
خُطْبَةُ بعنوان : ((الِانْتِحَارُ أَسْبَابُهُ وَعِلَاجُهُ عِبَادَ اللَّهِ))
للدكتور : مُحَمَّدٌ حِرْزٌ
لتحميل الخطبة pdf اضغط أدناه
entehar asbab
الحَمْدُ لِلَّهِ الصَّبُورِ الشَّكُورِ، العَلِيمِ القَدِيرِ، الَّذِي جَرَتْ مَشِيئَتُهُ فِي خَلْقِهِ بِتَصَارِيفِ الأُمُورِ، وَخَلَقَ المَوْتَ وَالحَيَاةَ لِيَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ العَزِيزُ الغَفورُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَخِيرَتُهُ مِنْ بَرِيَّتِهِ، وَصَفْوَتُهُ مِنْ خَلِيقَتِهِ، وَأَصْبَرُهُمْ لِحُكْمِهِ، وَأَشْكَرُهُمْ لِنِعَمِهِ،، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ ِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الْبَرَرَةِ، وَعَلَى أَصْحَابِهِ الْمَيَامِينِ الْخِيَرَةِ، وَعَلَى التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَمِصْرٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ: فَأُوصِيكُمْ -عِبَادَ اللَّهِ- وَنَفْسِي بِطَاعَةِ اللَّهِ وَتَقْوَاهُ؛ ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطَّلَاقِ: 2-3]. عِبَادَ اللَّهِ: ((الِانْتِحَارُ أَسْبَابُهُ وَعِلَاجُهُ عِبَادَ اللَّهِ)) ((عُنْوَانُ خُطْبَتِنَا)).
عَنَاصِرُ اللِّقَاءِ:
-
أَوَّلًا: الِانْتِحَارُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الِانْتِحَارُ؟
-
ثَانِيًا: ثَانِيًا: أَسْبَابُ الِانْتِحَارِ بَيْنَ الوَاقِعِ وَالْوَهْمِ وَالْخَيَالِ!!!
-
ثَالِثًا وَأَخِيرًا: عِلَاجٌ لِظَاهِرَةِ الِانْتِحَارِ عِبَادَ اللَّهِ!!!
أَيُّهَا السَّادَةُ: بِدَايَةً، مَا أَحْوَجَنَا فِي هَذِهِ الدَّقَائِقِ الْمَعْدُودَةِ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُنَا عَنِ الِانْتِحَارِ أَسْبَابِهِ وَعِلَاجِهِ عِبَادَ اللَّهِ، وَخَاصَّةً وَنَحْنُ نَعِيشُ زَمَانًا انْتَشَرَ فِيهِ الِانْتِحَارُ وَقَتْلُ النَّفْسِ بِصُورَةٍ مُخْفِيَّةٍ مُفْزِعَةٍ فِي مُجْتَمَعَاتِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَرْأًى وَمَسْمَعٍ لِلْجَمِيعِ، وَخَاصَّةً فِي زَمَنٍ كَثُرَتْ فِيهِ الضُّغُوطُ، وَتَزَاحَمَتْ فِيهِ الْهُمُومُ، وَتَرَاكَمَتْ فِيهِ الدُّيُونُ، وَازْدَادَتْ فِيهِ الْمَشَاكِلُ وَالْخِلَافَاتُ، تَبْقَى النَّفْسُ الْإِنْسَانِيَّةُ عَزِيزَةً وَأَمَانَةً كَبِيرَةً تَحْتَاجُ إِلَى فَهْمٍ وَتَهْذِيبٍ وَرِعَايَةٍ دَائِمَةٍ؛ لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَسَيُسْأَلُ الْعَبْدُ عَنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَخَاصَّةً وَتِلْكُمُ الظَّاهِرَةُ الْغَرْبِيَّةُ انْتَشَرَتْ فِي مُجْتَمَعَاتِنَا كَانْتِشَارِ النَّارِ فِي الْهَشِيمِ، حَيْثُ أَعْلَنَتْ مُنَظَّمَةُ الصِّحَّةِ الْعَالَمِيَّةُ أَنَّ شَخْصًا وَاحِدًا يَنْتَحِرُ كُلَّ أَرْبَعِينَ ثَانِيَةً فِي الْعَالَمِ، وَأَنَّ نَحْوَ مِلْيُونِ شَخْصٍ يَمُوتُونَ فِي الْعَالَمِ مِنْ جَرَّاءِ الِانْتِحَارِ سَنَوِيًّا بَيْنَ الْأَفْرَادِ الَّذِينَ تَتَرَاوَحُ أَعْمَارُهُمْ مَا بَيْنَ 15 وإلى44 عَامًا، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ، وَالْعَجِيبُ أَنْ تَنْتَقِلَ هَذِهِ الظَّاهِرَةُ إِلَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ؛ إِذْ تَزَايَدَتْ حَالَاتُ الِانْتِحَارِ بَيْنَ الشَّبَابِ فِي السَّنَوَاتِ الْأَخِيرَةِ بِصُورَةٍ تُثِيرُ الْقَلَقَ، وَتَبْعَثُ عَلَى الْأَسَى أَنْ يُنْهِيَ مُسْلِمٌ حَيَاتَهُ شَنْقًا أَوْ بِتَنَاوُلِ السُّمِّ أَوْ بِقَطْعِ شَرَايِينِهِ أَوْ بِإِطْلَاقِ رَصَاصَةٍ عَلَى رَأْسِهِ، حَيْثُ تُطَالِعُنَا الْأَخْبَارُ عَنْ حَالَاتِ انْتِحَارٍ مُتَزَايِدَةٍ لِأَسْبَابٍ وَاهِيَةٍ، يُقْدِمُ فِيهَا الْإِنْسَانُ عَلَى قَتْلِ نَفْسِهِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ الْإِيمَانِ وَغِيَابِ الْإِيمَانِ بِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ.
-
أَوَّلًا: الِانْتِحَارُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الِانْتِحَارُ؟
أَيُّهَا السَّادَةُ الْأَخْيَارُ: الِانْتِحَارُ جَرِيمَةٌ عَظِيمَةٌ، وَخَطِيئَةٌ جَسِيمَةٌ، وَخِزْيٌ وَعَارٌ وَهَلَاكٌ وَدَمَارٌ، وَكَيْفَ لَا؟ وَنَفْسُكَ لَيْسَتْ مِلْكًا لَكَ، فَأَنْتَ لَمْ تَخْلُقْهَا، وَلَا عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِكَ، وَلَا خَلِيَّةً مِنْ خَلَايَاكَ، بَلْ نَفْسُكَ أَمَانَةٌ وَوَدِيعَةٌ اسْتَوْدَعَكَ اللَّهُ إِيَّاهَا، فَلَا يَجُوزُ لَكَ أَنْ تُفَرِّطَ فِيهَا بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ، فَالْإِنْسَانُ بُنْيَانُ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ، مَلْعُونٌ مَنْ هَدَمَهُ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا((وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)[البقرة: 195]؛ فَالشَّرِيعَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ الْغَرَّاءُ جَاءَتْ لِحِفْظِ النَّفْسِ، وَجَعَلَتْهَا مِنَ الْكُلِّيَّاتِ الْخَمْسِ، وَأَوْجَبَ سُبْحَانَهُ حِفْظَهَا، وَحَمَى حِمَاهَا، وَحَدَّ الْحُدُودَ، وَشَرَعَ التَّعْزِيرَاتِ، لِلْحَيْلُولَةِ دُونَ النَّيْلِ مِنْهَا؛ إِنَّهَا: الدِّينُ، وَالنَّفْسُ، وَالْمَالُ، وَالْعِرْضُ، وَالْعَقْل .وَلِلنَّفْسِ مَكَانَةٌ عَظِيمَةٌ فِي الدِّينِ، وَقُدْسِيَّةٌ مُكَرَّمَةٌ فِي كَلَامِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَمَنْزِلَةٌ رَفِيعَةٌ فِي شَرِيعَةِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ فَالْمُحَافَظَةُ عَلَى النَّفْسِ مَقْصَدٌ مِنْ مَقَاصِدِ الدِّينِ الْعَظِيمَةِ، وَضَرُورَةٌ مِنْ ضَرُورِيَّاتِهِ الْمُهِمَّةِ، وَالِاعْتِدَاءُ عَلَيْهَا بِغَيْرِ إِذْنِ خَالِقِهَا وَمَالِكِهَا -سُبْحَانَهُ- كَبِيرَةٌ خَطِيرَةٌ، وَجَرِيمَةٌ نَكِيرَةٌ.فَنَفْسُكَ لَيْسَتْ مُلْكًا لَكَ تَتَصَرَّفُ بِهَا كَمَا تَشَاءُ، بَلْ هِيَ أَمَانَةٌ عِنْدَكَ، وَعَارِيَةٌ لَدَيْكَ، وَتَقَعُ مَسْؤُولِيَّةُ الْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا عَلَى عَاتِقِكَ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُؤْذِيَهَا، أَوْ تُعَرِّضَهَا لِمَا يَكُونُ سَبَبًا فِي الْقَضَاءِ عَلَيْهَا، أَوْ تَسْتَعْجِلَ مَوْتَهَا وَإِزْهَاقَهَا: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النِّسَاءِ: 29].
