الإمام الأكبر أحمد الطيب .. ثمانون عامًا من العلم والرسالة… محطات في سيرة شيخ الأزهر

بقلم : د. مصطفى طاهر رضوان
عضو هيئة التدريس في قسم العقيدة والفلسفة
بكلية أصول الدين والدعوة ـ جامعة الأزهر الشَّريف

ثمانون عامًا من العلم والرسالة… محطات في سيرة شيخ الأزهر

تحلُّ علينا الذكرى الثمانون لميلاد فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور/ أحمد محمد أحمد الطيب الحساني، شيخ الأزهر الشريف، فتتجدَّد معها معاني الوفاء لقامةٍ علميةٍ سامقة، ورمزٍ أزهريٍّ أصيل، حمل لواء العلم والدعوة، وجمع بين عمق التراث ورحابة المعاصرة، وظلَّ وفيًّا لرسالة الأزهر الشريف في نشر الوسطية، وترسيخ قيم السلام، وصيانة هوية الأمة.

المولد والنشأة

وُلد فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور/ أحمد الطيب بقرية القُرْنَة التابعة لمدينة الأقصر، في الثالث من صفر سنة 1365هـ، الموافق السادس من يناير سنة 1946م، في أسرةٍ عريقةٍ طيبة المحتد، عُرفت بالعلم والصلاح، وكان والده من أهل الفضل والتقوى، فشبَّ في بيتٍ تُظلِّله القيم الدينية، وتزكِّيه الأخلاق الكريمة.

نشأ فضيلته في بلدته، ثم شدَّ الرحال إلى الأزهر الشريف، ذلك الحصن العلمي العتيق، فحفظ القرآن الكريم، ونهل من علومه، وقرأ المتون العلمية على الطريقة الأزهرية الأصيلة، حتى التحق بشعبة العقيدة والفلسفة بكلية أصول الدين بالقاهرة، حيث تميَّز في دراسته، وتخرَّج فيها بتفوّق سنة 1969م.

المؤهلات العلمية والتكوين الأكاديمي

تدرَّج فضيلة الإمام الأكبر في مدارج التحصيل العلمي بالأزهر الشريف، فحصل على:

ليسانس أصول الدين، شعبة العقيدة والفلسفة، سنة 1969م.

درجة الماجستير في شعبة العقيدة والفلسفة، سنة 1971م.

درجة الدكتوراه في الشعبة نفسها سنة 1977م.

وفي إطار انفتاحه العلمي، أُوفد في مهمة علمية إلى جامعة باريس بفرنسا لمدة ستة أشهر، من ديسمبر 1977م إلى عام 1978م، حيث اطَّلع على مناهج البحث الفلسفي الغربي، وأتقن اللغة الفرنسية إتقانًا تامًّا، مما أهَّله للترجمة منها إلى العربية بدقة واقتدار.

الدرجات العلمية

بدأ فضيلته مسيرته الأكاديمية في الأزهر الشريف، وتدرَّج في درجاته العلمية على النحو الآتي:

معيد سنة 1969م.

مدرس مساعد سنة 1971م.

مدرس سنة 1977م.

أستاذ مساعد سنة 1982م.

أستاذ سنة 1988م.

المناصب والمسؤوليات

عُيِّن فضيلته معيدًا بكلية أصول الدين في 20 جمادى الآخرة 1389هـ الموافق 2 سبتمبر 1969م، ثم عُيِّن أستاذًا بالكلية في 17 جمادى الأولى 1408هـ الموافق 6 يناير 1988م.

وتنوَّعت مسؤولياته الإدارية والعلمية، فانتُدب عميدًا لكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنين بمحافظة قنا اعتبارًا من 8 ربيع الآخر 1411هـ الموافق 27 أكتوبر 1990م، وحتى 21 صفر 1421هـ الموافق 31 أغسطس 1991م، ثم انتُدب عميدًا لكلية الدراسات الإسلامية للبنين بأسوان، مع منحه بدل العمادة، اعتبارًا من 22 جمادى الآخرة 1416هـ الموافق 15 نوفمبر 1995م.

وفي العام الدراسي 1999 / 2000م، عُيِّن عميدًا لكلية أصول الدين بالجامعة الإسلامية العالمية في إسلام آباد بباكستان. ثم تولّى رئاسة جامعة الأزهر الشريف اعتبارًا من غرة شعبان 1424هـ الموافق 28 سبتمبر 2003م، واستمر في هذا المنصب حتى عام 2010م.

وفي التاسع عشر من مارس سنة 2010م، عُيِّن فضيلته شيخًا للأزهر الشريف، ولا يزال قائمًا بمهام منصبه حتى اليوم.

كما أسَّس فضيلته الرابطة العالمية لخريجي الأزهر، وترأَّس المؤتمرات الدولية التي عقدتها، تعزيزًا لدور الأزهر العالمي ورسالة خريجيه.

الجامعات التي عمل بها خارج الأزهر

امتدَّ عطاؤه العلمي إلى خارج مصر، حيث عمل أستاذًا بعدد من جامعات العالم الإسلامي، من بينها:

جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض.
جامعة قطر.
جامعة الإمارات العربية المتحدة.
الجامعة الإسلامية العالمية بإسلام آباد – باكستان.

المهمات والمشاركات العلمية

شارك فضيلة الإمام الأكبر في عدد كبير من المؤتمرات والملتقيات العلمية والدولية، من أبرزها:

الملتقى الدولي التاسع عشر من أجل السلام بفرنسا.
المؤتمر الإسلامي الدولي حول حقيقة الإسلام ودوره في المجتمع المعاصر، الذي نظمته مؤسسة آل البيت للفكر الإسلامي بالمملكة الأردنية الهاشمية.
مؤتمر القمة للاحترام المتبادل بين الأديان بنيويورك وجامعة هارفارد.
مؤتمر الأديان والثقافات «شجاعة الإنسانية الحديثة» بجامعة بيروجيا بإيطاليا.
مؤتمر الثقافة والأديان في منطقة البحر المتوسط بالجامعة الثالثة بروما.
المؤتمر العالمي لعلماء المسلمين بإندونيسيا تحت شعار «رفع راية الإسلام رحمة للعالمين».
ترؤس وفد من الصحافة ومجلس الشعب للحوار مع البرلمان الألماني ووسائل الإعلام ومجلس الكنائس بألمانيا.
مهمة علمية إلى جامعة باريس.
رئاسة الملتقى الأول والثاني والثالث للرابطة العالمية لخريجي الأزهر.
مهمة علمية إلى سويسرا بدعوة من جامعة نريبرج من 9 إلى 31 مايو سنة 1989م.
كما شغل عضوية عدد من الهيئات العلمية، منها الجمعية الفلسفية المصرية، والمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، ومجمع البحوث الإسلامية، ومجلس أمناء اتحاد الإذاعة والتلفزيون، ورئاسة اللجنة الدينية به، ومقرر لجنة مراجعة وإعداد معايير التربية بوزارة التربية والتعليم، وعضوية أكاديمية مؤسسة آل البيت الملكية للفكر الإسلامي.

الأوسمة والتكريم

نال فضيلته العديد من الأوسمة والتكريمات، من أبرزها:
منحه جلالة الملك عبد الله الثاني ملك المملكة الأردنية الهاشمية وسام الاستقلال من الدرجة الأولى، وعضوية أكاديمية آل البيت الملكية للفكر الإسلامي، تقديرًا لجهوده في بيان وسطية الإسلام واعتداله.
تسلُّمه جائزة الشخصية الإسلامية التي حصلت عليها جامعة الأزهر من سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم سنة 2003م.

الإنتاج العلمي

قدَّم فضيلة الإمام الأكبر إسهامات علمية رصينة، شملت التأليف، والبحث، والتحقيق، والترجمة، والمشاركة في المؤتمرات، ومن ذلك مؤلفاته المعروفة، وأبحاثه المحكمة، وتحقيقه لرسالة صحيح أدلة النقل في ماهية العقل لأبي البركات البغدادي، وترجماته عن الفرنسية، وأبحاثه المقدَّمة في المؤتمرات الدولية.

من الإفتاء إلى مشيخة الأزهر

في السادس والعشرين من ذي الحجة سنة 1422هـ الموافق 10 مارس 2002م، صدر قرار رئيس الجمهورية بتعيين الدكتور أحمد الطيب مفتيًا للديار المصرية، فتولّى المنصب وهو في السادسة والخمسين من عمره، وأصدر خلال فترة ولايته ما يقرب من (2835) فتوى موثَّقة بسجلات دار الإفتاء.

وفي الرابع من ربيع الآخر سنة 1431هـ الموافق 19 مارس 2010م، صدر القرار الجمهوري رقم 62 لسنة 2010م بتعيينه شيخًا للأزهر الشريف، خلفًا للإمام الراحل الدكتور محمد سيد طنطاوي، ولا يزال فضيلته قائمًا بمهام منصبه خير قيام، متعه الله بالصحة والعافية، وجعله ذخرًا للإسلام والمسلمين.

وختامًا، فإن الاحتفاء بالذكرى الثمانين لميلاد فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب ليس احتفاءً بعمرٍ تعدّدت سنواته، بل هو احتفاءٌ بمسيرةٍ عامرةٍ بالعلم، ومواقفَ راسخةٍ في نصرة الحق، وخدمةٍ صادقةٍ للدين والأمة، وجهادٍ فكريٍّ هادئٍ في زمن الاضطراب. فقد ظلّ فضيلته نموذجًا للعالم الأزهري الأصيل، الجامع بين عمق التراث وحكمة المعاصرة، الحارس لهوية الأزهر، والناطق برسالته العالمية في الوسطية والسلام.

نسأل الله تعالى أن يحفظه، ويمتّعه بموفور الصحة والعافية، ويبارك في عمره وعطائه، وأن يجزيه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وأن يبقي الأزهر الشريف منارةً للعلم، وملاذًا للفكر الرشيد، وقبلةً لطلاب الحق، ما دامت السماوات والأرض