«ٱلْجَوْهَرُ ٱلْمَكْنُونُ فِي ٱلصِّفَاتِ ٱلْكُبْرَى لِلْعَالِمِ ٱلْأَزْهَرِيِّ ٱلْمَأْمُونِ»


بقلم الدكتور : محمد عبدالحليم المعصراوى

 

الحمدُ للهِ الَّذِي شَرَّفَ أَهْلَ العِلْمِ وَرَفَعَ دَرَجَاتِهِمْ، وَجَعَلَهُمْ وُرَثَةَ الأَنْبِيَاءِ، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ الَّذِي بَلَّغَ الرِّسَالَةَ وَأَدَّى الأَمَانَةَ وَأَرْسَى قَوَاعِدَ العِلْمِ وَالهِدَايَةِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اقْتَفَى أَثَرَهُمْ إِلَى يَوْمِ الدّين،

وبعد:

فَإِنَّ الأَزْهَرَ الشَّرِيفَ لَمْ يَكُنْ فِي تَارِيخِ الأُمَّةِ مُجَرَّدَ مَؤَسَّسَةٍ تَعْلِيمِيَّةٍ، بَلْ كَانَ مَدْرَسَةً عِلْمِيَّةً وَتَرْبَوِيَّةً تُشَكِّلُ شَخْصِيَّةَ العَالِمِ الرَّبَّانِيِّ الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ صَحِيحِ العَقِيدَةِ، وَصَفَاءِ الرُّوحِ، وَانْضِبَاطِ الفِقْهِ، وَرُسُوخِ اللُّغَةِ، وَصِدْقِ الانْتِمَاءِ لِلْوَطَنِ.

وَمِنْ هُنَا تَشَكَّلَتْ مَلَامِحُ العَالِمِ الأَزْهَرِيِّ المَأْمُونِ فِي مَجْمُوعَةٍ مِنَ الصِّفَاتِ الكُبْرَى الَّتِي أَصْبَحَتْ بِمَنْزِلَةِ الجَوْهَرِ الَّذِي يُمَيِّزُهُ عَبْرَ العُصُورِ، وَيَحْفَظُ لَهُ وَسَطِيَّتَهُ وَاعْتِدَالَهُ، وَهِيَ: الأَشْعَرِيَّةُ فِي العَقِيدَةِ، وَالتَّصَوُّفُ فِي التَّزْكِيَةِ، وَالمَذْهَبِيَّةُ فِي الفِقْهِ، وَالرُّسُوخُ اللُّغَوِيُّ فِي الفَهْمِ وَالبَيَانِ، وَالوَطَنِيَّةُ الصَّادِقَةُ فِي خِدْمَةِ المُجْتَمَعِ.

أَوَّلًا: «ٱلْأَزْهَرِيُّ أَشْعَرِيٌّ»

الأَشْعَرِيَّةُ هِيَ المَدْرَسَةُ العَقَدِيَّةُ الَّتِي جَمَعَتْ بَيْنَ صِحَّةِ النَّقْلِ وَصَرَاحَةِ العَقْلِ، وَقَدْ احْتَضَنَهَا الأَزْهَرُ الشَّرِيفُ عَبْرَ قُرُونٍ طَوِيلَةٍ؛ لِأَنَّهَا تُمَثِّلُ مَنْهَجَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ فِي تَحْقِيقِ التَّوَازُنِ بَيْنَ النَّصِّ وَالفَهْمِ.

فَالعَالِمُ الأَزْهَرِيُّ الأَشْعَرِيُّ يُؤْمِنُ أَنَّ العَقِيدَةَ الإِسْلَامِيَّةَ قَائِمَةٌ عَلَى التَّنْزِيهِ وَالتَّعْظِيمِ، وَأَنَّ العَقْلَ وَسِيلَةٌ لِفَهْمِ الوَحْيِ لا لِمُعَارَضَتِهِ، وَأَنَّ الإِيمَانَ الصَّحِيحَ يَقُومُ عَلَى التَّسْلِيمِ المُنْضَبِطِ بِالدَّلِيلِ.