وَكَيْفَ لَا؟
وَجَرِيمَةُ قَتْلِ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ، وَجَرِيمَةٌ كُبْرَى، وَمَفْسَدَةٌ عُظْمَى، بَلْ وَفَسَادٌ فِي الْأَرْضِ عَرِيضٌ، وَهُوَ كَقَتْلِ النَّاسِ كُلِّهِمْ؛ كَمَا قَالَ جَلَّ وَعَلَا ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا، وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [الْمَائِدَةِ: 32].وَالْقَاتِلُ مُعَرَّضٌ لِلْوَعِيدِ الشَّدِيدِ قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا، وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَلَعَنَهُ، وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النِّسَاءِ: 93].
وَجَرِيمَةُ قَتْلِ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ، وَجَرِيمَةٌ كُبْرَى، وَمَفْسَدَةٌ عُظْمَى، بَلْ وَفَسَادٌ فِي الْأَرْضِ عَرِيضٌ، وَهُوَ كَقَتْلِ النَّاسِ كُلِّهِمْ؛ كَمَا قَالَ جَلَّ وَعَلَا ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا، وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [الْمَائِدَةِ: 32].وَالْقَاتِلُ مُعَرَّضٌ لِلْوَعِيدِ الشَّدِيدِ قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا، وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَلَعَنَهُ، وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النِّسَاءِ: 93].
وَأَعْظَمُ النُّفُوسِ عِنْدَ اللَّهِ نَفْسُ الْمُؤْمِنِ، فَعَنْ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ، وَيَقُولُ: مَا أَطْيَبَكِ وَأَطْيَبَ رِيحَكِ، مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَحُرْمَةُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ حُرْمَةً مِنْكِ، مَالِهِ وَدَمِهِ، وَأَنْ نَظُنَّ بِهِ إِلَّا خَيْرًا» (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه). وَحِفَاظًا عَلَى النَّفْسِ الْمُسْلِمَةِ الْبَرِيئَةِ مِنْ إِزْهَاقِهَا وَقَتْلِهَا بِغَيْرِ حَقٍّ، نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْإِشَارَةِ إِلَى مُسْلِمٍ بِسِلَاحٍ وَلَوْ كَانَ مُزَاحًا؛ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ، وَحَسْمًا لِمَادَّةِ الشَّرِّ الَّتِي قَدْ تُفْضِي إِلَى الْقَتْلِ، فَقَالَ ﷺ: «لَا يُشِيرُ أَحَدُكُمْ إِلَى أَخِيهِ بِالسِّلَاحِ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ، فَيَقَعُ فِي حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ» (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ)، وَفِي رِوَايَةٍ: «مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَلْعَنُهُ، وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).فَإِذَا كَانَ مُجَرَّدُ الْإِشَارَةِ إِلَى مُسْلِمٍ بِالسِّلَاحِ مَنْهِيًّا عَنْهُ، فَكَيْفَ بِمَنْ يَقْتُلُ الْأَنْفُسَ الْبَرِيئَةَ بِغَيْرِ حَقٍّ، مِنْ أَجْلِ لُعَاعَةٍ مِنَ الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ، أَوْ مِنْ أَجْلِ سُبَّةٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ؟! قَالَ ﷺ: «قَتْلُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ زَوَالِ الدُّنْيَا» (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ)، وَقَالَ ﷺ: «لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا» (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ).هَذَا مِنْ قَتْلِ غَيْرِهِ، فَمَا بَالُكُمْ -أَيُّهَا الْأَخْيَارُ- بِمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ وَأَزْهَقَ رُوحَهُ؟! وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.
الِانْتِحَارُ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الِانْتِحَارُ؟
الِانْتِحَارُ لَيْسَ عِلَاجًا لِلْمُشْكِلَاتِ، وَلَيْسَ حَلًّا لِلْمُعْضِلَاتِ، وَلَيْسَ دَوَاءً لِمَا يَحِلُّ بِنَا مِنَ النَّكَبَاتِ، بَلْ هُوَ دَاءٌ يُسَبِّبُ الِانْتِكَاسَةَ وَالْحِرْمَانَ مِنَ الْجِنَانِ، وَيَجْلِبُ سَخَطَ الرَّبِّ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَيَتَسَبَّبُ لِأَهْلِهِ بِالْأَذَى وَالضَّرَرِ؛ وَيُوجِبُ الْعُقُوبَةَ الشَّدِيدَةَ فِي الْآخِرَةِ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهَا خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا»؛ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وقولُه: «خالِدًا مُخلَّدًا فيها أبدًا» مَحْمولٌ على مَن فَعَل ذلِك مُستحِلًّا له مع عِلْمِه بالتَّحريمِ، أو على أنَّه يَعْني طُولَ المُدَّةِ والإقامةِ التي يُخلَّدُ فيها قاتلُ نفْسِه إنْ أُنفِذَ عليه الوعيدُ، ولا يَعنِي خُلودَ الدَّوامِ؛ إذ قَتْلُ النَّفسِ -دونَ استِحلالٍ لذلك- هو ذَنبٌ وكبيرةٌ مِنَ الكبائِرِ، وليس كُفرًا مُخرِجًا مِنَ المِلَّةِ. وَعَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا، عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»؛ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ فَجَزِعَ، فَأَخَذَ سِكِّينًا فَحَزَّ بِهَا يَدَهُ، فَمَا رَقَأَ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: بَادَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ، حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ»؛ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الِانْتِحَارُ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الِانْتِحَارُ؟
وَالْمُنْتَحِرُ -أَيُّهَا الْأَخْيَارُ- لَيْسَ كَافِرًا مَا لَمْ يَسْتَحِلَّ الْجَرِيمَةَ، وَلَا كَافِرًا وَلَا مُرْتَدًّا، وَلَا خَارِجًا مِنَ الْمِلَّةِ، وَلَا مَطْرُودًا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَلَكِنَّ التَّعَاطُفَ مَعَهُ وَالتَّبْرِيرَ لَهُ وَالْعُذْرَ لِهَذِهِ الْجَرِيمَةِ الْبَشِعَةِ تَعَاطُفٌ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ لِأَنَّهُ يُسَهِّلُ الْجُرْمَ عَلَى النَّاسِ، وَالتَّبْرِيرُ يَجْعَلُ لِغَيْرِهِ تَفْكِيرًا فِي الْهَرَبِ مِنَ الْأَزَمَاتِ وَالنَّكَبَاتِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ وَإِلَّا فَرَحْمَةُ اللَّهِ وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾.
الِانْتِحَارُ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الِانْتِحَارُ؟
جَرِيمَةٌ شُؤْمٌ عَلَى صَاحِبِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَعَلَامَةٌ عَلَى سُوءِ الْخَاتِمَةِ -وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ-؛ فَإِنَّهُ مَنْ مَاتَ عَلَى شَيْءٍ بُعِثَ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ مَاتَ عَلَى شَيْءٍ بَعَثَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ» (وَفِي رِوَايَةٍ: يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ)، فَمَنْ مَاتَ عَلَى الطَّاعَةِ بُعِثَ عَلَيْهَا، وَمَنْ مَاتَ عَلَى مَعْصِيَةٍ بُعِثَ عَلَيْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَوْمَ الْحَسْرَةِ وَالنَّدَامَةِ.
