من دواعي تجديد الخطاب الديني
17 ديسمبر، 2025
الإسلام وبناء الحضارة

بقلم فضيلة الشيخ : يوسف محمد السعداوى
من علماء الأزهر والأوقاف
موقف المصطفي صلي الله عليه وسلم من الدعاء على المشركين
دائماً ماكنت اتعرض لقوله تعالي (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) بالشرح وإبراز سمات الرحمة في شخصية الحبيب صلى الله عليه وسلم ودعوته ووقفت علي كثير من جوانب الموضوع .
ولكن عندما قرأت حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قيل له يارسول الله ادع علي المشركين ؛ فقال (لم ابعث لعانا وإنما أنا رحمة)
فاخذت افكر في مناسبة الدعاء علي المشركين مع قوله صلى الله عليه وسلم (لم ابعث لعانا)
اللعن معناه الزام الإنسان حالة المعصية حتي يموت أو حالة الكفر
وفي جملة معناه (الطرد من رحمة الله) بابعاده عن مسبباتها
المشركون كانوا علي حالة الشرك الموجبة لعذاب الله تعالي ، هم حق يؤذون رسول الله ويعذبون أصحابه وطلب أصحابه منه الدعاء عليهم هو ردة فعل مايفعله المشركون بهم
ولكن هل تنسى ردة الفعل مهمة الحبيب صلي الله عليه وسلم الأولى وهي إنقاذ هؤلاء المشركين واخراجهم من موجبات العذاب والخلود في النار إلى موجبات الرحمة والخلود في الجنة .
عندما رفض النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء علي المشركين تبلورت كل معاني الرحمة التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم .
لقد رفض أن يدعوا عليهم لأنه يعلم أن بدعاءه عليهم سيغلق الله أبواب الرحمة في وجوههم ويلزمهم حالة الكفر حتي يموتوا (يلعنهم) وهو مالا يتناسب مع دعوته ومهمته (إنما انا رحمة مهداه) فقد دعي نوح عليه السلام من قبل علي قومه فالزمهم الله تعالي الكفرولعنهم واهلكهم عن بكرة ابيهم
إن ترك الدعاء علي المشركين جعل باب الرحمة ظل مفتوحا حتي دخلوا في دين الله أفواجا يوم الفتح الأعظم فقرت عين النبي صلى الله عليه وسلم وبشره الله تعالي بذلك وزفه اليه ليعلم أنه كان حقا رحمة ونال ثمرة ماكان يسعي من أجله وهو انتشار دعوته ودخول الناس فيها (إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله افواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا)
إنها الدعوة التي رفض النبي صلي الله عليه وسلم أن ينفقها انتقاما من أعداءه في الدنيا وآثر أن يبذل كل مافي وسعه لهدايتهم مادام في جوفه نفس يخرج ويدخل هي نفسها الدعوة التي ادخرها لتستكمل الرحمة مسيرتها من الدنيا إلى الآخرة يقول صلي الله عليه وسلم (كان لكل نبي دعوة مستجابة دعي بها علي قومه في الدنيا وأنا ادخرت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة)
لقد ترك النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء على المشركين حتي لا تزداد قسوتهم وفجورهم ويشتد عداءهم للمسلمين فإن الدعاء علي الناس يجعل الشيطان يحكم استحواذه عليهم ويضم عداءه للمؤمنين الي عداوتهم ويلهمهم كل ألوان التنكيل بهم فإن عدم الدعاء عليهم هو أيضا رحمة بالإنسانية كلها لانه يسد مسالك الشيطان اليهم ويضعف من سلطانه عليهم
عندما دعي الناس علي رجل اقترف معصية بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم نهاهم عن الدعاء عليه وقال (لا تكونوا عونا للشيطان على أخيكم)
بل إنه صلي الله عليه وسلم في أحلك أوقات التكذيب والايذاء من المشركين عند عودته من الطائف ينزل عليه جبريل ويقول له يارسول الله إن الله ارسل معي ملك الجبال فمره بماشئت ؛ ويقول الملك يارسول الله لو شئت اطبقت عليهم الاخشبين _ جبلين عظيمين يحاوطان مكة _ فقال النبي صلى الله عليه وسلم (بل عسى أن يخرج الله من اصلابهم من يوحدونه) ثم توجه إلى الله داعيا لهم (اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون)
لقد علمنا الحبيب صلي الله عليه وسلم أن رسالة الإسلام رسالة رحمة ليس لمن دخلوا الإسلام فحسب وإنما لمن اعرض عنه بل ومن حارب ضده ايضا وصد عنه صدودا مادام قد اظله سلطان الإسلام
إنه هناك يوم الفتح الأكبر يوم فتح مكة بعد أن أظهره الله تعالي وأدخله مكة ظافرا سيفه يعلوا كل السيوف وامامه من آذوه وقاتلوه واخرجوه وكادوا يقتلوه
أراد أن يبرهن لهم في هذا الوقت علي أنه ما جاء إلا بالرحمة
الرحمة التي لا تقف عند حد الضعيف أو من لم يشاقق الرسول بالكفر والعصيان وإنما هي الرحمة التي ستنال كل من يستظل بظل الإسلام وان كان كافرا أو مشركا
أراد أن يبرهن لهم أن دولة الإسلام هي دولة رحمة بكل من ترعاهم تحت سلطانها ومادام سلطانها قد اعتلي العرش فإنه لا يثأر ولا ينكل ولا ينتصر لنفسه وإنما ينشر جناحي رحمته علي رعيته
اوقفهم أمامه صلي الله عليه وسلم مذكرا اياهم بسوء صنيعهم وما اسلفوه معه ليشعرهم بضعف موقفهم وقدرته علي النيل منهم ومعاقبتهم علي جراءمهم السابقة
فلم شعروا بموقفهم وساء ظنهم اراد أن يعلمهم أنها رسالة رحمة فقط يريد أن يبلغهم اياها .
