توقيرُ العلماءِ الربانيين عبادةُ قلبٍ وتعظيمُ شريعة


بقلم د/ مصطفى طاهر رضوان
عضو هيئة التدريس بقسم العقيدة والفلسفة
كلية أصول الدين والدعوة ـ جامعة الأزهر

إن الأدب مع العلماء العاملين الربانيين – الذين إذا رؤوا ذُكر الله تعالى، وإذا نُطق بأسمائهم اقترنت بالخشية والسكينة – ليس أدبًا اسلاميًّا فحسب، بل هو في حقيقته أدبٌ مع الله تعالى، وتعظيمٌ لشعائره، وإجلالٌ لما عظَّمه الله وشرَّفه.

قال تعالى: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾.

وتوقير هؤلاء العلماء هو من توقير الله عز وجل، إذ هم مظان علمه، وحملة شرعه، وورثة نبيه ﷺ، وقد قال سبحانه موبِّخًا من فرَّط في هذا المقام: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾.

فكلُّ ما شَرُف بالانتساب إلى الله تعالى، أو أُضيف إلى رسول الله ﷺ، فإن حقَّه التعظيم والتوقير، والوقوف عند حدوده بقلبٍ خاشع ونفسٍ مؤدبة.

وقد روى الحاكم عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «ليس منا من لم يُجِلَّ كبيرَنا، ويرحم صغيرَنا، ويعرف لعالِمِنا حقَّه».

وهؤلاء العلماء هم ورثة سيدنا رسول الله ﷺ، والقائمون على شريعته، والدالُّون على الله بأحوالهم قبل أقوالهم.

ويقول عبد الله بن المبارك رحمه الله: “حقٌّ على العاقل ألا يستخفّ بثلاثة: العلماء، والسلاطين، والإخوان؛ فمن استخفَّ بالعلماء ذهبت آخرته، ومن استخفَّ بالسلاطين ذهبت دنياه، ومن استخفَّ بإخوانه ذهبت مروءته”.

ويقول الإمام الطحاوي رحمه الله: وعلماء السلف من السابقين، ومن بعدهم من التابعين، أهل الخير والأثر، وأهل الفقه والنظر، لا يُذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير سبيل.

إنهم العلماء الربانيون، أتباع المصطفى ﷺ، السائرون على هديه، النَّاهلون من علمه، المتخلِّقون بأخلاقه، لا يقابلون الإساءة بالإساءة، بل يتزينون بصفات عباد الرحمن: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾،
ويمتثلون أمر الله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾.

وكيف لا يكون هذا حالهم، وهم حملة القرآن الكريم، وحفظة السنة الشريفة؟
وكيف لا يكون هذا سمتهم، وقد خاطبهم الله بقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾؟

وكيف لا يُوقَّرون وهم أئمة الهدى قولًا وفعلًا وسلوكًا؟
وكيف لا يُعظَّمون وقد رفعهم الله درجات، فقال سبحانه: ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾؟

فلهم مكانةٌ عالية برفع الله لهم، ومن رفعه الله فمن ذا الذي يجرؤ على خفضه؟
ولكن صدق القائل: لا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا ذوو الفضل.

ويُروى عن أمير المؤمنين سيدنا علي رضي الله عنه أنه قال: من حق العالم عليك إذا أتيته أن تسلِّم عليه خاصة، وعلى القوم عامة، وأن تجلس أمامه، ولا تشير بيدك، ولا تغمز بعينك، ولا تقول: قال فلان خلاف قولك، ولا تأخذ بثوبه، ولا تُلح عليه في السؤال.

وقال الإمام الشافعي رحمه الله: ما أخذتُ شيئًا من العلم إلا استعملت فيه الأدب، فلما قدمت المدينة ورأيت من مالك هيبته وإجلاله للعلم، ازددت أدبًا، حتى كنت أقلب الورقة في مجلسه تقليبًا رفيقًا؛ هيبةً له.

وقال الإمام أحمد رحمه الله: أُمرنا أن نتواضع لمن نتعلَّم منه.
وحين ذُكر عنده إبراهيم بن طهمان، وكان متكئًا من علة، فاستوى جالسًا وقال: لا ينبغي أن يُذكر الصالحون فيُتَّكَأ.

وروى ابن عساكر أن زيد بن ثابت رضي الله عنه ركب يومًا، فأخذ ابن عباس رضي الله عنهما بركابه، فقال له: تنحَّ يا ابن عم رسول الله ﷺ.
فقال ابن عباس: هكذا أُمرنا أن نفعل بعلمائنا وكبرائنا.
فقبَّل زيد يده وقال: وهكذا أُمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا ﷺ.

نسأل الله العلي القدير أن يدلنا على العلماء الربانيين، الذين إذا رأيناهم ذكرونا بك، وإذا نطقوا زادونا علمًا نافعًا، وإذا نظرنا إلى أفعالهم رأينا فيهم أخلاق وأحوال سيدنا رسول الله ﷺ.
اللهم ارزقنا الأدب معهم، والانتفاع بعلمهم، وحسن الظن بهم، والاقتداء بهديهم.
آمين، آمين، آمين.