الِانْتِحَارُ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الِانْتِحَارُ؟
أَنَّ الْمُنْتَحِرَ عَلَيْهِ غَضَبُ اللَّهِ وَسَخَطُهُ: فَالْمُنْتَحِرُ -فِي أَغْلَبِ الْأَحْوَالِ- جَازِعٌ سَاخِطٌ عَلَى قَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ، فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عِظَمُ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ» (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه) وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَجُلًا كَانَ لَا يَدَعُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَاذَّةً وَلَا فَاذَّةً إِلَّا اتَّبَعَهَا، فَضَرَبَهَا بِسَيْفِهِ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَجْزَأَ أَحَدٌ مَا أَجْزَأَ فُلَانٌ، فَقَالَ: «إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ». فَقَالُوا: أَيُّنَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِنْ كَانَ هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ؟ ثُمَّ شَهِدَ رَجُلٌ آخَرُ عَلَى مَوْتِهِ فَقَالَ: إِنَّهُ جُرِحَ فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ، فَوَضَعَ نِصَابَ سَيْفِهِ بِالْأَرْضِ، وَذُبَابُهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ. أَلا فَاتَّقُوا اللهَ -أَيُّهَا المُسلِمُونَ-، وَاحرِصُوا عَلَى كُلِّ مَا فِيهِ حِفظُ نُفُوسِكُم، وَنُفُوسِ إِخوَانِكُم، بَل وَحِفظُ كُلِّ نَفسٍ مَعصُومَةٍ.
-
ثَانِيًا: أَسْبَابُ الِانْتِحَارِ بَيْنَ الوَاقِعِ وَالْوَهْمِ وَالْخَيَالِ!!!
أَيُّهَا السَّادَةُ الْأَخْيَارُ: أَسْبَابُ الِانْتِحَارِ كَثِيرَةٌ وَعَدِيدَةٌ، وَكُلُّهَا وَاهِيَةٌ وَوَهْمِيَّةٌ وَخَيَالِيَّةٌ، لَيْسَتْ وَاقِعِيَّةً وَلَا صَحِيحَةً، وَلَا أَقْصِدُ مَنْ انْتَحَرَ لِمَرَضٍ نَفْسِيٍّ أَوْ بِسَبَبِ ظُرُوفٍ عَقْلِيَّةٍ خَارِجَةٍ عَنْ اسْتِيعَابِهِ وَإِرَادَتِهِ، فَهَذَا مَعْذُورٌ فِي دِينِنَا: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. إِنَّمَا أَتَحَدَّثُ عَنْ تِلْكَ الْأَسْبَابِ الْمَادِّيَّةِ وَالْعَاطِفِيَّةِ وَالْأُسَرِيَّةِ وَغَيْرِهَا؛ فَهِيَ خَيَالٌ فِي خَيَالٍ، سَهَّلَتْ لَهُمُ الدِّرَامَا فِي الْأَفْلَامِ وَالْمُسَلْسَلَاتِ، وَسَهَّلَتْ لَهُمْ مَوَاقِعَ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ، تِلْكَ الْجَرِيمَةُ الشَّنْعَاءُ الْبَشِعَةُ، فَرُبَّمَا لِكَسْبِ عَوَاطِفِ النَّاسِ عَلَى تِلْكَ الْمَوَاقِعِ يَخْرُجُ فِي بَثٍّ مُبَاشِرٍ لِيَقْتُلَ نَفْسَهُ -وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ-. وَهَذَا -أَيُّهَا الْأَخْيَارُ- إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ الْإِيمَانِ، وَقِلَّةِ الْوَازِعِ الدِّينِيِّ فِي قَلْبِ الْإِنْسَانِ، وَبُعْدِهِ عَنْ مَنْهَجِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَغَلَبَةُ الْيَأْسِ وَالْقُنُوطِ، وَسُوءُ الظَّنِّ بِاللَّهِ -تَعَالَى-، فَضَعْفُ الْوَازِعِ الدِّينِيِّ سَبَبٌ رَئِيسِيٌّ لِهَذِهِ الظَّاهِرَةِ، وَيَتَفَرَّعُ عَنْهُ الْبُعْدُ عَنِ الطَّاعَاتِ، وَالِانْغِمَاسُ فِي الشَّهَوَاتِ، فَالْحَيَاةُ الْمَادِّيَّةُ الْمُجَرَّدَةُ عَنِ الْإِيمَانِ تُوَرِّثُ الْوَحْشَةَ فِي الْقَلْبِ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا((وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طٰهَ: 124]، فَمِنَ الْمَعِيشَةِ الضَّنْكَةِ حَيَاةُ الِاضْطِرَابِ وَالْقَلَقِ وَالضِّيقِ وَالِاكْتِئَابِ وَالْأَمْرَاضِ النَّفْسِيَّةِ الْمُخْتَلِفَةِ.
