وصيه من أعماق قلبي لأحبابي الدعاه


بِقَلَمِ الشَّيْخِ : أَحْمَدَ إِسْمَاعِيلَ الْفَشَنِيِّ

من علماء الأزهر الشريف

«وَصِيَّتِي لِأَحِبَّتِي وَزُمَلَائِي مِمَّنْ تَحَمَّلُوا عَلَى عَاتِقِهِمُ الدَّعْوَةَ إِلَى اللَّهِ (وَخَاصَّةً الْأَزْهَرِيِّينَ) وَكُلِّ مَنْ يَدْعُو إِلَى اللَّهِ»

يَا رِفَاقَ الدَّرْبِ.. وَيَا مَنِ اصْطَفَاكُمُ اللَّهُ لِبَلَاغِ دِينِهِ:

إِنَّ مَقَامَ الدَّعْوَةِ لَيْسَ تَشْرِيفاً نَتِيهُ بِهِ، بَلْ هُوَ تَكْلِيفٌ تَرْتَعِدُ مِنْهُ الْفَرَائِصُ. نَحْنُ الْيَوْمَ فِي زَمَنٍ يَحْتَاجُ فِيهِ النَّاسُ إِلَى “نُورِ الْحِكْمَةِ” قَبْلَ “سَوْطِ الْمَوْعِظَةِ”.

وَإِلَيْكُمْ هَذِهِ الْوَصَايَا مِن لُبِّ مَنْهَجِنَا الرَّصِينِ:

أَوَّلاً: صِدْقُ الْبَاطِنِ (الْمَدَدُ عَلَى قَدْرِ الْمَشْهَدِ)

أَوَّلُ خُطُوَاتِ الدَّاعِيَةِ هِيَ أَنْ يُبْصِرَ عُيُوبَ نَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يَعِظَ غَيْرَهُ. لَا يَكُنْ هَمُّكَ أَنْ يَمْتَلِئَ الْمَسْجِدُ بِالْأَجْسَادِ، بَلْ أَنْ تَمْتَلِئَ الْقُلُوبُ بِالْإِيمَانِ، وَهَذَا لَنْ يَكُونَ إِلَّا إِذَا كَانَ لَكَ “خَبِيئَةٌ” مَعَ اللَّهِ.

* مَوْقِفٌ بَلِيغٌ: يُحْكَى أَنَّ سَيِّدَنَا الْإِمَامَ الْغَزَالِيَّ (رَحِمَهُ اللَّهُ) حِينَ كَانَ فِي أَوْجِ شُهْرَتِهِ، اعْتَزَلَ النَّاسَ عَشْرَ سَنَوَاتٍ يُطَهِّرُ قَلْبَهُ، وَكَانَ يَقُولُ: “كُنْتُ أَتَكَلَّمُ لِلنَّاسِ وَنَفْسِي مَعِي، فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ لِلَّهِ وَنَفْسِي غَائِبَةٌ”. (سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ لِلذَّهَبِيِّ).
نَصِيحَةٌ عَمَلِيَّةٌ: «اجْعَلْ صَلَاتَكَ فِي لَيْلِكَ هِيَ مَدَدُكَ فِي نَهَارِكَ، فَالْكَلَامُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الْقَلْبِ لَا يَسْتَقِرُّ إِلَّا فِي الْقَلْبِ. »

ثَانِيًا: الِانْضِبَاطُ بِأَصَالَةِ الْفَهْمِ (الْعِلْمُ حِصْنٌ لَا فَوْضَى)
يَا أَخِي، لَا تَكُنْ “صَحَفِيًّا” تَنْقُلُ مِنَ الْوَرَقِ دُونَ فَهْمٍ، بَلْ كُنْ “مَنْهَجِيًّا” تَلْتَزِمُ بِمَا اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ عُقُولُ الْأُمَّةِ. اعْتَمِدْ فِي عَقِيدَتِكَ عَلَى تَنْزِيهِ اللَّهِ وَتَعْظِيمِهِ، وَفِي فِقْهِكَ عَلَى احْتِرَامِ الْمَذَاهِبِ الْمُعْتَمَدَةِ، فَهَذَا هُوَ السَّبِيلُ لِحِمَايَةِ النَّاسِ مِنَ التَّشَتُّتِ.

