الاسخياء لا ينضب معينهم كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون (فريضة الزكاة)


بقلم الشيخ : يوسف محمد السعداوى   
من علماء الازهر والاوقاف


الماء قطعا هو الحياة ، فبدونه لا يمكن ابدا أن تتولد حياة على هذه الأرض

وصدق الله تعالى حين قال (وجعلنا من الماء كل شئ حى)
وضرب الله الأمثال الكثيرة فى القرآن الكريم لهذا المعنى كدليل يقينى على أن الماء هو سبب الحياة لكل شئ حى
كما ضرب الله سبحانه وتعالى به المثل لدورة حياة الكائنات وتعاقب اجيالها
كما ضرب به المثل ايضا لبداية الدنيا ونهايتها
وشبه به بعث الاحياء بعد الموت للقيام والعرض يوم النشور كصورة تقريبية حسية لكيفية إعادة الخلق من جديد.

والذى يقرأ القرآن يقف على كل هذه الأمثلة حين تدبره القرآن الكريم

لكن هناك إشارة عميقة جداً توقفت حيالها فى موضعين وأنا أقرأ القرآن
هذه الإشارة تنص على أن الماء آية من آيات الله تعالى يصرفها بحكمته بين خلقه
وربط سبحانه وتعالى تصريفها بشكرها وبذل العطاء من آثار هذا التصريف.

الموضع الأول:

فى سورة البقرة فى قوله تعالى “إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)
فقد نصت الآية الكريمة على عدة آيات كونية كدلالة على عظمة الخالق سبحانه وتعالى ووحدانيته
ثم وجهت الى طلاقة قدرته وتحكمه فى هذه الآيات
ولفت نظرى قوله تعالى (وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)
فالسحاب مسخر والذى سخره هوالخالق سبحانه وتعالى
وكل مسخر طائع لا يعصى ولا تصرف له من تلقاء نفسه
لذا هو خاضع لتصريف الخالق ولا يملك قدره وتقديره إلا هو وحده جل فى علاه
فنصت الآية فى هذه الجزئية أن الماء آية يصرفها الله تعالى رحمة منه ويقبضها عقوبة أيضاً
فهناك فى قصة نوح قبض الله تعالى الماء عقوبة على كفرهم حتى يتوبوا ويستغفروا من ذنوبهم وكفرهم بالله
فلما عاندوا وتمادوا ارسله الله تعالى عليهم طوفانا فأهلكهم
طلاقة قدرة فى التصريف منعا وعطاءا .

ووقع ذلك ايضا مع قوم فرعون حين ماطلوا فى الاستجابة لموسى عليه السلام فمنعه عنهم حتى اصابهم القحط والجدب ثم ارسله عليهم طوفانا وفيضانا ثم اغرقهم فى معينه

وغيرها من قصص القرآن كما كان مع عاد وثمود وغيرهم.

أما الموضع الثانى :

فهو فى سورة الأعراف
ضرب الله مثلا لخروج الأموات من قبورهم بمثل إرسال الرياح وحملها السحاب وافراغه الماء على بلد ميت ليس به حياة فاخرجت الأرض نباتها وازهارها وعمرت بألوان الحياة
ثم قال كذلك نخرج الموتى “وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ” فإرسال الرياح لحمل السحاب إنما هو خصوصية التصريف الالهى وحده وخاضع لمشيئته وارادته يصرفه كيف يشاء وحيث يشاء لمن يشاء .

العجيب هنا هو الآية التى تلت هذه الآية الكريمة

والتى نصت على أن الله تعالى يبارك الماء للطيبين الشاكرين من عباده وليس يسوقه اليهم فحسب
يقول سبحانه “وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ،”و
إنها عظمة التركيب ونظم المعانى فى هذا الكتاب المعجز الذى لا يتدبره إلا أولو الألباب
تشبيه بليغ يربط الارض والعباد الذين على ظهرها برباط وثيق
فالبلد الطيب ليس فى خصوبة ارضه ووفرة زرعه فحسب بل فى طيبة أهله وايمانهم بالله وشكرهم للنعم.

والبلد الخبيث خبثه فى ارضه وقومه وزرعه

ولكن المفارقة هنا بين البلدين أن البلد الطيب لا يغور ماءه ولا تفسد تربته ويظل صالحاً للعيش يسوق الله اليه الماء لتظل فيه الحياة قائمة على اصولها بطيبة أهله وشكرهم للمنعم سبحانه
” كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ،”
وهنا الرباط بين الماء وجريانه وبين الشكر لله
والشكر المرجوا هنا ليس شكر القول ، بل هو شكر العمل
الشكر المشروط بقوله تعالى”وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ”.

يفسره قول النبى صلى الله عليه وسلم فى نفس المضمار حين قال “عن أبي هريرة  قال ﷺ: بينما رجل يمشي بفلاة من الأرض فسمع صوتاً في سحابة اسقِ حديقة فلان، فتنحى ذلك السحابُ فأفرغ ماءه في حَرّة فإذا شَرْجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله، فتتبع الماء فإذا رجل قائم في حديقته يحوّل الماء بمِسحاته، فقال له: يا عبد الله، ما اسمك؟ قال: فلان بالاسم الذي سمع في السحابة، فقال له: يا عبد الله، لمَ تسألني عن اسمي؟ فقال: إني سمعت صوتاً في السحاب الذي هذا ماؤه يقول: اسقِ حديقة فلان لاسمك، فما تصنع فيها؟ فقال: أمَا إذ قلتَ هذا فإني أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثاً، وأرد فيها ثلثه[1]، رواه مسلم.


