من عقوق الوالدين
30 يناير، 2026
بناء الأسرة والمجتمع

بقلم أ : أحمد عوف
ومن عقوق الوالدين إيذاؤهما، سواء كان الأذى هيّنًا أو عظيمًا.
وهنا يأتي مبحث كيف يُربَّى الولد على طاعة الوالدين من قِبل المعلّم ووليّ الأمر. فأولًا: من الصغر يُربَط الولد بربه؛ إذ لا يمكن أن يطيع الولد والديه إن لم يخف ربَّ العالمين، ولا يوجد نموذج تربوي أعظم من طاعة الوالدين مثل الإسلام. فكلما زاد بُعدُ الولد عن ربّه زادت معصيته لأبويه ولوليّ الأمر أيضًا، وكلما ربّى الوالد ووليّ الأمر الأولاد على حبّ الله ورسوله، وفقّهوهم وعلّموهم، زادت طاعتهم لهما، والعكس هو الحاصل.
فنجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أحسنوا أسماءكم»، فعلى الأب أن يختار له اسمًا حسنًا. ويقول صلى الله عليه وسلم: «فاظفر بذات الدين»، أي أن يختار له أمًّا صالحة. ويقول صلى الله عليه وسلم: «خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه». وقوله صلى الله عليه وسلم: «يا غلام، إني أعلّمك كلمات: احفظ الله يحفظك…». وقوله صلى الله عليه وسلم: «مُروا أولادكم بالصلاة…». وقوله صلى الله عليه وسلم: «من لا يرحم لا يُرحم». وقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما بُعثت لأتمّم مكارم الأخلاق». وحثّه على العلم بقوله: «طلب العلم فريضة». صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهنا نرى أن النبي صلى الله عليه وسلم يوصينا بالعلم والتربية والنصيحة، وينهانا عن الدعاء على الأولاد، وينهانا عن الظلم، فقال: «اعدلوا بين أولادكم». ودعوته لابن عباس رضي الله عنهما: (اللهم فقهه في الدين وعلّمه التأويل).
والمقصود أن وليّ الأمر لا يطلب من ولده برًّا لم يقدّمه له في الأصل. نعم، قد عرّفنا البرّ بأنه ما يقدّمه الولد لوالديه بلا مقابل، لكن هنا الابن لا يعلم أصلًا ما هو البر، ولا يدرك لماذا يبرّ والديه، ولا يفهم ما العائد الواقع له من التنازل عن وقته، وعن حياته، وعن شؤونه، وعن رغباته لأجل والديه، ولماذا يقدّم لهما الطاعة من الأصل. وهنا سؤال لا يجيب عنه إلا الإسلام، وهو أن الله أمره بذلك؛ فإن فعل غير ذلك عذّبه، وإن فعله أثابه وأدخله الجنة، فعقوق الوالدين من السبع الموبقات.
والخلاصة أن أول ما يجب على الوالد فعله أن يعلّم ابنه كيف يبرّ أباه.
وأن يتعلّم الوالد كيف يربّي ابنه. وهنا نسأل: هل فعلًا يشغل الناس في هذا الزمان بالهم بتعلّم أساليب التربية، وقراءة كتب التربية، وأخذ دورات فيها، ثم تطبيق النظم الحديثة الموجودة في الدورات والكتب في الواقع العملي للوصول إلى ثمرة من عملية التربية؟ وهل أولياء الأمور قادرون على الصبر لتحصيل النتائج؟ وهل وليّ الأمر يعلم الفروق الفردية؟ وهل يطّلع وليّ الأمر على سلّم النمو المدوّن في كراسة التطعيمات والمتابعة الصحية للطفل؟ وهل يحاول وليّ الأمر الذهاب إلى مختصّ تربوي ولو مرة سنويًا للنظر في حالة ابنه وقياس جوانب القوة والضعف؟ كلها أسئلة يحتاج وليّ الأمر أن يجيب عنها حتى يقف على أصل المشكلة.
وتعليم الولد الحوار والمناقشة من الصغر ممكن، ويمكن أن يبدأ ذلك من عمر ثلاث سنوات، بإنشاء حوار وتواصل وتفاهم بين الوالد والابن. نعطي مثالًا لعملية الحوار مع طفل في سنّ ثلاث سنوات: طفل يريد الطعام فيقول: أريد أن آكل، فيرد وليّ الأمر: لماذا؟ فيقول الولد: لأنني جوعان. وكذلك مثلًا إذا أراد الولد أن يشتري لعبة، فيقول وليّ الأمر: هل تريد اللعبة؟ فيرد الابن: نعم. هل تحب اللعبة؟ فيرد: نعم. هنا، عندما يقول الوالد للابن: افعل، فمن المؤكد أن يسأل الولد: لماذا؟ فيقول له: لأنني أحب هذا. فكما اشترى له اللعبة لأن الولد يحبها، وكما خرج الوالد في رحلة بسبب حب الولد لذلك، يردّ الابن المثل بالمثل.