وَمِنْ أَسْبَابِ الِانْتِحَارِ:
اتِّبَاعُ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا مُحَذِّرًا عِبَادَهُ مِنِ اتِّبَاعِ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ {النور: 21}، فَالشَّيْطَانُ حَرِيصٌ أَشَدَّ الْحِرْصِ، بَاذِلٌ كُلَّ الْجُهْدِ فِي إِغْوَاءِ الْإِنْسَانِ، وَصَدِّهِ عَنْ طَاعَةِ الرَّحْمَنِ، وَإِلْقَاءِ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ فِي التَّهْلُكَةِ، ثُمَّ يَتَبَرَّأُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهُوَ قَاعِدٌ لِابْنِ آدَمَ صَدًّا وَإِغْوَاءً وَتَزْيِينًا لِلْبَاطِلِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْحَاكِمِ فِي الْمُسْتَدْرَكِ، وَابْنِ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا أَصْبَحَ إِبْلِيسُ بَثَّ جُنُودَهُ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَضَلَّ الْيَوْمَ مُسْلِمًا أَلْبَسْتُهُ التَّاجَ؟ قَالَ: فَيَجِيئُونَ، فَيَقُولُ هَذَا: لَمْ أَزَلْ بِهِ حَتَّى عَقَّ وَالِدَيْهِ، قَالَ: يُوشِكُ أَنْ يَبَرَّهُمَا، وَيَجِيءُ هَذَا فَيَقُولُ: لَمْ أَزَلْ بِهِ حَتَّى طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، قَالَ: يُوشِكُ أَنْ يَتَزَوَّجَ، وَيَجِيءُ هَذَا فَيَقُولُ: لَمْ أَزَلْ بِهِ حَتَّى شَرِبَ الْخَمْرَ، فَيَقُولُ: أَنْتَ أَنْتَ، وَيَجِيءُ هَذَا فَيَقُولُ: لَمْ أَزَلْ بِهِ حَتَّى قَتَلَ، فَيَقُولُ: أَنْتَ أَنْتَ، وَيُلْبِسُهُ التَّاجَ((فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنِ اتِّبَاعِ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فِي إِهْلَاكِ النَّفْسِ.
وَمِنْ أَسْبَابِ الِانْتِحَارِ:
اشْتِغَالُ النَّفْسِ بِحَالِ الْآخَرِينَ وَمُرَاقَبَتِهِمْ، وَالْغَفْلَةُ عَنْ نَفْسِهِ، وَانْشِغَالُهُ بِالْآخَرِينَ يُوقِعُهُ فِي مَحَاذِيرَ وَمَخَاطِرَ كَثِيرَةٍ، فَالْإِنْسَانُ لَا يَرَى مَصَائِبَ الْآخَرِينَ، وَصَدَقَ مَنْ قَالَ: مَنْ نَظَرَ إِلَى مَصَائِبِ الْآخَرِينَ هَانَتْ عَلَيْهِ مُصِيبَتُهُ وَاشْتِغَالُهُ بِالْآخَرِينَ لَيْسَ مِنْ هَدْيِ الْإِسْلَامِ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» (التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه).. وَعَلَيْهِ أَنْ يَحْرِصَ عَلَى كُلِّ مَا يَنْفَعُهُ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ؛ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ؛ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). فَيَنْبَغِي عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ فِي أَمْرِ دُنْيَاهُ، وَإِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ فِي أَمْرِ دِينِهِ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ نَالَ الْقَنَاعَةَ وَرِضَا مَوْلَاهُ.
وَمِنْ أَسْبَابِ الِانْتِحَارِ:
ضِيقُ الْحَالِ، وَضِيقُ الرِّزْقِ، وَكَثْرَةُ الْهُمُومِ وَالْمَشَاكِلِ وَالْخِلَافَاتِ، وَهُنَا الْمَسْؤُولِيَّةُ تَقَعُ عَلَى عَاتِقِ الْجَمِيعِ مِنْ مَسْؤُولٍ وَغَيْرِهِ، فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ ﷺ، فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ؛ فَالْإِمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ، وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ». وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ)).
وَمِنْ أَسْبَابِ الِانْتِحَارِ:
الْجَهْلُ وَالظَّنُّ الْخَاطِئُ عِنْدَ الْمُنْتَحِرِ؛ أَنَّهُ بِإِزْهَاقِهِ لِرُوحِهِ سَيَضَعُ حَدًّا لِآلَامِهِ، أَوْ لِمَا يُعَانِيهِ مِنْ مُشْكِلَاتٍ اقْتِصَادِيَّةٍ أَوْ اجْتِمَاعِيَّةٍ أَوْ جَسَدِيَّةٍ، أو مَا يَتَعَرَّضُ لَهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ خَسَارَاتٍ مَادِّيَّةٍ أَوْ مُشْكِلَاتٍ أُسَرِيَّةٍ، أَوْ دُيُونٍ يَعْجِزُ عَنْ وَفَائِهَا أَوْ حُقُوقٍ يَتَصَوَّرُ صُعُوبَةَ أَدَائِهَا، أَوْ بِسَبَبِ القَلَقِ وَالِاكْتِئَابِ وَالِانْطِوَائِيَّةِ وَالِانْفِصَامِ وَالِاضْطِرَابِ، أَوْ بِسَبَبِ أَمْرَاضٍ نَفْسِيَّةٍ وَصِرَاعَاتٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ، أَوْ بِسَبَبِ فَشَلٍ فِي دِرَاسَةٍ أَوْ عَمِلٍ، أَوْ نَظْرَةٍ سَوْدَاوِيَّةٍ لِلْحَيَاةِ بِلَا أَمَلٍ.
وَمِنْ أَسْبَابِ الِانْتِحَارِ:
الِانْفِتَاحُ الْإِعْلَامِيُّ وَالْفِكْرِيُّ فِي عَصْرِنَا، وَالَّذِي أَدَّى إِلَى التَّأَثُّرِ بِالْكُفَّارِ فِي كُلِّ شُؤُونِهِمْ، وَتَقْلِيدِهِمْ حَتَّى فِي مِثْلِ هَذِهِ الْعَظَائِمِ، فَالْأَفْلَامُ وَالْمُسَلْسَلَاتُ الْغَرْبِيَّةُ تُزَيِّنُ الِانْتِحَارَ، وَفِي فِكْرِهِمُ الْمُنْحَطِّ أَنَّهُ مَوْتُ رَحْمَةٍ، يَضَعُ حَدًّا لِمَعَانَاةِ الشَّخْصِ، أَوْ أَنَّهُ وَسِيلَةٌ مِنْ وَسَائِلِ الِاعْتِرَاضِ السِّيَاسِيِّ، أَوْ لِلِاحْتِجَاجِ عَلَى الْأَوْضَاعِ الْمَعِيشِيَّةِ؛ فِكْرٌ إِلْحَادِيٌّ تَتَشَرَّبُهُ عُقُولُ شَبَابِنَا، وَقَدْ قَالَ نَبِيُّنَا ﷺ: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).
الِانْفِتَاحُ الْإِعْلَامِيُّ وَالْفِكْرِيُّ فِي عَصْرِنَا، وَالَّذِي أَدَّى إِلَى التَّأَثُّرِ بِالْكُفَّارِ فِي كُلِّ شُؤُونِهِمْ، وَتَقْلِيدِهِمْ حَتَّى فِي مِثْلِ هَذِهِ الْعَظَائِمِ، فَالْأَفْلَامُ وَالْمُسَلْسَلَاتُ الْغَرْبِيَّةُ تُزَيِّنُ الِانْتِحَارَ، وَفِي فِكْرِهِمُ الْمُنْحَطِّ أَنَّهُ مَوْتُ رَحْمَةٍ، يَضَعُ حَدًّا لِمَعَانَاةِ الشَّخْصِ، أَوْ أَنَّهُ وَسِيلَةٌ مِنْ وَسَائِلِ الِاعْتِرَاضِ السِّيَاسِيِّ، أَوْ لِلِاحْتِجَاجِ عَلَى الْأَوْضَاعِ الْمَعِيشِيَّةِ؛ فِكْرٌ إِلْحَادِيٌّ تَتَشَرَّبُهُ عُقُولُ شَبَابِنَا، وَقَدْ قَالَ نَبِيُّنَا ﷺ: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).
وَمِنْ أَسْبَابِ هَذِهِ الظَّاهِرَةِ:
الْغَضَبُ الشَّدِيدُ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ فِي حَالِ غَضَبِهِ يَطِيشُ عَقْلُهُ وَيَفْعَلُ مَا يَنْدَمُ عَلَيْهِ طُولَ حَيَاتِهِ، فَالْغَاضِبُ يَتَلَبَّسُهُ الشَّيْطَانُ وَيُزَيِّنُ لَهُ سُوءَ عَمَلِهِ، وَيَكُونُ صَيْدًا سَهْلًا لِلشَّيْطَانِ ثُمَّ يَتَبَرَّأُ مِنْهُ وَمِنْ فِعْلِهِ، فَقَدْ يَقْتُلُ أَوْ يُؤْذِي أَوْ يَكْسِرُ أَوْ يُحْرِقُ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّ الْقَوِيَّ الشَّدِيدَ لَيْسَ الَّذِي يَضْرِبُ أَوْ يُصَارِعُ، وَإِنَّمَا -كَمَا أَخْبَرَ ﷺ-: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ».
وَمِنْ أَسْبَابِ الِانْتِحَارِ:
الصَّدَمَاتُ النَّفْسِيَّةُ الَّتِي يُوَاجِهُهَا الْإِنْسَانُ فِي حَيَاتِهِ، فَبَعْضُ النَّاسِ لَدَيْهِ طُمُوحٌ عَالٍ يُرِيدُ الْوُصُولَ إِلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ يَنْصَدِمُ بِالْوَاقِعِ فَيَفْشَلُ فِي تَحْقِيقِ مَرَادِهِ، فَيُؤَثِّرُ ذَلِكَ فِي نَفْسِيَّتِهِ، فَتَسْتَوْلِي عَلَيْهِ الْوَسَاوِسُ، وَيَصِيرُ أَسِيرًا لِلْهُمُومِ وَالْأَحْزَانِ، مِمَّا يَجْعَلُهُ مُهَيَّأً لِمِثْلِ هَذِهِ الْأَفْكَارِ الشَّيْطَانِيَّةِ وَنَسِيَ قَوْلَ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، وَنَسِيَ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-
وَلَرُبَّ نازِلَةٍ يَضيقُ لَها الفَتى***ذَرعاً وَعِندَ اللَهِ مِنها المَخرَجُ
ضاقَت فَلَمّا اِستَحكَمَت حَلَقاتُها***فُرِجَت وَكُنتُ أَظُنُّها لا تُفرَجُ
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا حَمْدَ إِلَّا لَهُ، وَبِسْمِ اللَّهِ وَلَا يُسْتَعَانُ إِلَّا بِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَمَّا بَعْدُ.
-
ثَالِثًا وَأَخِيرًا: عِلَاجٌ لِظَاهِرَةِ الِانْتِحَارِ عِبَادَ اللَّهِ!!!
مجلة روح الاسلام فيض المعارف