أحوال المهاجرين فى المدينة

المقال الخامس من سلسلة (هجرة النبى).
فضيلة الشيخ/ احمد عزت حسن
الباحث فى الشئون الاسلامية

خرج المهاجرون من مكة تباعا، فرارًا بدينهم، وسعيا إلى عبادة الله تعالى في أمن واطمئنان، وليس لديهم ما يمكن أن يعيشوا به في المدينة، وكانت المؤاخاة حلا جزئيا لا يُقاوم تزايد الأعداد، مع تحملهم لوعة الاشتياق إلى ذويهم وأقربائهم بمكة، كما أن أحاسيس الأنصار تجاههم كانت رائعة، فهم: (يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ)، والتلاقى في المسجد، والاستماع إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يعطى دافعاً إيمانياً عميقاً ومعيناً على بناء مجتمع فاضل مترابط، تتقوى فيه محبة المهاجرين إلى بيئة المدينة، التي كانت جديدة وغير مألوفة لهم، ولم يهاجروا إليها ابتغاء ثروة أو مجد دنيوي، بل كان الهدف هو عبادة الله، في أمان، ونشر الإسلام بأقصى ما لديهم من جهد بدني ومعرفي، وبدأ الشعور بالغربة في التناقص في ظلال سعي الرسول إلى تحقيق المحبة بين سائر المقيمين على أرض المدينة وما حولها، مع أن أكثر المهاجرين لا يكادون يملكون قوتهم، والقليلون لديهم بعض الثراء، ومنهم عثمان بن عفان.

ولم يكن اليهود في هذه البداية سعداء بالهجرة على عمومها، وبات سعيهم إلى الوقيعة بين الأوس والخزرج محاصراً، ولم تحقق معاهدة الرسول معهم ما كان مستهدفا منها، فكان مصيرهم إلى ما آلوا إليه في المستقبل، وبدأ مجتمع المدينة في التحرك إلى شكل جديد، أسهم المهاجرون في تكوينه بالفعل والقول، والتقدير لقيم الإسلام ومبادئه العليا.

١- اتجاه المهاجرين إلى العمل:

كان لابد للمهاجرين من الإسهام في نشاطات الحياة، وبحيث لا يكونون عالة على غيرهم، مع إيمانهم بدعوة الإسلام إلى العمل، ولا يكتفون بالعبادة والجلوس في المسجد، ويدعم ذلك قول صلى الله عليه وسلم: “ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داوود كان يأكل من عمل يده” [البخاري]،

واستقبل المهاجرون صنائع الأيام بالمشاركة في العمل، ومن خلال المتاح من المهن، التي يمكن النهوض بها من قِبل القادرين عليها، وقد عمل كثير منهم بالتجارة وفق الضوابط الإسلامية، وشجعهم الرسول صلى الله عليه وسلم عليها، وبحكم ما لدى أكثرهم من خبرة سابقة مارسوها في مكة، هؤلاء الذين أمكنهم الجمع بين العمل والمشاركة في الدعوة والجهاد.

وأقرب النماذج الدالة على ذلك ما رواه أنس رضي الله عنه، قال: “قال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: لما قدمنا المدينة آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيني وبين سعد بن الربيع فقال سعد بن الربيع: إني أكثر الأنصار مالا، فأقسم لك نصف مالي، وانظر أي زوجتي هويت نزلت لك عنها، فإذا حلت تزوجها! [أن يُطلّق إحدى زوجتيه، ثم تقضي عدتها، ويتزوجها عبد الرحمن بن عوف] فقال له عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، لا حاجة لي في ذلك، هل من سوق فيه تجارة؟ قال: سوق بني قينقاع. قال: فغدا إليه عبد الرحمن فأتى بأقطٍ [لبن محمض أو الجبن] وسمنا، فأتى به أهل منزله، ثم تابع الغدو. فما لبث أن جاء عبد الرحمن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه أثر وضر [وسخ من الدسم] صفرة من زعفران، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم مَهْيَم [أي ماذا جرى لك]؟ فقال: تزوجت امرأة من الأنصار. قال: ما سقت إليها؟ قال: نواة من ذهب – أو وزن نواة من ذهب – قال: أولم ولو بشاه”. [البخاري].

وكان كثيرٌ من المهاجرين يعملون بالتجارة، حتى إن المسلمين لما خرجوا إلى بدر، ووصلوا خلال قيام سوقها، استمروا لمدة ثمانية أيام يبيعون ويشترون، ويتفقون على تجارات، يتم تفعيلها في أوقات لاحقة.