التعلّم بالقدوة، وهو أمر مهم؛ أن يكون الأب لابنه قدوة في كل شيء. وأفضل ما يفعله وليّ الأمر أن يُصلح ذاته، وأن يعلّم نفسه، وأن يضع خطةً لنفسه ولابنه في عقله، والأفضل أن تكون هذه الخطة مكتوبة، تمتد إلى خطة خمسينية طويلة المدى، مقسّمة على مراحل: أول شهر، وأول ستة أشهر، وأول سنة، وأول سنتين، وأول خمس سنوات، ثم بعد عشر سنوات، وبعد مرحلة التعليم، وبعد سنّ الثلاثين، وبعد الأربعين، ليتصوّر ماذا يحبّ الأب أن يكون عليه ابنه.
العناية وتقديم الحب: فالابن يحتاج أن يتعلّم بعض الأخلاق، وهو ما سنوسّع فيه الكلام بإذن الله في كتاب «النفس كالطفل». ومن تلك الأخلاق أن يتعلّم الشجاعة، والعفّة، والحِلم، ومنها مراحل الوصول إلى الأخلاق العليا، كالعدل، والإخلاص، والمحبة، والإحسان. فكل هذه الأخلاق والمشاعر أمور يجب أن يصل إليها الطفل، ومكان تفصيلها بإذن الله في كتاب «النفس كالطفل»، حيث نشرع فيه كل ما ينبغي أن يُشرع في كل نزعة وكل خُلُق يصدر منها.
إذًا، على وليّ الأمر أن يعلّم ابنه، وأن يكون له قدوة، وأن يحاوره ويناقشه في أموره، ويسأل عنه، ويعتني به. ونكتفي بهذا.
وكيف يكون الولد بارًّا بوالديه؟ ثم عكف الإمام على توضيح الطرق والسبل التي يبرّ بها الولد والديه، وقد برع الإمام في إجماله الذي جمع به كل تفصيل، من أول قوله: «وأخدمهما … وإن يقولا». ومعنى كلامه أن برّ الوالدين ينقسم إلى برّ بلا أمر، وبرّ بأمر؛ فالأول هو الأمور التي يحتاجها الوالدان ولا يصرّحان بها، والثاني هو الأمور التي يحتاجانها ويطلبانها.
ففي الأول يكون الولد مع والديه كالعَبد الناصح الأمين، الذي يرى ما يحتاجه سيّده فيفعله دون طلب ودون أمر، كالعامل الذي يحب أن يكون مديره دائمًا راضيًا عنه، فيرى ما يحتاجه من نقص فيسدّه دون أن يشعر الأب بأن ابنه يتكلّف المشقّة في ذلك. وإذا أُمِر فعل على الفور، بلا إبطاء ولا تأخير.
والركن الأول: خدمة الابن لوالديه. ونعدّد الآن بعض ما يجب على الابن فعله من أمور تتعلّق بالخدمة:
أولًا: وهو صغير، عليه أن يُحسن من ذاته، وأن يضع نفسه في أفضل صورة في تعليمه، وأن يجتهد في علاقاته مع زملائه، وأن يختار الصديق الجيد، وأن يريح قلب أبيه وأمّه بأن يريهما منه الرشد. ونحن نتكلم عن طفل فوق العاشرة، وقبل العاشرة عليه أن يتعلّم هذا أيضًا كما نبهنا من قبل. فالطفل من سنّ العاشرة إلى نهاية مرحلة التعليم، أفضل ما يفعله هو أن يجتهد في دراسته، وأن يختار لنفسه صديقًا صالحًا.
