الْمَحَبَّةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ.. أَشْوَاقُ الرُّوحِ وَثَمَرَةُ الِاتِّبَاعِ: بَيْنَ حَقِيقَةِ الْوَفَاءِ وَدَعَاوَى الْجَفَاءِ
29 يناير، 2026
بستان النبوة

بقلم فضيلة الشيخ/ أحمد إسماعيل الفشني
من علماء الأزهر الشريف
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَنَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ، جَعَلَ مَحَبَّتَهُ قَيْدَ الْإِيمَانِ، وَطَاعَتَهُ سَبِيلَ الرِّضْوَانِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى صَاحِبِ الْجَمَالِ الْأَكْمَلِ، وَالْجَلالِ الْأَجْمَلِ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، الَّذِي مَلأَ الْقُلُوبَ بِنُورِهِ، وَأَحْيَا الْأَرْوَاحَ بِهَدْيِهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِ مَحَبَّتِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ..
فَإِنَّ مَحَبَّةَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْسَتْ نَافِلَةً مِنَ الْقَوْلِ، وَلَا هِيَ عَاطِفَةٌ عَابِرَةٌ تَجِيشُ فِي الصُّدُورِ ثُمَّ تَنْطَفِئُ، بَلْ هِيَ “أَصْلُ الْأُصُولِ” فِي دِينِنَا. فَلَا يَذُوقُ الْعَبْدُ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَكُونَ الْحَبِيبُ ﷺ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ. وَلَكِنَّ السُّؤَالَ الَّذِي يَفْرِضُ نَفْسَهُ: هَلِ الْمَحَبَّةُ مُجَرَّدُ ادِّعَاءٍ بِاللِّسَانِ؟ أَمْ هِيَ حَقِيقَةٌ تَظْهَرُ فِي الْأَحْوَالِ وَالْأَفْعَالِ؟
الْمَحَبَّةُ: اتِّبَاعٌ وَأَشْوَاقٌ
فِي مَنْهَجِنَا الْأَزْهَرِيِّ الْوَسَطِيِّ، نَرَى أَنَّ الْمَحَبَّةَ جَنَاحَانِ: “جَنَاحُ الِاتِّبَاعِ” بِامْتِثَالِ سُنَّتِهِ، وَ”جَنَاحُ الْأَشْوَاقِ” بِتَعْظِيمِ جَنَابِهِ وَكَثْرَةِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ. فَمَنْ أَرَادَ الِاتِّبَاعَ بِلَا حُبٍّ فَقَدْ جَمَدَ، وَمَنْ أَرَادَ الْحُبَّ بِلَا اتِّبَاعٍ فَقَدْ شَرَدَ. وَالْمُحِبُّ الصَّادِقُ هُوَ مَنْ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا كَمَا جَمَعَ الصَّحَابَةُ الْكِرَامُ.
مَوَاقِفُ وَقَصَصٌ فِي صِدْقِ الْمَحَبَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ
-
قِصَّةُ سَيِّدِنَا ثَوْبَانَ (الْحُبُّ الَّذِي غَيَّرَ الْمَلَامِحَ):
جَاءَ سَيِّدُنَا ثَوْبَانُ -مَوْلَى النَّبِيِّ ﷺ- يَوْماً إِلَى الرَّسُولِ وَقَدْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، وَنَحُلَ جَسَدُهُ، وَعُرِفَ الْحُزْنُ فِي وَجْهِهِ. فَسَأَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِرَحْمَتِهِ: “مَا غَيَّرَ لَوْنَكَ يَا ثَوْبَانُ؟”.
فَبَكَى ثَوْبَانُ وَقَالَ: “يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا بِي مَرَضٌ وَلَا وَجَعٌ، غَيْرَ أَنِّي إِذَا لَمْ أَرَكَ اسْتَوْحَشْتُ وَحْشَةً شَدِيدَةً حَتَّى أَلْقَاكَ، ثُمَّ ذَكَرْتُ الْآخِرَةَ فَخِفْتُ أَلَّا أَرَاكَ هُنَاكَ، لِأَنَّكَ تُرْفَعُ مَعَ النَّبِيِّينَ، وَإِنْ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ كُنْتُ فِي مَنْزِلَةٍ أَدْنَى مِنْ مَنْزِلَتِكَ، وَإِنْ لَمْ أَدْخُلْ فَلَا أَرَاكَ أَبَداً!”.
فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ رَحْمَةً بِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى الْبُشْرَى لِكُلِّ مُحِبٍّ: {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ…}. هَذِهِ هِيَ الْمَحَبَّةُ الَّتِي تَجْعَلُ الْمُحِبَّ لَا يُطِيقُ لَحْظَةَ فِرَاقٍ.
-
قِصَّةُ الْمَرْأَةِ الْأَنْصَارِيَّةِ يَوْمَ أُحُدٍ (الْمُصِيبَةُ تَهُونُ أَمَامَ بَقَائِهِ):
لَمَّا انْتَهَتْ غَزْوَةُ أُحُدٍ، خَرَجَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ تَسْتَقْبِلُ الْجَيْشَ، فَنُعِيَ لَهَا أَبُوهَا وَأَخُوهَا وَزَوْجُهَا، فَكَانَتْ لَا تَسْأَلُ إِلَّا سُؤَالاً وَاحِداً: “مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟”. قَالُوا: “هُوَ بَحَمْدِ اللَّهِ كَمَا تُحِبِّينَ”. قَالَتْ: “أَرُونِيهِ حَتَّى أَنْظُرَ إِلَيْهِ”.
فَلَمَّا رَأَتْهُ ﷺ سَالِماً، قَالَتْ جُمْلَتَهَا الَّتِي سَجَّلَهَا التَّارِيخُ بِالْيَقِينِ: “كُلُّ مُصِيبَةٍ بَعْدَكَ جَلَلٌ” (أَيْ هَيِّنَةٌ وَصَغِيرَةٌ). لَقَدْ مَحَتْ مَحَبَّةُ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ قَلْبِهَا أَلَمَ فَقْدِ الْأَهْلِ وَالْعَشِيرَةِ.
-
رَبِيعَةُ بْنُ كَعْبٍ وَأَعْلَى مَطَالِبِ الْمُحِبِّينَ:
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِخَادِمِهِ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ: “سَلْنِي يَا رَبِيعَةُ”. فَلَمْ يَقُلْ رَبِيعَةُ: “أُرِيدُ مَالاً أَوْ جَاهاً”، بَلْ قَالَ بِقَلْبِ الْمُحِبِّ: “أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ”.
فَقَالَ ﷺ: “أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؟”. قَالَ: “هُوَ ذَاكَ”. فَقَالَ ﷺ: “فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ”. وَهُنَا رَبَطَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ “أُمْنِيَةِ الْحُبِّ” وَبَيْنَ “وَاقِعِ الْعَمَلِ”؛ فَالْمُحِبُّ الصَّادِقُ يَكْدَحُ لِيَكُونَ مَعَ مَنْ أَحَبَّ.
وَفِي جَمَالِ مَحَبَّتِهِ وَاتِّبَاعِهِ يَقُولُ الشَّاعِرُ:
تَعْصِي الْإِلَهَ وَأَنْتَ تُظْهِرُ حُبَّهُ … هَذَا لَعَمْرِي فِي الْقِيَاسِ بَدِيعُ
لَوْ كَانَ حُبُّكَ صَادِقاً لَأَطَعْتَهُ … إِنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيعُ
فِي كُلِّ نَبْضٍ لِلْحَبِيبِ مَوَدَّةٌ … وَبِكُلِّ هَدْيٍ لِلرَّسُولِ رُبُوعُ
يَا رَبِّ صَلِّ عَلَى النَّبِيِّ وَآلِهِ … مَا نَارَ قَلْبٌ بِالْوِدَادِ شُمُوعُ
عَلَامَاتُ الْمُحِبِّ الصَّادِقِ فِي عَصْرِنَا
إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ نَصِيبَكَ مِنْ مَحَبَّتِهِ ﷺ، فَانْظُرْ إِلَى هَذِهِ الْمَوَازِينِ:
* كَثْرَةُ ذِكْرِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ: فَمَنْ أَحَبَّ شَيْئاً أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِهِ، وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ هِيَ الصِّلَةُ النُّورَانِيَّةُ الَّتِي تَرْبِطُكَ بِهِ.
* تَعْظِيمُ سُنَّتِهِ: أَلَّا يُذْكَرَ أَمَامَكَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَوْ خُلُقٌ نَبَوِيٌّ إِلَّا وَقُلْتَ: “سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا”، بِحُبٍّ وَتَسْلِيمٍ.
* التَّخَلُّقُ بِأَخْلَاقِهِ: الْمُحِبُّ لَا يَكُونُ فَاحِشاً وَلَا لَعَّاناً، بَلْ يَكُونُ رَحِيماً، سَمْحاً، وَاصِلاً لِلرَّحِمِ، صَادِقَ اللَّهْجَةِ، لِأَنَّهُ يَسْتَحِي أَنْ يُمَثِّلَ حَبِيبَهُ ﷺ بِصُورَةٍ لَا تَلِيقُ.
* الذَّوْدُ عَنْ جَنَابِهِ: بِالدِّفَاعِ عَنْ دِينِهِ وَنَشْرِ سِيرَتِهِ الْعَطِرَةِ لِلْعَالَمِ بَيْنَ النَّاسِ، لِيَعْرِفُوا جَمَالَ الْإِسْلَامِ.
خِتَاماً:
الْمَحَبَّةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ هِيَ التِّرْيَاقُ الشَّافِي لِقَسْوَةِ الْقُلُوبِ، وَهِيَ الْمِفْتَاحُ لِكُلِّ فَتْحٍ رَبَّانِيٍّ. فَمَنْ أَحَبَّهُ أَحَبَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ سَارَ خَلْفَهُ وَصَلَ إِلَى حَضْرَةِ الْقُدْسِ. فَاللَّهُمَّ ارْزُقْنَا حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَحُبَّ نَبِيِّكَ ﷺ، وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ يَشْرَبُونَ مِنْ حَوْضِهِ شَرْبَةً لَا نَظْمَأُ بَعْدَهَا أَبَداً.
وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.