وقامت في المدينة عدة أسواق، وانطلقت منها مشاركات في تجارة خارجية، لوقوعها على الطريق الرابط بين اليمن جنوبا والشام شمالا، وممن عمل في التجارة: الزبير بن العوام، وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، ولم يمنعهم ذلك من المشاركة في المهام الأخرى.

وعمل بعض المهاجرين في المزارعة بأرض الأنصار واليهود، ولم يرد الرسول صلى الله عليه وسلم لهم أن يقاسموا الأنصار في أراضيهم الزراعية، وفضل لهم استصلاح الأرض وإحياءها بالزراعة، وأبرز ما كانت تنتجه الأرض: القمح والشعير والخضروات والفواكه، والتي بدأت في الزيادة بمشاركة المهاجرين، قال صلى الله عليه وسلم: “إن قامت الساعة، وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل”. [رواه البخاري في الأدب المفرد].

ومارس عدد غير قليل من المهاجرين بعض الصناعات المختلفة من خلال اتقان عدد من الحرف أو المهن مثل الصيد ودباغة الجلود، وصناعة الملابس، وخدمة النخيل وتوظيف منتجاته في إعداد الأدوات الخاصة بنظام المعيشة، كما عمل آخرون في الرعي وجمع الأخشاب، وخدمة الأسواق إلى غير ذلك من الحرف البسيطة، التي تدر عطاءً تستمر به حركة الحياة.

٢- مشاركة المهاجرين في الدعوة الإسلامية: لم يستطع بعض المهاجرين الجمع بين العمل والعبادة، ومتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم والاستماع إلى أحاديثه، وتبليغها إلى الراغبين فيها والمستهدفين بها، لذا جعل الرسول صلى الله عليه وسلم المسجد منزلا لبعض هؤلاء، فضلا عمن انضم إليهم من الفقراء العرب: “الذين وفدوا على المدينة، وأسلموا، وكانوا في حال من العوز والمتربة، حتى لم يكن لأحدهم سكن يلجأ إليهم، هؤلاء أفرد لهم محمد صُفة المسجد، (وهي المكان المسقوف منه) وجعل لهم رزقا من مال المسلمين والأنصار الذين آتاهم الله رزقا حسنا” [حياة محمد – د/ محمد حسين هيكل ص ٢٨ ]، فهؤلاء وغيرهم من المهاجرين جَمَع المسجد بينهم (كمنزل) لبعضهم، ودار للعبادة لهم ولغيرهم جميعا، وقد قيل عن أهل الصفة: “قوم انقطعوا إلى الله ورسوله من الفقراء الذين لا مأوى لمعظمهم في المدينة فقضوا تحتها نهارهم، يُصلُّون مع المسلمين، ويستمعون أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ويشاهدون عمله، ويبيتون فيها ليلتهم” [سيرة النبي العربي: أحمد التاجي ص: ٣٥٧.] ولاشك في أن غالبية هؤلاء هم من كانوا ينهضون بالدعوة، وتبليغ هدى الرسول إلى المسلمين الجدد، وغيرهم مما كانوا على سلم الوصول إلى الإيمان.

ولم تقتصر الدعوة على هذا الجمع من الصحابة، بل شارك فيها كل من يملك القدرة على التلقي والإبلاغ والتعريف بهدي الإسلام من سائر المهاجرين.

٣- تحمل أعباء السرايا والغزوات الأولى:

كانت شواغل المهاجرين موجهة في البداية إلى إعداد مساكنهم، وسبل معايشهم، والاعتياد على أجواء المدينة، والتجاوب مع أهلها، وحسن التلقي للقرآن الكريم والسنة النبوية من خلال الاستماع إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وحسن الأخذ عنه والعمل بما يأمر به، إضافة إلى حماية الدعوة الجديدة، والدفاع عن المدينة والإشعار بالقوة الإسلامية فيها

ولا يقتصر الجهاد على القتال في ميدان الحرب، وإنما يشمل الصلاة في وقتها والحج المبرور، وبر الوالدين، كما يكون الجهاد بالمال وبالكلمة الناصحة المخلصة، ويبقى القتال على المستطيع في حال وجوبه كحالة الاستنفار (عند الطلب والحاجة).

وإذا كانت الهجرة قد توقفت بفتح مكة فإن الجهاد باق، وذلك وفق قول الرسول صلى الله عليه وسلم: “لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استُنْفرتم فانفروا” [البخاري]

وكان الاعتماد في السرايا [السرية: فرقة من الجيش ليس فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم] والغزوات على المهاجرين بعد ستة أشهر من هجرة الرسول إلى ما قبل غزوة بدر.