة من المسابح والملابس، واللحى والطقوس والألفاظ كلها مظاهر خادعة (ص384،385). والغريبة لماذا اعتبرت الجماعة ان الملك فاروق حاكم إسلامي وأيدته وبايع حسن البنا والجماعة الملك فاروق في احتفال كبير أمام القصر الملكي كحاكم إسلامي وكتب حسن البنا في صحيفة الإخوان مقالا عن فاروق بعنوان حامى المصحف وناشر الدعوة مشيدا بفاروق كحاكم مسلم في جريدة الإخوان وهذا الكلام بالتكفير معاصر لعصر فاروق فهل المجتمع كافر والحاكم مسلم وناشر الدعوة.

ويقول المرشد في رسالته التعليم لأعضاء الجماعة:
يجب أن نقاطع المحاكم الأهلية وكل قضاء غير إسلامي، والأندية والصحف والجامعات والمدارس والهيئات التي تناهض فكرتك الإسلامية مقاطعة تامة، ثم يقول ويجب أن تتخلى عن صلتك بأية هيئة أو جماعة لا يكون الاتصال بها في مصلحة فكرتك وخاصة إذا أمرت بذلك، ويجب أن تحيط القيادة علماً بكل ظروفك، ولا تقدم على عمل يؤثر فيها تأثيراً جوهرياً إلا بإذن، وأن تعتبر نفسك جندياً في الثكنة تنتظر الأوامر (ص289).

واضح من هذه الأفكار رؤية المرشد الأول بأن المجتمع بكافة نظمه تقريباً غير إسلامي باستثناء الحاكم الملك فاروق ومن هنا ضرورة المقاطعة لمحاكم وقضاء وأندية وصحف ومدارس وجامعات وهيئات هذه النظم غير الإسلامية، وهنا نبتت بذرة التكفير وبعد ذلك أصبح من الطبيعي استخدام العنف مع هؤلاء الخارجين عن الدين وهؤلاء الكفرة، وقول البعض أن التنظيم السري المسلح نشأ للدفاع عن فلسطين قول غريب وغير مفهوم إلا إذا كان داخل فلسطين، ولكن تنظيم سري يستخدم السلاح في مصر! لماذا؟.

فمصر منذ نشأة القضية أو المشكلة الفلسطينية وهي تضحي بالدم والغالي من أجل فلسطين، ولقد شارك بعض رجال جماعة الإخوان بشكل رسمي من خلال الدولة في حرب 1948، فلماذا إذن السرية، إلا إذا كانت هناك أهداف أخرى سرية، كما أن العمل السري مهما بلغت قوته فلن يحرر فلسطين إلا جيوش عربية متعاونة ومتكاملة، كما أن هذا التنظيم السري مارس فعلاً العنف ضد قيادات الحكم المصري طيلة سنوات عديدة وفي ظل أنظمة متعددة يؤخذ على بعض هذه النظم أنه ضحى بالغالي والنفيس من أجل العروبة بوجه عام وفلسطين بوجه خاص، ومشكلة العمل السري تفتح أبواب الشك والحيرة لأقصى الدرجات وعندما يقول الشيخ محمد الغزالي صراحة في إحدى كتبه أن المرشد الثاني لجماعة الإخوان “حسن الهضيبي” ماسونياً وردت الجماعة بفصل الشيخ الغزالي من الجماعة (الخرباوي، سر المعبد، ص26)

فهذا أمر يجب أن يؤخذ باهتمام، وخاصة وأن سيد قطب كتب مقالات عديدة في جريدة التاج المصري وهي كانت لسان حال المحفل الماسوني المصري قبل ثورة 1952، وكانت وقتها لا تسمح لأحد أن يكتب فيها من خارج جمعية الماسون، فهذا يحتاج لوقفة أخرى، وعندما يكون شعار الماسونية يسمى من الناحية الهندسية (الخاموس) وشعار الجماعة يتبع أيضاً الخاموس (خمس نقاط تتصل ببعض حيث السيفان متقاطعان وسطهما مصحف، بل أن درجات العضوية في التنظيم الماسوني هي أخ مبتدئ، وأخ زميل من أهل الصنعة، وأخ خبير، وفي الجماعة أخ مبتدئ أو منتسب، وأخ عامل، أخ مجاهد وأعلى درجات الماسونية هي الاستاذية، كما أن البيعة داخل الماسونية تكون في غرفة مغلقة، ويكون العضو معصوب العين ويقسم على الكتاب المقدس كما تقوم الماسونية على السمع والطاعة، كما تهدف الماسونية إلى السيطرة على العالم كله، كما أن كثير من أعضائها أو معظمهم خلايا نائمة منتشرة في كافة أنحاء العالم، بل وتحاول الوصول إلى داخل القصور الرئاسية في معظم دول العالم، ولذلك تزول الحيرة عندما يطلب من العضو السمع والطاعة والثقة في القيادة وتنفيذ الأوامر حتى لو هناك نوع من عدم الاقتناع أو الخلاف في الرأي.

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال: الأثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يتطلع عليه الناس} المصدر صحيح الجامع رقم 2880 أخرجه مسلم، ثم كانت المفاجأة المذهلة وهو شعار رابعة، كان شعاراً ماسونياً استخدمه كثير من المشاهير المعروفين بانتمائهم للماسونية في صور متعددة بعضها يرجع لعشرات السنوات، فهل كلها مصادفات، أم هناك من يعرف ويحرك كل هذه الأحداث مصادفة؟

قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُون﴾((الأعراف – 179)).