أثر الحسد والحقد بين الأسباب والعلاج


بقلم : جيهان عبد العزيز بدر (سما الشاطبي)
الواعظة المعتمدة بوزارة الأوقاف المصرية

أودّ أن أتحدث عن الحقد والحسد، وأثرهما البالغ في تفكك المجتمع وتعطيل مسيرته. فهناك فئة من الناس لا همّ لها إلا عرقلة الناجحين، وإيقاف عجلة التقدم، وكأنها وُجدت لتكون حجر عثرة في طريق كل مجتهد. ومع ذلك، أؤمن دائمًا بأن من ينشغل بالالتفات إلى هذه السلوكيات لا يصل، وأن طريق النجاح لا يحتمل التوقف عند صغائر الأمور.

إن الحقد والحسد من أخطر الأمراض الاجتماعية، شأنهما شأن أي داء يفتك بجسد الأمة، فيعيق نهضتها، ويضعف تماسكها، وينشر فيها الاضطرابات النفسية والاجتماعية. وقد نهت عنها جميع الأديان، ودعت إلى عكسها من المحبة والتعاون والأخوة والسلام. وفي الإسلام، جاء التأكيد واضحًا في قول النبي ﷺ: “إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق”، فالأخلاق هي أساس بناء المجتمعات السليمة.

والإنسان الحاقد أو الحاسد إنما هو إنسان مريض القلب، ينشغل بغيره أكثر من انشغاله بنفسه، فيسعى إلى تعطيل الناجحين، ومحاولة إسقاطهم، بدلًا من أن يسعى لتطوير ذاته. وهذه السلوكيات لا تؤدي إلا إلى مزيد من التراجع، وإفساد البيئة المجتمعية، وإشاعة روح العداء والبغضاء بين الناس.

إن هذه الظاهرة تستحق الدراسة والاهتمام، كما تستوجب تضافر الجهود لوضع خطط فعّالة للحد منها، لأنها تنخر في بنية المجتمع، وتهدد استقراره، وتقتل روح الإبداع والإنجاز.

وللتعامل مع هذه الفئة، فإن أول ما ينبغي فعله هو تجاهل سلوكياتهم وعدم الالتفات إليها، حتى لا تكون سببًا في تعطيل المسيرة. وقد قيل: إن الإنسان الذي لا أعداء له قد لا يكون ناجحًا، لأن النجاح غالبًا ما يثير حسد البعض.

ومن ناحية أخرى، فإن علاج الحقد والحسد يبدأ من إصلاح القلوب، فهما من أمراض القلوب التي تنشأ عن البعد عن الله، وعدم الرضا بقضائه، وتمني زوال النعمة عن الآخرين. بينما الحقيقة أن النجاح ثمرة جهدٍ وتعبٍ وكفاح، وليس أمرًا يُنال بسهولة.

لذا، فإن دور المؤسسات التربوية والدينية مهم في توعية الناس بخطورة هذه الصفات، وبيان أنها تُذهب الحسنات كما تأكل النار الحطب. كما يجب ترسيخ قيم الاجتهاد، وأن يجعل الإنسان من الناجحين قدوةً له، بدلًا من الحقد عليهم.

أما على المستوى الفردي، فإن علاج هذه المشاعر يكون بالقرب من الله، والإكثار من الطاعات، والدعاء بأن يطهّر الله القلوب، كما قال تعالى: “ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا”. كما ينبغي تعويد النفس على الدعاء للآخرين بالبركة، فذلك سبب في نيل الخير، إذ إن من يدعو لغيره بظهر الغيب، يُوكَّل به ملك يقول: “ولك بمثل”.

إن الحقد والحسد لا يجلبان إلا التوتر، ويفسدان العلاقات، ويجعلان المجتمع بيئةً طاردة للإبداع والنجاح. أما المحبة والتسامح، فهما أساس الاستقرار والتقدم.

وفي الختام، فإننا بحاجة إلى مراجعة أنفسنا، وأن ينشغل كل إنسان بإصلاح ذاته بدلًا من تتبع غيره، وأن يسعى للنجاح بجهده، لا بهدم نجاح الآخرين.

استقيموا يرحمكم الله، فبصلاح القلوب تصلح المجتمعات، وتنهض الأمم، ويسود بين الناس السلام والوئام.