لقد كانوا لا يزالون علي موقفهم من الإسلام الذي حاربوه من قبل ولكنه ارغمهم اليوم بكثرة اتباعه , كأنهم ينتظرون حكم الظافر علي المغلوب المقهور الذي اسلف اجراما لا ينسي
وتكتمل رسالة الرحمة
لقد اظل الدنيا سماء ماعرفتها الانسانية من قبل فكم من ملك ظافر افني ممالك لمجرد أنها رفضت الانقياد والتبعية ومحي معالمها
هذا ماتعرفه الانسانية من قانون الملك
ولكن الظافر اليوم هو الرحمة المهداه والنعمةالمزداة إنه من اتي بالرحمة مجسدة في الحلم والعفو المطلق الغير مقيد أو مساوم علي ثمن اوفداء
لقد اظلت الانسانية سماء الرحمة الحقيقية التي تساوي بين الناس علي اختلاف الوانهم واعرافهم واعراقهم وعتقادهم مادمت تظلهم بظلها الوافر
يري في اعينهم الخوف والهلع وكل منهم يعرض شريط مواقفه المؤسفة والتي لم يحسب معها حساب اليوم هذا
يقول صلي الله عليه وسلم (ما تظنون أني فاعل بكم) قالوا ؛اخو كريم وابن اخ كريم
إنهم يتوجسون خيفة ولكنهم يعرفونه جيدا فهو ذك القوي الطيب الحكيم الرحيم الذي كان يغيث الملهوف ويرحم الضعيف ويحمل الكل ويعين علي نواءب الحق
إنه هو محمد نفسه الذي ليلة أن اجتمع القوم علي قلته في ليلة الهجرة يخرج متسللا في جنح الليل فارا من سيوفهم ولم ينسى اماناتهم التي عنده
كانوا يعادونه ولا يجدون أأمن منه علي نفاءسهم واثمن أموالهم
فانام علي رضي الله عنه مكانه ليرد اليهم حقوقهم كل لماتركه عنده
يعلم عنهم أنهم إن وجدوها فسيغنم قويهم امانة ضعيفهم فسماها لعلي كرم الله وجهه ليرد الى كل ذي حق حقه
أرادوا قتله وهو لم يرد مجرد ايلامهم علي فقد شيئا من مقتنياتهم
كانهم تذكروا كل هذا رغم مصاءبهم التي اسلفوها فنطقوا بين يديه صلي الله عليه وسلم ( اخ كريم وابن اخ كريم)
لقد قال أحد اصحابه عندما اشرفوا علي مكة (اليوم يوم الملحمة) يوم النصر والثأر فيرده صلي الله عليه وسلم الي حقيقة الاسلام وهدفه
إنه لم يأت للزج بالناس في الجحيم ابدا بل إنه سيظل يعرض عليهم الخلاص والرحمة مادامت ارواحهم في اجسادهم (بل اليوم يوم المرحمة) بل اليوم يوم الأمل الذي كنت اترجاه لهدايتهم ونجدتهم من عذاب الله بكفرهم ؛ إنه اليوم الذي عشت عمري اجاهد من أجله واترجاه أن يهديهم الله
(لا اقول لكم إلا كما قالي أخي يوسف من قبل ؛لا تسريب عليكم اليوم يغفر الله لي ولكم؛ اذهبوا فأنتم الطلقاء)
فاستبانت غاية الإسلام ومهمته التي طالما جهلوها فدخلوا في دين الله افواج
تحقق مراد الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ورفرفت راية الإسلام واظلت مكة سماء الرحمة والتراحم ؛ إن من عبدوا الاصنام من دون الله افتراءا عليه ووضعوها حول الكعبة هم انفسهم من كسروها وطهروا بيت الله من رجسها
إنها تلك القلوب القاسية التي طالما عذبت الضعيف واستعبد الحر وانتهكت الأعراض ودعت اليتيم واكلت الربا وباعت الحر واكلت ثمنه
هي اليوم (يوم المرحمة) التي تقتل إله الهوى وتغتسل من رجس الشيطان بدموع التوبة والاوبة إلى الله بعدما تجلت لهم غاية الإسلام وانتشرت عليهم سحائب رحمته وهم في اسوأ مواقفهم بين يديه منهزمين منكسرين ينتظرون المؤاخذة فاذا بهم يطلق لهم عنان الحرية والاختيار (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي)
انجلت الغمامة الحالكة ورحل الشيطان يائسا بجنده وحل جند الرحمة المهداة يصلون ما قطعه الشيطان من اواصر الانسانية بالعفو والرحمة
السؤال الملح
متي سنكسر نحن أصنام الهوي في نفوسنا التي حولت بعبادتها دين الله تعالي من رحمة مهداه إلى جحيم يهرب منه الناس بل ويسكبون عليه الماء لإطفاء نوره ,متي سنكسر الأصنام التي شرعت كل بغض وتشدد وقسوة وتنابذ وحقد ورجم بابشع الصفات واقذر الشتائم والسباب لمن خالف شرعهم
اترك لكم الإجابة وإلى لقاء آخر