* قِصَّةٌ مِنَ التَّارِيخِ: كَانَ عُلَمَاءُ الْأَزْهَرِ الْكِبَارُ لَا يُفْتُونَ فِي مَسْأَلَةٍ حَتَّى يَعْرِضُوهَا عَلَى “أُصُولِ الْمَذْهَبِ”؛ حِرْصاً عَلَى دِينِ النَّاسِ. وَيُحْكَى أَنَّ عَالِماً سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَغَابَ فِيهَا أَيَّاماً، فَلَمَّا سُئِلَ عَنِ التَّأْخِيرِ قَالَ: “أُرِيدُ أَنْ أَجِدَ لَهَا مَخْرَجاً لَا يَخْرِمُ الْأَصْلَ وَلَا يَشُقُّ عَلَى الْخَلْقِ”.

نَصِيحَةٌ عَمَلِيَّةٌ: «لَا تَتَصَدَّرْ بِالْآرَاءِ الشَّاذَّةِ طَلَباً لِلشُّهْرَةِ، بَلِ الْزَمْ “الْجَادَّةَ” الَّتِي سَارَ عَلَيْهَا الْأَكَابِرُ، فَفِيهَا السَّلَامَةُ وَالْبَرَكَةُ.»

ثَالِثًا: فِقْهُ الرَّحْمَةِ (الدَّعْوَةُ حُبٌّ لَا حَرْبٌ)
الدَّاعِيَةُ الْحَقُّ هُوَ مَنْ يَنْظُرُ لِلْعَاصِي بِعَيْنِ الرَّحْمَةِ وَيَنْظُرُ لِلْعَمَلِ بِعَيْنِ الِاتِّبَاعِ. لَا تَجْعَلِ الدِّينَ فِي عُيُونِ الشَّبَابِ “قُيُوداً” بَلِ اجْعَلْهُ “نُوراً”.

* مَوْقِفٌ نَبَوِيٌّ شَدِيدُ الْعُمْقِ: حِينَ جَاءَ شَابٌّ يَسْتَأْذِنُ فِي الزِّنَا، لَمْ يَنْهَرْهُ النَّبِيُّ ﷺ وَلَمْ يَطْرُدْهُ، بَلْ قَرَّبَهُ وَحَاوَرَ فِطْرَتَهُ وَنَفْسَهُ بِكُلِّ رِفْقٍ حَتَّى خَرَجَ الشَّابُّ وَقَلْبُهُ مُبْغِضٌ لِلْمَعْصِيَةِ. (رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ).

نَصِيحَةٌ عَمَلِيَّةٌ: «كُنْ مِثْلَ “طَبِيبِ النُّفُوسِ”؛ يَصْبِرُ عَلَى أذَى الْمَرِيضِ لِيُعْطِيَهُ الدَّوَاءَ، وَتَذَكَّرْ أَنَّ الرِّفْقَ مَا كَانَ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ.»

رَابِعًا: التَّوَاضُعُ وَانْكِسَارُ النَّفْسِ (مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ)

أَخْطَرُ مَا يُوَاجِهُ الدَّاعِيَةَ هُوَ “الْكِبْرُ الْخَفِيُّ”؛ أَنْ يَرَى نَفْسَهُ خَيْراً مِنَ النَّاسِ لِأَنَّهُ يَعِظُهُمْ.

* مَوْقِفٌ لِلْإِمَامِ الشَّعْرَاوِيِّ: يُرْوَى أَنَّ فَضِيلَتَهُ (رَحِمَهُ اللَّهُ) بَعْدَ أَنْ أَثْنَى عَلَيْهِ النَّاسُ ثَنَاءً عَطِراً بَعْدَ دَرْسٍ بَلِيغٍ، ذَهَبَ لَيْلًا إِلَى مَسْجِدِ السَّيِّدَةِ نَفِيسَةَ وَقَامَ بِتَنْظِيفِ الْمَكَانِ سِرّاً، لِيُعَلِّمَ نَفْسَهُ أَنَّهُ خَادِمٌ لَا سَيِّدٌ.

نَصِيحَةٌ عَمَلِيَّةٌ: «إِذَا رَأَيْتَ مُبْتَلًى فَاسْأَلِ اللَّهَ الْعَافِيَةَ وَلَا تَعْجَبْ بِنَفْسِكَ، وَاجْعَلْ شِعَارَكَ: (أَنَا لَا شَيْءٌ.. وَالْفَضْلُ لِلَّهِ وَحْدَهُ).»

خِتَامُ الْوَصِيَّةِ:
يَا أَحِبَّتِي.. مَنْهَجُنَا هُوَ “الْجَمَالُ” وَ”الِاعْتِدَالُ”. كُونُوا رُحَمَاءَ فِي دَعْوَتِكُمْ، رَصِينِينَ فِي عِلْمِكُمْ، مُنْكَسِرِينَ لِرَبِّكُمْ.. فَبِهَذَا تَبْنُونَ الْإِنْسَانَ وَتُعَمِّرُونَ الْأَوْطَانَ.
وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.