والثاني: أن يساعد الابن والديه في أعمالهما الخاصة؛ فالطفل بعد السابعة، إن تدرّب قبل ذلك على هذه الأمور، يكون قادرًا على أن يُعين والدته على أغلب أعمال المنزل. وأهم ما يفعله الطفل هو العناية الذاتية: نظافته، ونظافة غرفته، وترتيب حاجاته. وهذا الأمر ليس كافيًا، بل عليه أن يتدرّب على مساعدة والدته في الأعمال العامة في المنزل، وأن يساعد والده في العمل إن كان لوالده عمل خاص. وعلى الوالد أن يصبر عليه، ويتحمّل أخطاءه في البداية، بل ويدرّبه على تجاوز الأخطاء وتحمل الأعباء. وإن لم يكن للوالد عمل خاص، فعلى الابن أن يبحث عن شخص يقبل أن يدرّبه في بعض الأعمال، ليعين والده في شؤونه، حتى يكون الابن خيرَ عونٍ لأبيه عند كِبر سنّه.
والثالث: أن يُشرّف الولد والديه أمام الناس بأن يفعل ما يحبه الأب والأم، وأن يكون محلّ فخرٍ وشرف. وهذا الأمر يحتاج من الأب أن يفعل أمرًا مهمًّا، وهو أن يُظهر دائمًا حسنات أولاده، وأن يستر عنهم زلّاتهم. ومن المؤسف أن كثيرًا من أولياء الأمور يفعلون عكس ذلك، من خلال نشر قبائح الأولاد وستر جميل صنائعهم. فالابن هنا يرى أن المعروف عنه هو القبيح أصلًا، فإذا فعل خلاف ذلك ظنّ أنه ينافق الآخرين. والأغرب أن يطلب الأب من ابنه أن يُحسن الفعل أمام الناس، بينما يرى الولد أن ما يُطلب منه هو محض نفاق. وسيطول الكلام في بيان كيف يكون الولد في مقام الأدب الكامل في مبحث مجالسة الآخرين.
والرابع: أن يشكر الولد فعل والديه، وأن يبرّهما بالكلام وألفاظ الحب. وللأسف، كان في الزمان الماضي يكتب الابن لوالديه رسائل وجوابات ورقية تظل موجودة لأعمار، مثل الصور الآن، ممتلئة بالحب والشكر والامتنان. ولا بدّ أن تعود هذه الطريقة، بأن يطلب الأب من الأبناء كتابة رسالة حبّ وشكر للأم، والعكس، مثلًا في الأعياد الدينية وأعياد الميلاد، وكذلك يكتب الأب والأم جوابات لأبنائهم أيضًا.
والخامس: الحوار مع الأب، وفتح أبواب النقاش، وطلب النصيحة؛ وهنا يعلم الأب مكانته عند ابنه، ويعطيه ما عنده من خبرات، وكذلك يستشير الابن أباه.
والركن الثاني: طاعة الأمر، أو الأفضل أن نقول سرعة الطاعة وسرعة الاستجابة. ونقول إن هناك قاعدة تُسمّى الارتباط الشرطي، بمعنى أن المثير هو علّة الاستجابة؛ فعند الجوع يطلب الطعام، وعند النار يوجد الإحراق، فالمثير علّة الاستجابة الشرطية في العادة. فالأمر هو علّة الطاعة، بمعنى أنه عند الأمر من الوالدين تجب الطاعة.
وهنا يجب تعريف أمرين: الأول: الأمر، وهو طلب الفعل على سبيل الإلزام لا الاختيار.
والثاني: الطاعة، وهي ما نسمّيه القبول المذعن للأمر، بمعنى تنفيذ الطلب كما هو بلا شروط ولا جدال، ما دام الأمر لا يخالف شرع الله، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان: 15].
وهنا اقتران الطاعة بطاعة الله، ولذلك قال الإمام: «في كل أمر جائز مباح». فطالما أن الأمر على وجه المباح في الشرع، واقترن بأمر الوالدين، تحوّل إلى واجب شرعًا. ولذلك فكل أمر مباح في الدين طلبه الأب وجب امتثاله. وأقول: حتى وإن كان مكروهًا شرعًا، وجب فعله عند أمر الوالدين؛ لأن الطاعة واجبة، والفعل مكروه، ويُقدَّم الفرض على غيره، إلا إذا كان حرامًا، فهنا يجب عدم فعله، ولكن يجب مع ذلك تقديم الصحبة الحسنة، وجبر الخاطر، وحسن الرد، لقوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15].
وتكون الطاعة عند الأمر الذي لا ترغب في فعله لا العكس؛ بمعنى أنه إذا اقترن الأمر مع رغبتك فهو في الأصل ما تريده، أما إذا اقترن الأمر مع عدم رغبتك فهو إظهار تام للطاعة، وتلك هي الطاعة المقصودة في قوله: (فأغدو خير سامع).