فضائل شهر شعبان المبارك


بقلم الشيخ: نور عبدالبديع حمودة الأزهرى الشافعي

إمام وخطيب بوزارة الأوقاف المصرية

الحمدُ لله ربِّ العالمين، نحمده سبحانه ونستعينه ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً تُنجّي قائلها يوم الدين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، المبعوث رحمةً للعالمين، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغرّ الميامين، ومن سار على نهجهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين.
أما بعد؛
فإن الأزمنة تتفاضل كما تتفاضل الأمكنة والأعمال، ومن رحمة الله بعباده أن جعل لهم مواسم للطاعة، ومحطات للإيمان، يجدّدون فيها العهد مع الله، ويتزوّدون منها بالتقوى. ومن أجلِّ هذه المواسم وأعظمها قدرًا: شهر شعبان، ذلك الشهر المبارك الذي يغفل عنه كثير من الناس، مع عظيم منزلته عند الله سبحانه وتعالى.

مكانة شهر شعبان وسبب غفلة الناس عنه

ثبت في سنن النسائي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال:
قلتُ: يا رسول الله، لم أرك تصوم شهرًا من الشهور ما تصوم من شعبان؟

فقال ﷺ:«ذٰلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ».

وقد علّق الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله على هذا المعنى فقال:
“فيه دليل على استحباب عمارة أوقات غفلة الناس بالطاعة، وأن ذلك أحبُّ إلى الله عز وجل.”

وشهر شعبان يتوسط بين شهرين عظيمين:

رجب: شهر من الأشهر الحُرُم.
رمضان: شهر الصيام والقرآن.
فانصرفت همم الناس إليهما، وغفل كثيرون عن شعبان، فصار شهرًا مهجورًا، مع أن العبادة فيه أعظم أجرًا، لأنها تدل على صدق الإخلاص، وخفاء العمل، وبعده عن الرياء.

رفع الأعمال في شهر شعبان
بيّن أهل العلم أن رفع الأعمال إلى الله سبحانه يكون على ثلاث مراتب:
رفع يومي: في صلاتي الفجر والعصر.
رفع أسبوعي: يوم الخميس.
رفع سنوي: في شهر شعبان.
ولهذا كان النبي ﷺ يُكثر من الصيام في هذا الشهر، محبةً في أن يُرفع عمله إلى الله وهو صائم، والصيام من أجلّ العبادات، وأقربها إلى الإخلاص، وأعظمها أجرًا عند الله تعالى.

الإكثار من الصيام في شعبان

ثبت عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت:
«ما رأيتُ رسولَ الله ﷺ استكمل صيامَ شهرٍ قطُّ إلا رمضان، وما رأيتُه في شهرٍ أكثرَ منه صيامًا في شعبان».
وقال الإمام ابن حجر العسقلاني رحمه الله:
“وفي الحديث دليل على فضل الصيام في شهر شعبان.”
وكان صيام شعبان تهيئةً للنفس، وتدريبًا لها على صيام رمضان، حتى يدخل العبد الشهر الكريم بقوة ونشاط، لا بكلفة ومشقة.

شعبان شهر القرآن

قال الإمام سلمة بن كهيل رحمه الله:“كان يُقال: شهر شعبان شهر القُرّاء.”

وكان السلف الصالح إذا دخل عليهم شعبان:
أغلقوا حوانيتهم، وتفرغوا لتلاوة القرآن ،وهيؤوا قلوبهم، لاستقبال رمضان.
وقال الإمام ابن رجب رحمه الله:“لما كان شعبان مقدمة لرمضان، شُرع فيه ما يُشرع في رمضان من الصيام وقراءة القرآن.”
#فضل العبادة في أوقات الغفلة
من أعظم فضائل شعبان أن الطاعة فيه تقع في زمن غفلة، والعبادة في الغفلة أشق على النفوس، وكلما عظُم التعب عظُم الأجر.
وقد جاء في الحديث: «لِلْعَامِلِ مِنْهُمْ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ»
وذلك لأن العامل على الطاعة في زمن الغفلة لا يجد من يعينه أو يشجعه، فكان أجره أعظم عند الله.

فضل الصيام عمومًا

وردت نصوص كثيرة في فضل صيام التطوع، منها قول النبي ﷺ:«ما من عبدٍ يصوم يومًا في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفًا».
«عليك بالصيام فإنه لا مثل له».

«الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة».

فكيف إذا اجتمع فضل الصيام مع شرف الزمان، كما هو الحال في شهر شعبان؟
#من الأعمال المستحبة في شهر شعبان
الإكثار من الصيام، خاصة في النصف الأول منه.

الإكثار من تلاوة القرآن وتدبر آياته.
كثرة الذكر والاستغفار.
تطهير القلوب وقطع الخصومات.
الإكثار من الصلاة على النبي ﷺ.

الاستعداد الإيماني والنفسي والعملي لشهر رمضان.

خاتمة
إن شهر شعبان مدرسة إيمانية عظيمة، وميدان للمتسابقين إلى الخيرات، من أحسن اغتنامه فقد فاز وربح، ومن غفل عنه فقد فاته خير كثير.
فلنُقبل على الله فيه بقلوب صادقة، وأعمال خالصة، لعلنا نكون من الذين تُرفع أعمالهم في هذا الشهر المبارك وهم في طاعة وقرب من الله.
نسأل الله أن يبارك لنا في شعبان، وأن يبلغنا رمضان، وأن يجعلنا فيه من المقبولين الفائزين.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين