السماء والأرض تبكيان على فراق الصالحين

بقلم الكاتب والباحث: الدكتور عبدالكريم فتاح أمين

فالاكوان كلها وبالأخص الأرض تتشرف وتفتخر بالأعمال الصالحة التي يؤديها العباد الصالحون، تشعر بالأمان والطمأنينة حينما تفعل على ظهرها من الخيرات والبركات والاحسانات، وكذلك تكره اقتراف الذنوب والاقتراب من المعاصي ، ولكن لابد أن نعلم أن الأرض اسكتت بجعل الله تعالى وإلا تشهد على أعمال الإنسان شرا إن كانت الأعمال شرا وسيئة وخيرا إن كانت الأعمال خيرا وحسنة، لو لم يكن الاسكات لهلكت من لطخها ولكن الأرض من جمل الخلائق التي سخرت للإنسان كما قال رسول رب العالمين صلى الله : ( بسم الله، والحمد لله، ويكبر ثلاثًا ويقول: سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ)

، ولهذه الحقيقة العظيمة الوحيدة ننتقل من مكان إلى مكان آخر حين أداء الصلوات فرضا وندبا، فالفقهاء رحمة الله عليهم قد ركزوا على ذلك في كتبهم الفقهية، فلنستمع إلى ما نشير إليه كى نعثر على معلومة مفيدة:

( عن الحكم رضي الله عنه قال: (رأيت أبا أُميَّة صلَّى في المسجد الحرام الصَّلاة المكتوبة، ثمَّ تقدَّم فجعل يصلِّي هَهُنا وهَهُنا، فلما فرغ قلت له: ما هذا الَّذي رأيتك تصنع؟ قال: قرأت هذه الآية ﴿ يومئذٍ تُحَدِّثُ أخبارَها ﴾ فأردت أن تشهد لي يوم القيامة) سبحان الله العظيم الودود للأرض ألسنن تعبر بها وتخبر بها، وذلك مأخوذة في سياق النصوص ومنصوصة عليها كما سنذكرها من خلال النصوص مرة أخرى.

فالأرض بما فيها من سهول وجبال وبواد وبر وبحر متركزة على ما يصدر منا من الأعمال بنوعيها: الخير والشر.

نستطيع أن نقول: إن اعمالنا تكون متمركزة ومحل إعجاب جميع الأكوان التي نحن نعيش فيها وعليها، وهي جدا منفعلة بما قام بنو البشر، وتراقبها وتكون عليها شهداء إن كانت خارجة عما سورته الشريعة الغراء وشهداء لها إن كانت داخلة في حدود الشريعة.

أجل نحن تحت رقابة كثيفة كل الخلائق وهن تعرفنا أحسن مما تعرفنا اصدقائنا واقربائنا، لأننا نعيش بين الأشياء المتضادة: الاختيار والجبر والشر والخير والحظ الرحماني والحظ الشيطاني والدافع الإنساني والدافع الشيطاني، وهذا بجعل الله تعالى وإرادته القديمة وليس لنا إختيار في ذلك الموضوع، ولذا ضع مرة اخرى ما يلي تحت أنظارك: ( عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن أبيه وكان أبوه يتيما في حجر أبي سعيد الخدري قال: قال لي يعني أبا سعيد: يا بني إذا كنت في البوادي فارفع صوتك بالأذان فإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يسمعه جن ولا إنس ولا حجر إلا يشهد له)

ومعلوم من خلال النصوص السماء في استعداد تام لدخول أعمال العباد: ( قال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده : حدثنا أحمد بن إسحاق البصري ، حدثنا مكي بن إبراهيم ، حدثنا موسى بن عبيدة ، حدثني يزيد الرقاشي ، حدثني أنس بن مالك ، عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : ” ما من عبد إلا وله في السماء بابان : باب يخرج منه رزقه ، وباب يدخل منه عمله وكلامه ، فإذا مات فقداه وبكيا عليه) ثم قرأ حضرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ( فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ (29) وَلَقَدْ نَجَّيْنَا﴾(٢٩) الدخان.

* تبصيرة: فمن واجب الأرض والسماء والكواكب التبكي والتباكي لأن الأولى تستفيد من الأعمال التي على ظهرها وتصير مباركة لدى غيرها مثل المساجد لاسيما المساجد الثلاثة من. تضاعف الثواب. وكذلك الثانية تصعد إليه الأعمال : ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ)(١٠)الفاطر.

وبالأخص ترفع الأعمال في يومي الاثنين والخميس كما صرح بذلك صاحب الرسالة الخالدة صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الآتي:

( تُعرضُ الأعمالُ يومَ الإثنين والخميسِ فأُحِبُّ أن يُعرضَ عملي وأنا صائمٌ))

إن القرآن العظيم قد نفي بصريح القول أن تبكي السماء والأرض على موت الكافر :

﴿ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ (29) وَلَقَدْ نَجَّيْنَا﴾(٢٩) الدخان.

إن السماء والأرض لم تبكيا على فرعون ومن ملك النفس الفرعونية، وبوسعنا أن نقول: فالفراعنة على هذا الكوكب الأرضي كثيرة جدا جدا ولا تخص فقط البلاد المصرية بل الأقاليم كلها على مر التاريخ امتلكت فراعن كثيرة بسبب الجور والظلم والاستبداد والكفر والاقاعة لدين الله تعالى:

( عن عباد بن عبد الله قال : سأل رجل عليا رضي الله عنه : هل تبكي السماء والأرض على أحد ؟ فقال له : لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك ، إنه ليس [ من ] عبد إلا له مصلى في الأرض ، ومصعد عمله من السماء . وإن آل فرعون لم يكن لهم عمل صالح في الأرض ، ولا عمل يصعد في السماء ، ثم قرأ علي ، رضي الله عنه ( فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين )

كل من مات وارتحل في هذه الحالة الفنائية والتحق بالرفيق الأعلى يخلق باباه :

( عن سعيد بن جبير قال : أتى ابن عباس رجل فقال : يا أبا عباس أرأيت قول الله : ( فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين ) فهل تبكي السماء والأرض على أحد ؟ قال : نعم إنه ليس أحد من الخلائق إلا وله باب في السماء منه ينزل رزقه ، وفيه يصعد عمله ، فإذا مات المؤمن فأغلق بابه من السماء الذي كان يصعد فيه عمله وينزل منه رزقه بكى عليه ، وإذا فقد مصلاه من الأرض التي كان يصلي فيها ويذكر الله فيها بكت عليه ، وإن قوم فرعون لم تكن لهم في الأرض آثار صالحة ، ولم يكن يصعد إلى الله منهم خير ، فلم تبك عليهم السماء والأرض .

وروى العوفي ، عن ابن عباس ، نحو هذا .

فالمؤمن مطلوب وعظيم عند الله تعالى وعند الخلائق، فالأرض تبكي وتبكي متعاقبة أربعين يوماً على فقدان المؤمن:

قال سفيان الثوري ، عن أبي يحيى القتات ، عن مجاهد ، عن ابن عباس [ رضي الله عنهما ] قال : كان يقال : تبكي الأرض على المؤمن أربعين صباحا.

ولا يحق لنا أن تتعجب من تلك الحالة ونحسبها، وهذا طبيعي ومألوف مادام صرحت بها النصوص:

( قال مجاهد أيضا : ما مات مؤمن إلا بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحا ، قال : فقلت له : أتبكي الأرض ؟ فقال : أتعجب ؟ وما للأرض لا تبكي على عبد ، كان يعمرها بالركوع والسجود ؟ وما للسماء لا تبكي على عبد كان لتكبيره وتسبيحه فيها دوي كدوي النحل ؟