حب آل البيت بين الاتباع والاتهام
22 مارس، 2026
الأزهر الوسطى

بقلم الشيخ : أبو أويس الأزهرى
بسم الله نرجم المعتدين
ونبرز حقائق الدين
ونصد سهام الأفاكين
إن الحقيقة صعبة البيان، لكن على من تلبس بسحر البدعة، وانخدع ببهرج الوهم، وإنها لسهلة ميسورة على طالب الحق، الذي لا يعنيه سوى السير إلى الله تعالى، فلا يغضب لغضب أحد، ولا يسخط لسخط أحد، ولكن يرضيه الحق، ويغضبه الباطل، وأعني بهما في نفس الأمر، وإلا فكل صاحب باطل يراه حقا، والعكس..
عندما قلت: إن الأصل في المجتمع المسلم عند كل وهابي التهمة حتى تثبت براءته من كل فكر سوى فكرهم، لم أكن أهذي بكلام لا أعرفه، وإنما هي الخبرة بتلك النفوس الشوهاء، ورؤية الواقع، وحصر نقاط الجدل التي يثرثرون حولها، مع اطلاع متواضع على كلام الأئمة الأعلام..
لقد استبدت بهم سورة الغضب، وقامت قيامتهم، نتيجة دعاء عالم صالح في خطبة عيد الفطر المبارك، سطر واحد من الدعاء دفع خفافيش الوهابية إلى الجعجعة في كل مستنقع يعيشون فيه، وأعني بها مستنقعات الكبر، والغل، والحقد، والجهل…
بمجرد ما سمعوا الرجل الصالح يتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم وآله برزت الأفاعي من جحورها لتبث سمومها (شيعي، رافضي، مبتدع، مشرك، ضلالي،…..وهلم جرا) هذه عينة من خَبَثهم، وما خفي كان أعظم، هكذا نحن في عين هؤلاء، أهل ضلال وإلحاد
ذكرني هذا الحدث بكلامٍ لابن الأثير في كامله في حوادث عشر وثلاثمائة، حيث قال: وفي هذه السنة توفي محمد بن جرير الطبري صاحب التاريخ الكبير ببغداد، ومولده سنة أربع وعشرين ومائتين، ودفن ليلا بداره، لأن العامة (بعض متعصبة الحنابلة) اجتمعت ومنعت من دفنه نهارا، وادعوا عليه الرفض، ثم ادعوا عليه الإلحاد..
وكان علي بن عيسى يقول: والله لو سئل هؤلاء عن معنى الرفض والإلحاد ما عرفوه، ولا فهموه..
فتأمل، ثم قارن، ثم استنتج، وفي حوادث زماننا أطل علينا بفكره الدسيس، وتفكيره الخسيس، من يزعم أنه ناصح أمين، ليفصل بين الحق والباطل (في زعمه) ويدعي أن التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم وبآل البيت والسيدة فاطمة رضي الله عنها مخالفة شرعية، وتشيع، وغلو، وعلى مذهبهم فإن فاعل ذلك مشرك بالله عز وجل، ولسنا هنا بصدد بيان مشروعية التوسل فقد بيناه مرات ومرات، ولنكتفي بذكر كلام الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في (البداية والنهاية) حيث قال: (فالله يجعلها عبرة للمسلمين، ورحمة للعالمين، بمحمد وآله الطاهرين).
وسترى من جناية الوهابية على كلام العلماء تأويله بما لم تقترن به قرينة تدل عليه، وحمله على ما لا يعسر على الأئمة أن يصرحوا به حين قالوا كلامهم هذا، حتى لا تقع الأمة في دائرة الإشراك بالله تعالى، ألا ترى أنها أمانة؟
لكن هي عادتهم، إذا رأوا كلاما لأحد الأئمة الكبار يخالف عقيدتهم: فإما أن يتأولوه، أو يصرحوا بتخطئته، أو يعيدوا طبع الكتاب المذكور فيه بدون هذا الكلام (أي يبترونه ويحذفونه) وينفقون آلاف الآلاف لتنتشر مطبوعاتهم، ولهم في التعامل معه طرائق أخرى، تفضي كلها إلى طمسه حقيقة أو حكما، ألا ترونه كذبا وتدليسا؟
وأما عن العبارة المُستشكلة، فهي أيسر ما يمكن فهمه، لكن أبى الله تعالى إلا أن تنفر الشياطين عند ذكر الصالحين، فما بالك إذا كان المذكور من أصلح وأكمل وأعلى الصالحين، قال القرطبي في بيانه حديث (وأنا تارك فيكم ثقلين) :هذه الوصية، وهذا التأكيد العظيم يقتضي وجوبَ احترام آل النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته، وإبرارهم، وتوقيرهم، ومحبتهم، وجوبَ الفروض المؤكدة التي لا عذر لأحد في التخلف عنها، هذا مع ما علم من خصوصيتهم بالنبي صلى الله عليه وسلم، وبأنَّهم جزء منه، فإنَّهم أصوله التي نشأ منها، وفروعه التي تنشأ عنه، كما قال صلى الله عليه وسلم: فاطمة بضعة مني يريبني ما يريبها -أي يشق عليّ ويؤلمني.
فالسر واضح لأهل الأنوار، خفي على أهل الغفلة، سر النبوة، سر الكمال، سر النسل الشريف، سر المدد المحمدي، سر أم أبيها ما أودعه الله فيها، من مشابهتها سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم، فعن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: “ما رأيت أحدا أشبه سمتا ودلا وهديا برسول الله في قيامها وقعودها من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. والأخبار في ذلك لا تحصى..
وإليك خلاصتنا التي هي في مقابل خلاصته: لقد سلك هؤلاء الخوارج مسلك رمي محبي آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم بالرفض والتشيع والغلو ليصدوا الناس عن الحب، وأهل الحب، زاعمين أن حب آل سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم غلو وتنطع وتشيع، ولله در الإمام الشافعي حين قال:
إن كان رفضًا حب آل محمد
فليشهد الثقلان أني رافضي
قال البيهقي: وإنما قال هذه الأبيات حين نسبته الخوارج إلى الرفض حسدا وبغيا.
ونقول: ما أشبه خوارج اليوم بخوارج الأمس!
فاللهم بحق فاطمة وأبيها، وبعلها وبنيها، وبالسر المستودع فيها، عليك بخوارج العصر، اللهم اجعل كيدهم في نحورهم، وانصرنا على شرورهم.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.