حين يتجلى القرآن في ليالي رمضان… مسجد الرحمن الرحيم بالصالحية الجديدة قبلة القلوب والروح


بقلم فضيلة الشيخ : حسين السمنودي

إمام وخطيب ومدرس بدرجة مدير عام بمديرية أوقاف القاهرة

مع قدوم شهر رمضان، تتبدل ملامح الحياة في المدن والقرى، ويصبح الليل أكثر إشراقًا بالذكر وتلاوة القرآن. وفي مدينة الصالحية الجديدة بمحافظة الشرقية، تتجسد هذه الأجواء الإيمانية في أبهى صورها داخل مسجد الرحمن الرحيم

مجاورة 12 بمدينة الصالحية الجديدة، الذي يشهد هذا العام نشاطًا غير مسبوق خلال أيام وليالي الشهر الكريم، حيث يتوافد المصلون من مختلف الأحياء والمناطق المجاورة، باحثين عن لحظات الصفاء والسكينة التي لا تتجلى إلا في رحاب القرآن.

ومع انطلاق ليالي صلاة التراويح، يمتلئ المسجد بالمصلين الذين تجذبهم أجواء روحانية مميزة، تتداخل فيها رهبة المكان مع جمال التلاوة، فتغدو اللحظات وكأنها رحلة إيمانية عميقة يعيشها الجميع بقلوب خاشعة وعيون دامعة.

وتزداد هذه الليالي جمالًا وتأثيرًا مع التلاوة العذبة للدكتور نبيل سرايا، الذي يهب صوته للقرآن فيفيض بالسكينة والخشوع. يمتلك صوتًا هادئًا نقيًا يجمع بين قوة الأداء وعذوبة النبرة، فيأخذ المستمعين إلى أجواء من التدبر والتأمل، حيث تنساب الآيات في سلاسة وكأنها تخاطب القلوب مباشرة قبل أن تصل إلى الآذان. وما إن يبدأ في التلاوة حتى يخيم الصمت على أرجاء المسجد، ويشعر المصلون أنهم يعيشون لحظات استثنائية تفيض بالطمأنينة والروحانية.

وقد أصبح صوته علامة مميزة في ليالي رمضان داخل المسجد، إذ يحرص كثير من المصلين على الحضور مبكرًا حتى يحظوا بمكان في الصفوف الأولى، ليستمتعوا بتلك التلاوة التي تمزج بين جمال الصوت وصدق الأداء، فتمنح الصلاة طابعًا خاصًا لا ينسى. وفي كل ليلة يتزايد عدد الحاضرين الذين يقصدون المسجد خصيصًا للاستماع إلى هذه التلاوة المؤثرة، حتى باتت لياليه مقصدًا لكل من يبحث عن الخشوع الحقيقي.

ولا تكتمل هذه الصورة المشرقة دون الإشارة إلى الدور الكبير الذي يقوم به إمام المسجد فضيلة الشيخ محمد صلاح، الذي يمثل نموذجًا للإمام الداعية القريب من الناس، الحريص على أن يكون المسجد بيتًا مفتوحًا للعبادة والعلم والتوجيه. فقد استطاع بحكمته وأسلوبه الهادئ أن يجعل من المسجد مركزًا حيًا للنشاط الدعوي والاجتماعي، حيث يجتمع المصلون على المحبة والألفة، وتتعزز بينهم روح التعاون والتراحم.

وخلال شهر رمضان يزداد حضوره تأثيرًا، من خلال كلماته الإيمانية التي يلقيها بين الصلوات، والتي تذكر الناس بفضائل الشهر الكريم وتحثهم على اغتنام أيامه ولياليه في الطاعة والعمل الصالح. وتمتاز تلك الكلمات بالبساطة والصدق، ما يجعلها قريبة من القلوب، قادرة على إيقاظ المعاني الإيمانية في النفوس.

وتبدو ليالي رمضان في هذا المسجد وكأنها لوحة روحانية متكاملة؛ صفوف متراصة من المصلين، وقلوب متعلقة بكتاب الله، وأصوات خاشعة تردد الدعاء، في مشهد يبعث الطمأنينة في النفوس ويؤكد أن المساجد ستظل دائمًا منارات للهداية ومراكز لإحياء القيم الإيمانية في المجتمع.

وفي ختام هذه الليالي العامرة بالإيمان، لا يسعنا إلا أن نقف وقفة تقدير وامتنان لكل من كان له دور في إنجاح هذا المشهد الإيماني البديع. فمثل هذه الأنشطة المباركة التي تعمر بيوت الله وتجمع الناس على القرآن لا تأتي صدفة، بل تقف خلفها جهود صادقة ورعاية واعية من قيادات العمل الدعوي في مصر.

ومن هنا يتوجه المصلون ورواد المسجد بخالص الشكر والتقدير إلى معالي الأستاذ الدكتور أسامة الأزهري وزير وزارة الأوقاف المصرية، الذي يقود مسيرة دعوية واعية تهدف إلى تعمير المساجد بالقرآن والعلم والاعتدال، ويعمل على دعم الأنشطة الدينية التي تعزز قيم الوسطية وتنشر روح الطمأنينة في المجتمع.

كما يتوجه الجميع بوافر الشكر والتقدير إلى الأستاذ الدكتور محمد إبراهيم حامد وكيل الوزارة ومدير مديرية أوقاف الشرقية، لما يبذله من جهود واضحة في متابعة العمل الدعوي داخل مساجد المحافظة، وحرصه على دعم الأنشطة القرآنية والرمضانية التي تساهم في نشر الوعي الديني الصحيح.

ولا يفوتنا كذلك أن نعبر عن عميق الامتنان والتقدير لقيادات الإدارة المحلية للأوقاف، وفي مقدمتهم مدير إدارة أوقاف الصالحية الجديدة والقرين، الذين كان لهم دور بارز في تنظيم هذه الأجواء الإيمانية المميزة داخل المسجد، وتوفير المناخ المناسب لإقامة الشعائر في أجواء يسودها النظام والروحانية.

إن ما نشهده في مسجد الرحمن الرحيم بمدينة الصالحية الجديدة خلال هذه الليالي المباركة ليس مجرد تجمع للصلاة، بل هو صورة حية لمعنى عمارة بيوت الله، حيث يلتقي القرآن مع القلوب، ويجتمع الناس على الخير والمحبة، في مشهد يعيد إلى الأذهان روح المساجد الأولى التي كانت منارات للعلم والهداية.

وهكذا تبقى ليالي رمضان في هذا المسجد شاهدًا على أن القرآن لا يزال قادرًا على أن يجمع القلوب ويوحد النفوس، وأن الكلمة الصادقة والصوت الخاشع والعمل الدعوي المخلص يمكن أن يصنعوا معًا حالة إيمانية فريدة تترك أثرها العميق في نفوس الناس.

فما أجمل أن تعود المساجد عامرة بالقرآن، وما أروع أن تمتد هذه الروح الإيمانية من جدران المسجد إلى حياة الناس، لتصبح رسالة نور تتجدد كل عام مع قدوم رمضان، وتذكرنا دائمًا بأن بيوت الله ستظل منارات للسكينة والهداية، وأن القرآن سيبقى النور الذي يهدي القلوب ويجمعها على الخير.