وَلِذَلِكَ كَانَ الأَزْهَرُ حِصْنًا حَصِينًا لِحِفْظِ عَقِيدَةِ الأُمَّةِ مِنَ الغُلُوِّ وَالاِنْحِرَافِ، وَمِنَ التَّشْبِيهِ وَالتَّعْطِيلِ، فَرَبَّى طُلَّابَهُ عَلَى الوَسَطِيَّةِ الَّتِي تَجْمَعُ بَيْنَ الإِيمَانِ العَمِيقِ وَالفَهْمِ الرَّشِيدِ.

ثَانِيًا: «ٱلْأَزْهَرِيُّ صُوفِيٌّ»

لَمْ يَعْرِفِ الأَزْهَرُ العِلْمَ الجَافَّ الَّذِي يَنْفَصِلُ عَنِ القَلْبِ، بَلْ رَبَطَ بَيْنَ العِلْمِ وَالتَّزْكِيَةِ، وَبَيْنَ الفِقْهِ وَالإِحْسَانِ. فَالتَّصَوُّفُ الَّذِي تَرَبَّى عَلَيْهِ عُلَمَاءُ الأَزْهَرِ هُوَ التَّصَوُّفُ السُّنِّيُّ القَائِمُ عَلَى الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.

وَالعَالِمُ الأَزْهَرِيُّ الصُّوفِيُّ يُدْرِكُ أَنَّ غَايَةَ العِلْمِ هِيَ إِصْلَاحُ القَلْبِ وَتَهْذِيبُ النَّفْسِ، فَيُجَاهِدُ نَفْسَهُ عَلَى الإِخْلَاصِ، وَيَتَحَلَّى بِالتَّوَاضُعِ، وَيَجْعَلُ الرَّحْمَةَ أَسَاسَ دَعْوَتِهِ، وَالمَحَبَّةَ مَدْخَلًا إِلَى قُلُوبِ النَّاسِ.

وَمِنْ هُنَا جَمَعَ عُلَمَاءُ الأَزْهَرِ بَيْنَ الفِقْهِ وَالذِّكْرِ، وَبَيْنَ العِلْمِ وَالزُّهْدِ، فَكَانَ عِلْمُهُمْ نُورًا وَهَدَايَةً، لا جِدَالًا وَخُصُومَةً.

ثَالِثًا: «ٱلْأَزْهَرِيُّ مَذْهَبِيٌّ»

المَذْهَبِيَّةُ فِي المَنْهَجِ الأَزْهَرِيِّ لَيْسَتْ تَعَصُّبًا لِآرَاءٍ مُعَيَّنَةٍ، بَلْ هِيَ التِزَامٌ بِالمَدَارِسِ الفِقْهِيَّةِ الَّتِي أَسَّسَهَا الأَئِمَّةُ المُجْتَهِدُونَ، وَالَّتِي تَرَاكَمَ فِيهَا العِلْمُ وَالتَّحْقِيقُ عَبْرَ قُرُونٍ طَوِيلَةٍ.

فَالعَالِمُ الأَزْهَرِيُّ المَذْهَبِيُّ يَنْظُرُ إِلَى التُّرَاثِ الفِقْهِيِّ بِوَصْفِهِ خِبْرَةً عِلْمِيَّةً عَمِيقَةً، وَيُدْرِكُ أَنَّ الاِجْتِهَادَ الصَّحِيحَ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ أُصُولِ الفِقْهِ وَقَوَاعِدِهِ.

وَلِذَلِكَ يَجْمَعُ الأَزْهَرِيُّ بَيْنَ الاِحْتِرَامِ لِلْمَذَاهِبِ الفِقْهِيَّةِ، وَبَيْنَ سَعَةِ الصَّدْرِ لِلْخِلَافِ المَعْتَبَرِ، فَيَكُونُ فِقْهُهُ مُنْضَبِطًا، قَادِرًا عَلَى مُوَاكَبَةِ قَضَايَا العَصْرِ دُونَ اِنْفِصَالٍ عَنِ الأُصُولِ.

رَابِعًا: «ٱلْأَزْهَرِيُّ لُغَوِيٌّ»

اللُّغَةُ العَرَبِيَّةُ هِيَ لِسَانُ الوَحْيِ وَمِفْتَاحُ فَهْمِ الشَّرِيعَةِ، وَلِذَلِكَ كَانَ الأَزْهَرُ عَلَى مَرِّ العُصُورِ مَعْقِلًا لِعُلُومِ اللُّغَةِ مِنْ نَحْوٍ وَصَرْفٍ وَبَلَاغَةٍ وَبَيَانٍ.