إنه الدليل القاطع من سنة النبى صلى الله عليه وسلم أن الماء آية مرهونة بالشكر العملى

ولما كان أحب ما يتقرب به العبد لربه شكراً وامتنانا على نعمه هو أداء فرائضه و يزداد قربه منه بكثرة النوافل
كانت فريضة الزكاة هى الجالب الحقيقى للخير ووفرة الزرع والأرزاق ،والصدقات تطوعاً برهان على امتنان العبد لربه سببا لمزيد فى العطاء
وقد ربط النبى صلى الله عليه وسلم بين ندرة الماء وشحه ومنع المطر من السماء وبين منع الاغنياء زكاة زروعهم واموالهم فقال

“يا مَعْشَرَ المهاجرينَ ! خِصالٌ خَمْسٌ إذا ابتُلِيتُمْ بهِنَّ ، وأعوذُ باللهِ أن تُدْرِكُوهُنَّ : لم تَظْهَرِ الفاحشةُ في قومٍ قَطُّ ؛ حتى يُعْلِنُوا بها ؛ إلا فَشَا فيهِمُ الطاعونُ والأوجاعُ التي لم تَكُنْ مَضَتْ في أسلافِهِم الذين مَضَوْا ، ولم يَنْقُصُوا المِكْيالَ والميزانَ إِلَّا أُخِذُوا بالسِّنِينَ وشِدَّةِ المُؤْنَةِ ، وجَوْرِ السلطانِ عليهم ، ولم يَمْنَعُوا زكاةَ أموالِهم إلا مُنِعُوا القَطْرَ من السماءِ ، ولولا البهائمُ لم يُمْطَرُوا” ، ولم يَنْقُضُوا عهدَ اللهِ وعهدَ رسولِه إلا سَلَّطَ اللهُ عليهم عَدُوَّهم من غيرِهم ، فأَخَذوا بعضَ ما كان في أَيْدِيهِم ، وما لم تَحْكُمْ أئمتُهم بكتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ ويَتَخَيَّرُوا فيما أَنْزَلَ اللهُ إلا جعل اللهُ بأسَهم بينَهم شديد “.

ففى صور المخالفات والعقوبات المذكورة

نجد نصا منه صلى الله عليه وسلم أن منع الزكاة حقيقة فى صرف المطر عن القوم المانعين لها “ولم يَمْنَعُوا زكاةَ أموالِهم إلا مُنِعُوا القَطْرَ من السماءِ ، ولولا البهائمُ لم يُمْطَرُوا”

ربما يتمعض إنسان ويرى فى هذا الكلام مغالاة
لأنه يرى بأم عينه فى زماننا كثيراً من الأمم والخلق عدلوا بربهم وغيروا وبدلوا بل ظلموا وجاروا ولا تزال النعم موفورة بين يديهم
ولكن القرآن لم يغفل الإجابة عليه
فإنه سبحانه دائماً يربط على قلوب عباده بالإيمان فيوضح له ما تشابه عليهم أو ما يجعلهم يشكون فى امرهم
فقد أجاب سبحانه بصيغتين فى القرآن الكريم
الأولى يخاطب فيها المارق الفاجر فيقول “أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ . نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَّا يَشْعُرُونَ “
لا يشعرون باستدراج الله لمن خالف منهجه وهجر شريعته واتبع هواه
إنه يستدرجه بالنعم كقول النبى صلى الله عليه وسلم (إن الله يملى للظالم حتى إذا اخذه فلن يفلته)
والصيغة الثانية يخاطب فيها أهل الإيمان يوضح لهم سبب وفرة النعم فى يد كل مارق فاجر مع استدراجهم لعذابه لهم على ترك الشكر
إلا أن لهم حسنات وخيرات فعلوها والله سبحانه يوفيهم اجورهم وأجور اعمالهم فى الدنيا حتى لا تتبقى لهم حسنة
والسبب انهم عقدوا اختيارهم على الحياة الدنيا وزينتها فلم يطلبوا رضا ربهم ولم يبالوا بيوم الحساب
يقول الله تعالى “مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ”
فهذا بيان ورد كاف على كل مؤمن ربما يثير الشيطان شبهة فى قلبه فتزعزع إيمانه
ثم يؤكد أن الوفاء بكل حسنة لهم فى الدنيا نعمة فى ايديهم يتمتعون بها وليس لهم فى الآخرة إلا عذاب النار فيقول”أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ”
ويؤكد هذا المعنى آية ابلغ دلالة واشد وقعا على القلوب حيث يقول تعالى “وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ”
وهنا يستبين الأمر لأمة الإيمان
فلله الحكمة البالغة
والمؤمنون آخذون حتماً بالاسباب التى يسببها الله تعالى لعبادة من عبادات مفروضة وأعمال مطلوبة لدنياهم وآخرتهم

أن الماء آية من آيات الله يصرفها تصريقا طيباً مباركاً لمن يدوام على أداء شكرها وحق الله فى آثار رحمته من زكوات وصدقات
وهذا عنوان البلد الطيب المبارك
ويصرفه عن أهل المعصية حتى يتوبوا أو يستدرجهم بالنعم بعنادهم ومروقهم
وكله فعل الله تعالى وحده
والقوم لهم الإختيار والتصرف للعزيز الجبار.