
بقلم الاستاذة :سيدة حسن
هل خطر ببالكم مرة أن تسألوا لماذا يُخاف من التصوف إلى هذا الحد؟ ولماذا يُشوَّه ويُحاصَر ويُختزل دائمًا في اتهامات جاهزة عن بدعة أو شرك أو زيارة قبور؟ كأن المسألة كلها لا تتجاوز طقسًا أو ممارسة، بينما الحقيقة أعمق وأخطر بكثير.
التصوف لا يُحارَب لأنه يضعف العقيدة، ولا لأنه خروج عن التوحيد، فهذه عناوين استُهلكت حتى فقدت معناها. التصوف يُحارَب لأنه لا يخدم الصراع، ولا يعيش على الانقسام، ولا يُنتج إنسانًا قابلًا للاستخدام.
التصوف يبدأ من حيث لا تريد كثير من المنظومات أن يبدأ الناس: من الداخل. يبدأ بسؤال بسيط لكنه مرعب: ماذا عنك أنت؟ ماذا في قلبك؟ ماذا في نيتك؟ ماذا في خوفك وغضبك وجرحك القديم؟ في التصوف لا تُكلَّف بإصلاح العالم، بل بإصلاح نفسك أولًا، ومن ينشغل بنفسه عن تهذيب قلبه لا يجد وقتًا ولا رغبة ليكون أداة صراع.
والإنسان الذي يتصالح مع نفسه لا يعيش في حرب دائمة، ولا يرى المجتمع ساحة مواجهة، ولا يبحث عن عدو يفرغ فيه ألمه. وحين يتصالح الإنسان مع نفسه، يتصالح مع المجتمع تلقائيًا، لأن المجتمع في النهاية ليس أكثر من قلوب مجتمعة.
هنا تبدأ الخطورة الحقيقية. الإنسان المتصالح لا يحتاج حربًا ليشعر بقيمته، ولا يحمل سلاحًا ليبرر وجوده، ولا يرى العنف بطولة. ولهذا فالتصوف خطر على تجارة السلاح، لأن هذه التجارة لا تزدهر إلا في عالم مشتعِل، مليء بالغضب والخوف والتحريض.
والإنسان المتصالح لا يهرب من نفسه، ولا يبحث عن مخدر ليغيب وعيه، ولا عن وهم لينسى ألمه. ولهذا فالتصوف خطر على تجارة المخدرات، لأن الإدمان يعيش على الفراغ، والتصوف يملأ الفراغ بالمعنى.
بل هو خطر حتى على تجارة الدواء حين تُدار آلام البشر كخطط ربح، لأن الإنسان الذي شُفي قلبه لا يُستنزف مرضًا، ولا يعيش مكسورًا ليظل زبونًا دائمًا. التصوف لا ينكر المرض، لكنه يرفض أن يكون الألم مشروعًا تجاريًا.
التصوف لا يمنع هذه الأشياء بالقوة، ولا يحاربها بالشعارات، بل يقطع جذورها من الأصل. هو لا يطفئ الحريق بعد اشتعاله، بل يمنع الشرارة من الأساس. وحين يُصلح الفرد، يهدأ المجتمع بلا ضجيج ولا خطب ولا صراخ.
في التصوف تذوب الفروقات المادية والاجتماعية، فلا فضل لغني على فقير، ولا لاسم على اسم، ولا لطبقة على طبقة. الميزان واحد: القلب والصدق. وهذا وحده كفيل بأن يربك كل نظام قائم على الامتياز والاستغلال.
ولهذا يُعادى التصوف، لا لأنه بدعة، ولا لأنه خطر على العقيدة، بل لأنه أخطر من ذلك بكثير. لأنه يُنهي الصراع من جذوره، ويُسقط أسواقًا كاملة تعيش على الخوف والغضب والفراغ
وختاما
لم يُحارب التصوف لأنه ضلّ الطريق بل لأنه كشف الطريق. طريق يبدأ بإصلاح الإنسان وحين يصلح الإنسان، لا يجد الصراع ما يتغذّى عليه ولا تجد الفتنة سوقًا تعيش فيه.