وَالعَالِمُ الأَزْهَرِيُّ اللُّغَوِيُّ يُدْرِكُ أَنَّ صِحَّةَ الفَهْمِ لِلنُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ تَعْتَمِدُ اعْتِمَادًا كَبِيرًا عَلَى صِحَّةِ اللِّسَانِ وَدِقَّةِ التَّعْبِيرِ.

فَهُوَ يَتَذَوَّقُ بَلَاغَةَ القُرْآنِ الكَرِيمِ، وَيُحْسِنُ بَيَانَ المَعَانِي، وَيَجْعَلُ اللُّغَةَ جِسْرًا بَيْنَ العِلْمِ وَالنَّاسِ، فَيَكُونُ خَطِيبًا بَلِيغًا، وَكَاتِبًا مُؤَثِّرًا، وَدَاعِيَةً قَادِرًا عَلَى إِيصَالِ الرِّسَالَةِ بِوُضُوحٍ وَجَمَالٍ.

خَامِسًا: «ٱلْأَزْهَرِيُّ وَطَنِيٌّ».

لَمْ يَكُنِ الأَزْهَرُ يَوْمًا مَنْعَزِلًا عَنْ قَضَايَا وَطَنِهِ وَمُجْتَمَعِهِ، بَلْ كَانَ دَائِمًا فِي صَفِّ الأُمَّةِ، يُسَاهِمُ فِي حِفْظِ هُوِيَّتِهَا وَصِيَانَةِ اسْتِقْرَارِهَا.

فَالوَطَنِيَّةُ فِي المَنْهَجِ الأَزْهَرِيِّ قِيمَةٌ شَرْعِيَّةٌ تُعَبِّرُ عَنْ حُبِّ الأَوْطَانِ وَخِدْمَةِ النَّاسِ وَحِفْظِ أَمْنِ المُجْتَمَعِ.

وَالعَالِمُ الأَزْهَرِيُّ الوَطَنِيُّ يُدْرِكُ أَنَّ الدِّينَ وَالوَطَنَ لَا يَتَعَارَضَانِ، بَلْ يَتَكَامَلَانِ؛ فَحِفْظُ الأَوْطَانِ مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ، وَاسْتِقْرَارُ المُجْتَمَعِ شَرْطٌ لِنُهُوضِ العِلْمِ وَالدَّعْوَةِ.

خَاتِمَةٌ:

إِنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ الكُبْرَى لَيْسَتْ عَنَاصِرَ مُنْفَصِلَةً، بَلْ هِيَ مَنْظُومَةٌ مُتَكَامِلَةٌ تَتَجَلَّى فِي شَخْصِيَّةِ العَالِمِ الأَزْهَرِيِّ المَأْمُونِ.

فَالأَشْعَرِيَّةُ تَحْفَظُ صَحِيحَ العَقِيدَةِ،

وَالتَّصَوُّفُ يُزَكِّي القَلْبَ وَيُهَذِّبُ النَّفْسَ،

وَالمَذْهَبِيَّةُ تُنَظِّمُ الفَهْمَ الفِقْهِيَّ،

وَالرُّسُوخُ اللُّغَوِيُّ يُقَوِّمُ البَيَانَ وَيُصَحِّحُ الفَهْمَ،

وَالوَطَنِيَّةُ تُوَجِّهُ العِلْمَ نَحْوَ خِدْمَةِ المُجْتَمَعِ.

وَعِنْدَمَا تَجْتَمِعُ هَذِهِ المَعَانِي فِي شَخْصِيَّةِ العَالِمِ يَتَحَقَّقُ نَمُوذَجُ العَالِمِ الأَزْهَرِيِّ المَأْمُونِ؛ الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ صِحَّةِ العِلْمِ وَنُبْلِ الخُلُقِ، وَبَيْنَ أَصَالَةِ التُّرَاثِ وَوَعْيِ الوَاقِعِ، فَيَكُونُ مَنَارَةً لِلْهُدَى وَصَوْتًا لِلْوَسَطِيَّةِ وَالاعْتِدَالِ فِي الأُمَّةِ.

وَاللهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ.