الرد على فضيلة الدكتور عباس شومان ودعاة التقريب بين السنة والشيعة


د. مصطفى القليوبي الشافعي

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيم
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، حمدًا يليق بجلاله وكماله، والصلاةُ والسلامُ على سيدنا محمدٍ خاتمِ أنبيائه ورسله، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
أمّا بعد؛

فقد نشر الدكتور المحترم عباس شومان منشورا فحواه .. الطعن في مَن يقول لا يمكن التقريب بين السنة والشيعة من حيث الوحدة الإسلامية، والاعتقاد !
وقد اتهم من يمنع التقريب بالتطرف..

وطالما أن الدكتور نشر كلامه على العام، فلابد من التصحيح أيضا على العام ..

فأقول له ولغيره وبالله التوفيق :

إن الدعوة إلى «التقريب» بين السنة والشيعة لا تصح شرعًا ولا تستقيم علمًا إلا إذا كان الخلاف واقعًا في فروعٍ اجتهادية، أما إذا تجاوز ذلك إلى أصول الإيمان، والمساس بالقرآن، والطعن في التوحيد والنبوة، ونقض ما عُلم من الدين بالضرورة، فإن التقريب حينئذٍ وهمٌ خطير، وتلبيسٌ على العامة. ولا يمكن القول بالتقريب بين السنة والشيعة إلا إذا تخلَّوا عمّا يقولون، وهذه نماذج من بعض أقوالهم، مع بيان الحكم الشرعي لكل قولٍ على التحقيق:

أولًا: القول بتحريف القرآن ونقصانه

صرّح كبارُ علمائهم بأن القول بتحريف القرآن من ضروريات مذهب الشيعة، وأنه مجمعٌ عليه عندهم؛ منهم العاملي في مقدمته الثانية لتفسير مرآة الأنوار (ص: 84)، وعدنان البحراني في مشارق الشموس الدرية (ص: 126)، والمفيد في أوائل المقالات (ص: 48–49).

وقال المفيد:

«إن الأخبار قد جاءت مستفيضة عن أئمة الهدى من آل محمد باختلاف القرآن (تحريفه)، وما أحدثه بعضُ الظالمين (أي الصحابة) فيه من الحذف والنقصان» (أوائل المقالات، ص: 91).

وانظر: تفسير الطبرسي (1/249)، تفسير القمي (1/37)، تفسير الصافي للكاشاني (1/49)، الأنوار النعمانية (2/360)، المسائل السرورية للمفيد (ص: 78).

وألّف النوري الطبرسي كتابه فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب، جمع فيه نحو ألفي رواية في تحريف القرآن، وهو إمامٌ معظَّم عندهم. كما اشتمل الكافي للكليني على رواياتٍ كثيرة في هذا الباب، وهو عندهم بمنزلة صحيح البخاري عند أهل السنة.

الحكم: هذا القول كفرٌ أكبر؛ لأنه تكذيبٌ صريحٌ لحفظ القرآن، ومكابرةٌ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.

ثانيًا: عدم الاجتماع معنا على إلهٍ ولا نبي

قال نعمة الله الجزائري في الأنوار النعمانية (2/278):

«وحاصله أنا لم نجتمع معهم على إله ولا نبي ولا على إمام…».

الحكم: هذا القول كفرٌ صريح؛ لأنه نفيٌ للاجتماع في أصل التوحيد والرسالة، ومناقضةٌ لما انعقد عليه إجماع المسلمين.

ثالثًا: تفضيل الأئمة على الأنبياء

قال المجلسي في مرآة العقول (2/290):
«وإنهم – أي الأئمة – أفضل وأشرف من جميع الأنبياء سوى نبينا محمد».
وقال الخميني في الحكومة الإسلامية (ص: 52):
«وإن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقامًا لا يبلغه ملكٌ مقرّب ولا نبيٌّ مرسل».
الحكم: هذا القول بدعةٌ وضلالٌ عظيم، وفيه غلوٌّ فاحش وتنقيصٌ لمقام الأنبياء، لكنه ليس كفرًا في نفسه ما لم يتضمن تكذيبًا لنصٍّ قطعيٍّ صريح أو جحدًا لما عُلم من الدين بالضرورة.

رابعًا: جعل الإمامة أعلى من النبوة

قال المجلسي في حياة القلوب (ص: 10):
«إن الإمامة أعلى رتبةً من النبوة».
الحكم: هذا القول بدعةٌ منكرة وضلالٌ شديد؛ لأنه قلبٌ للمراتب الشرعية، لكنه لا يُكَفَّر به قائله بعينه ما لم يصرّح بجحد النبوة أو تكذيب الوحي.

خامسًا: القول بعصمة الأئمة عصمةً مطلقة
قال الصدوق في عقائد الإمامية (ص: 157):
«ومن نفى عنهم العصمة في شيءٍ من أحوالهم فقد جهلهم، ومن جهلهم فهو كافر».

وقال المجلسي: عصمة الأئمة مجمعٌ عليها (بحار الأنوار، 25/350).
وقال الصدوق: «والإمام عندهم كالنبي في العصمة» (عقائد الإمامية، ص: 51).

الحكم: اعتقاد العصمة المطلقة للأئمة بدعةٌ غالية وضلالٌ بيِّن، وتشبهٌ بالنبوة في خصائصها، لكنه لا يُحكم بكفر قائله إلا إذا استلزم نفي ختم النبوة أو إضفاء وحيٍ وتشريعٍ مستقل.

سادسًا: تكفير الصحابة والطعن في خيار الأمة

قال نعمة الله الجزائري في الأنوار النعمانية (1/53):
«إن أبا بكر كان يصلي خلف رسول الله، والصنم معلقٌ في عنقه…».
وقال زين الدين النباطي في الصراط المستقيم (3/129):
«عمر بن الخطاب كان كافرًا…».

وجاء في حق اليقين (ص: 519) تقرير البراءة من أبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية، ومن أمهات المؤمنين عائشة وحفصة وغيرهن، والحكم بأنهم شرُّ خلق الله.

وقال النجفي في السبعة من السلف (ص: 7):
«إن الرسول ابتُلي بأصحابٍ قد ارتدوا بعده إلا القليل».

الحكم:

– تكفير الصحابة كفرٌ؛ لأنه تكذيبٌ صريحٌ لآيات الرضا والثناء عليهم.
– وسبُّهم والطعن في عدالتهم معصيةٌ عظيمة وضلال، فإن استُحلَّ كان كفرًا.
سابعًا: دعوى علم الأئمة بالغيب

جاء في أصول الكافي (1/260) باب:
«أن الأئمة يعلمون علم ما كان وما يكون ولا يخفى عليهم شيء».

الحكم: هذا القول كفرٌ؛ لأنه إسنادٌ لعلم الغيب المطلق لغير الله، وقد قال تعالى:
﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾.

وبذلك يظهر أن مواضع التكفير هنا محصورةٌ فيما تقدّم بيانه، وأن غيرها بدعٌ وضلالاتٌ وغلوٌّ لا يُسوِّغ التقريب ولا يرفعه إلى خلافٍ سائغ، بل يوجب البيان والتحذير، صيانةً للتوحيد وحفظًا لأصول الدين.

هذا غيض من فيض .. فلهم أقوال مخالفة لاعتقاد أهل السنة، لا يمكن حصرها في مقال قصير .. لذا اكتفيت ببعض كفرياتهم للبيان والتدليل على كلامي ..

وإنني أطالب الدكتور عباس وغيره من المحترمين أن يراجعوا أنفسهم، ويبحثوا في المسألة مرات ومرات – رغم أن المسألة لا تحتاج تكرار النظر، فهي واضحة كالشمس – والله أسأل أن يرده وغيره إلى الحق .. إنه ولي ذلك والقادر عليه ..