الوهابية أداة لتفكيك الدين في خدمة المشروع الاستعماري
6 يناير، 2026
الوهابية ومنهجهم الهدام

بقلم الكاتب / محمد نجيب نبهان
كاتب وباحث وناقد فني وتاريخي
لم يكن دعم بريطانيا الاستعمارية للوهابية حدثًا عابرًا في سياق تفاعلات محلية محدودة، ولا نتيجة مصادفة سياسية طارئة، بل جاء ضمن تصور استراتيجي أوسع يقوم على تفكيك البنى الحضارية من داخلها بدل مواجهتها مواجهة مباشرة. فقد استخلصت القوى الاستعمارية، بعد تجارب مريرة مع الغزو العسكري المكلف، أن أخطر ما يهدد الأمم المتماسكة هو ضرب وحدتها العقدية والاجتماعية، وإشعال صراعات داخلية تُدار باسم الدين، بحيث تتآكل الأمة ذاتيًا، وتُستنزف طاقتها في نزاعات داخلية طويلة الأمد.
هذا المنطق لم يكن خاصًا بالعالم الإسلامي، بل هو امتداد لتجربة أوروبية سابقة. فأوروبا نفسها شهدت في القرنين السادس عشر والسابع عشر دعمًا سياسيًا وعسكريًا لحركات دينية انشقاقية، كان أبرزها الحركة البروتستانتية، لا بدافع إصلاح الإيمان كما يُقدَّم في السرديات اللاحقة، بل بهدف كسر وحدة الكنيسة الكاثوليكية التي كانت تشكل آنذاك مرجعية دينية جامعة وسلطة أخلاقية عابرة للكيانات السياسية. وقد أسفر هذا الدعم عن حروب دينية طاحنة، ومجازر واسعة، وانقسامات مذهبية عميقة أعادت تشكيل أوروبا على مدى قرون. هذه الخبرة التاريخية أصبحت جزءًا من العقل الاستعماري الأوروبي، وأداة جاهزة للتطبيق كلما واجه كيانًا حضاريًا متماسكًا.
وعندما نظرت بريطانيا إلى العالم الإسلامي، وجدته، رغم ضعفه السياسي النسبي في أواخر العهد العثماني، يحتفظ بوحدة عقدية عامة، ومنظومة فقهية متنوعة لكنها منضبطة، وذاكرة دينية مشتركة تشكل رابطًا جامعًا بين شعوب شتى. هذه الوحدة، بما تحمله من قابلية للتحول إلى قوة سياسية ومقاومة شاملة، كانت تشكل تهديدًا مباشرًا للمصالح الاستعمارية. ومن هنا جاء الخيار الذي أتقنته بريطانيا: صناعة صراع ديني داخلي، وتوجيه طاقة المسلمين إلى الاقتتال فيما بينهم، وصرفهم عن قضاياهم المصيرية، مثل التحرر من الهيمنة الأجنبية، وبناء مشروع نهضوي جامع.
في هذا السياق التاريخي ظهرت الوهابية بوصفها حركة دينية ذات خطاب تكفيري إقصائي، تقوم على تقسيم المسلمين إلى فسطاطين: فئة ناجية تحتكر التوحيد، وأكثرية ضالة أو مشركة يجوز تكفيرها واستباحة دمائها. هذا المنهج لم يكن امتدادًا طبيعيًا للتراث السني، بل قطيعة معه، إذ جعل المسلم المخالف في مسائل عقدية أو فقهية فرعية أخطر من العدو الخارجي. وعندما يُعاد تعريف العدو بهذه الصورة، تتحقق الغاية الاستعمارية دون حاجة إلى جيوش أو احتلال مباشر.
أما مسألة الدعم البريطاني للوهابية، فليست ادعاءً إنشائيًا ولا خطابًا عاطفيًا، بل وردت الإشارة إليها في مصادر تاريخية معتبرة، منها مذكرات محمد كرد علي، الذي تحدث صراحة عن وجود تواصل وعلاقات سياسية بين شيوخ بارزين من الوهابية وبين ممثلين عن بريطانيا الاستعمارية، ولا سيما في العراق والخليج. كما أن الوثائق البريطانية التي أُفرج عنها لاحقًا تكشف اهتمامًا واضحًا بتوظيف التناقضات المذهبية في الجزيرة العربية والهند والعراق، ضمن سياسة استعمارية معروفة تقوم على إدارة الانقسام لا إنهائه.
إن قراءة المصادر المحلية نفسها، مثل تاريخ ابن غنام وتاريخ ابن بشر، وكتاب «كيف كان ظهور محمد بن عبد الوهاب» لمؤلف معاصر للدعوة كان ضمن جيشها، تكشف طبيعة هذا الظهور، وسياقه العنيف، وآلياته في فرض نفسه بالقوة المسلحة، لا بالحجة العلمية وحدها. وهي مصادر لا يمكن اتهامها بالعداء المسبق، لأنها صادرة من داخل البيئة الوهابية أو من محيطها المباشر.
