وسطية الأزهر منهجٌ وفكر
27 يناير، 2026
الأزهر الوسطى

بقلم فضيلة الشيخ : أشرف عبد الحفيظ
عضو المنظمة العالمية لخريجي الأزهر الشريف فرع البحيرة
الحمد لله وكفي والصلاة والسلام علي النبي المصطفي وبعد .
إن أهم ما يميز ديننا الإسلامي أنه دينٌ وَسَط أي لا غلو فيه ولا تشدد ولا إفراط ولا تفريط وهذا ما أكده ربنا في قوله سبحانه (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ). فالإسلام هو دين المودة والرحمة والسماحة مصداقاً لقول رسولنا الكريم صلي الله عليه وسلم( إنّّّ الدِّينَ يُسْرٌ ولنْ يشادَّ الدِّينُ إلاَّ غَلَبه فسدِّدُوا وقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا واسْتعِينُوا بِالْغدْوةِ والرَّوْحةِ وشَيْءٍ مِن الدُّلْجةِ) .
فالوسطية تُردَدْ دائماً مقرونة بالإسلام فيقال وسطية الإسلام كما يقال إنه دين الوسطية .
ومنهج الأزهر الشريف هو منهج الوسطية والاعتدال ويعمل علي تصحيح المفاهيم الخاطئة والأفكار المغلوطة ويزرع المودة والمحبة بين المسلمين وغير المسلمين ، فالإسلام كله بوسطيته وعلمه وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم هو منهج الأزهر الشريف ، فمن نعم الله تعالي علي الأمة الإسلامة أن منّ عليها بالأزهر الشريف فهي مؤسسة حملت لواء الدعوة الإسلامية وتبليغ الدين للناس سالكاً المنهج الوسطي ، فالإسلام والأزهر الشريف يربطان مصر بأنحاء العالم الإسلامي برباط وثيق هو رباط الإسلام القوي ويعتبر الأزهر هو مركز إشعاع روحي ينهض لتأدية رسالته النبيلة فتفيد منه شعوب العالم الإسلامي .
وإذا نظرنا إلي منهج التعليم الأزهري نجد أنه منهجٌ يمثل وسطية الإسلام فلقد تبني الأزهر المذهب الأشعري والذي أسسه أبي الحسن الأشعري ، وهذا المذهب ليس مذهباً فقهياً بل مذهب عقائدي يُعني بأمور العقائد الإيمانية ، ولك أن تتساءل لماذا تبني الأزهر هذا المذهب الأشعري؟ إن تبني الأزهر للمذهب الأشعري ليس تعصباً لمذهب ولا لإمام من الأئمة ولكن لأن هذا المذهب هو مذهب يمثل وسطية الإسلام وإعتداله وهذه الوسطية هي ماكان عليه النبي صلي الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم أجمعين .
فمن مبادئ وقوانين المذهب الأشعري ( أن لا نكفّر أحد من أهل القبْلَة مالم يفعل ما يناقض ذلك وهو الخروج عن الملة) وهذا المبدأ الأشعري هو ترجمة عملية لماقاله رسول الله صلي الله عليه وسلم ورواه الإمام البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك أن النبي صلي الله عليه وسلم قال(مَنْ صَلَّى صَلاَتَنَا وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فَذَلِكَ المُسْلِمُ الَّذِي لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ فَلاَ تُخْفِرُوا اللَّهَ فِي ذِمَّتِهِ) أي لا تخونوا الله في عهده .
ومن أبرز العلماء الذين اعتنقوا المذهب الأشعري والذي يمثل وسطية الإسلام وإعتداله : الإمام النووي ، والإمام بن حجر العسقلاني ، والإمام القرطبي ، وابن عساكر ، والعز بن عبدالسلام .. وغيرهم .
فمن خلال هذا المنهج الوسطي يرسخ الأزهر في ذهن الطالب الأزهري منذ نعومة أظفاره الفهم المعتدل لنصوص القرآن والسنة ويُدربهُ علي احترام الرأي الأخر فقلد تعلمنا في أزهرنا الشريف ثقافة الحوار وشرعية الإختلاف ، تعلمنا في الأزهر أن ديننا أمرنا ألا نعتدي ولا نظلم ولانخدع ولا نغدر ولا نخون ولا نكذب وأن نُحسن إلي جيراننا ونوقر كبيرنا ونرحم صغيرنا ، تعلمنا في الأزهر أن حب الوطب من الإيمان وأن الحفاظ عليه وعلي مقدساته أمرٌ أوجبه علينا الشرع الحنيف ، تعلمنا في الأزهر أن ننظر لغير المسلمين من منظور الأخوة والمودة وأنهم شركاء لنا في الوطن لهم مالنا وعليهم ماعلينا .
فمناهج الأزهر الشريف تقوم علي ترسيخ قيم التسامح والتعايش السلمي والمساواة بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات بغض النظر عن معتقداتهم وديانتهم ، وهذا ما يؤكده واقعنا المعاصر .
من هنا ندرك أن وسطية الأزهر الشريف تنطلق من وسطية الإسلام التي هي تحصين للمجتمع من الإفرازات التي يمكن أن توجد بسبب التضييق من المتطرفين الذين يبثون أفكاراً مخالفة لصحيح الدين وينتهي الأمر بهم إلي تكفير الناس ، فوسطية الإسلام والتي قد تبناها الأزهر الشريف كان هو سرّ بقاءه شامخاً إلي الأن وهو سرّ إلتفاف الناس حوله فهو الملاذ للجميع .
فالأزهر كان وسيظل رمزا للوسطية والاعتدال الديني والفكري ولن يكون فيه مكان للمتطرفين والمتاجرين بالدين ، ولايزال الأزهر يحتل مقام الريادة والقيادة ولن يتخلي عن هذا الدور المهم داخلياً أو خارجياً لأنه كلما زادت قوة الأزهر وحضوره زادت قوة مصر والوطن العربي والعالم الإسلامي .
حفظ الله مصر حفظ الله الأزهر.