واللافت أن الرفض الواسع لدعوة محمد بن عبد الوهاب لم يقتصر على خصوم سياسيين أو مذهبيين بعيدين، بل جاء أولًا من علماء أهل السنة والجماعة في عصره، من مختلف المذاهب الفقهية. فلم يكن الخلاف معه خلافًا شخصيًا، ولا جدلًا فقهيًا محدودًا، بل موقفًا علميًا جماعيًا من منهج جديد لم تعرفه الأمة من قبل، يقوم على تكفير عموم المسلمين من غير أتباعه، ونزع الشرعية الدينية عن قرون من التراث السني، واستباحة الدماء باسم تصحيح العقيدة.
وقد كتب في الرد عليه والتحذير من دعوته علماء من الشافعية والمالكية والحنفية والحنابلة. ومن أبرزهم أخوه الشيخ سليمان بن عبد الوهاب، الذي ألف رسالة صريحة في نقض أصول دعوته، والشيخ محمد بن عبد الله بن فيروز من كبار علماء نجد، الذي أنكر تكفيره للمسلمين، والشيخ أحمد زيني دحلان مفتي مكة، الذي وصف الوهابية بأنها فتنة وخروج عن جماعة المسلمين، فضلًا عن عدد كبير من علماء الأزهر والحجاز واليمن والهند والمغرب، الذين أجمعوا على خطورة هذا المنهج.
ويعود هذا الرفض الواسع إلى أصول خطيرة قامت عليها الوهابية، من أبرزها توسيع دائرة التكفير بضوابط غير منضبطة شرعًا، واتهام أتباع المذاهب الأربعة والتصوف بالشرك، وإحياء مقولات في التجسيم والتشبيه أنكرتها جماهير أهل السنة، واستباحة دماء المخالفين بدعوى إقامة التوحيد، وربط الدعوة الدينية بتحالف سياسي مسلح يفرض العقيدة بالقوة.
وقد تُرجم هذا المنهج عمليًا في تاريخ دموي، بدأ بالخروج المسلح على خليفة المسلمين العثماني، وتمزيق وحدة الأمة تحت شعار «التوحيد»، في سابقة لم يعرفها السلف الصالح، الذين لم يجعلوا قتال أهل القبلة مدخلًا للإصلاح، ولم يقدموا الصراع الداخلي على مواجهة الأخطار الخارجية. كما أسهمت فتاوى التكفير في إضعاف الخلافة الإسلامية، وإشعال صراعات داخلية أنهكت المجتمعات الإسلامية، بدل توجيه الجهود إلى حفظ الجماعة وصيانة كيان الأمة.
ثم تطور الأمر إلى تسليط القوى الأجنبية على بلاد المسلمين بذريعة نشر التوحيد، حتى صار التحالف مع المستعمر الغربي أقرب من التعايش مع المسلم الأشعري أو الصوفي أو المقلد، في مفارقة تاريخية وأخلاقية صارخة. وتحول مفهوم الجهاد، في هذا الإطار، من مقاومة الاحتلال والعدوان الخارجي إلى استباحة دماء المسلمين وتكفير المجتمعات، فغدا العدو هو الفقيه والمتصوف والمخالف في الرأي، لا المحتل والغاصب.
وقد شهد التاريخ أحداثًا دامية ارتبطت بالوهابية، من غزوات للمدن والمقدسات، كما وقع في الطائف وغيرها، حيث لم يُفرَّق بين مدني ومقاتل، ولا بين مسلم ومسلم. وفي الأزمنة المتأخرة، أعادت الحركات المتأثرة بهذا الفكر إنتاج المنطق نفسه في سياقات جديدة، عبر أعمال عنف وتفجيرات في بلدان إسلامية وغربية، لم تخدم الإسلام ولا قضاياه، بل أساءت إلى صورته، ونفّرت الناس منه، وألقت بالمسلمين في دائرة الاتهام الجماعي.
إن تاريخ الوهابية، في كثير من مراحله، ارتبط بمنطق التكفير وسفك الدماء أكثر مما ارتبط بالعلم أو الهداية أو نشر قيم الرحمة والعدل التي جاء بها الإسلام. ومن أراد الحق، فليزن الأفكار بميزان العلم والإنصاف، وليعد إلى أقوال العلماء الثقات، لا إلى دعايات أيديولوجية أعادت تسمية هذا المنهج الإقصائي زورًا باسم «السلفية»، وهي براء من هذا التراث الواسع العميق.
فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.