أنفق .. أنفق عليك

بقلم الشيخ : صالح على الفقى

 الموجه العام بوعظ الازهر ـ ومشرف لجان فتوى الازهر بمنطقة وعظ كفر الشيخ سابقا

حين يشعر الغني بشعور الفقير في شهر رمضان ألم الجوع والعطش يتشاركان في نهاره بالصوم، وفي ليله بالقيام وقراءة القرآن والدعاء، حين يستويان في المطالب والحاجات، وتسقط الحواجز المصطنعة بين الغنى والفقر، تتفتح في القلب نافذة واسعة على معنى الرحمة، ويولد في النفس إحساس جديد بالمسؤولية، لا بوصفها واجبا اجتماعيا، بل عبادة خالصة يتقرب بها العبد إلى ربه. وقد أحسن أحمد شوقي إذ قال:
الصوم حرمان مشروع، وتأديب بالجوع، وخشوع لله وخضوع.

فليس الجوع فيه إذلالا للجسد، بل تهذيب للروح، ولا هو مجرد امتناع عن الطعام، بل تربية على الإحساس بالآخرين، وتدريب عملي على كسر سلطان الشهوة، ليقوم في القلب سلطان الرحمة.

وهنا يتجلى معنى الحديث القدسي العظيم:
يا ابن آدم أنفق أنفق عليك.
كلمة قصيرة في مبناها، عظيمة في معناها، تؤسس لمفهوم إيماني راسخ في الرزق، يقوم على الثقة بوعد الله، وتحرر القلب من وهم التملك المطلق، وتربطه بوعد الله الذي لا يتخلف.

فالإنفاق ليس نقصا في المال، بل نماء وبركة، وليس مخاطرة في المعيشة، بل ثقة في الكريم الذي بيده خزائن السماوات والأرض. ولذلك (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان)، كأنما تتضاعف فيه ينابيع الرحمة، فيفيض بالعطاء كما يفيض السحاب بالمطر، ليعلم الأمة أن الجود عبادة، وأن الصدقة ترجمة صادقة للإيمان، وأن المال إذا لم يتحول إلى رحمة صار عبئا على صاحبه وحجة عليه.

وقد جسد الصحابة هذا المعنى في أروع صوره العملية. فهذا رجل من الأنصار استضاف ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن في بيته إلا قوت صبيانه، فأطفأ السراج، وأوهم ضيفه أنه يأكل معه، وترك الطعام له وحده، فبلغ من صدقه وإيثاره أن ضحك الله من صنيعه هو وزوجه ورضي عنهما. منزلة سامية لم تنل بكثرة المال، بل بصفاء القلب.

وسمع أبو طلحة الأنصاري قول الله تعالى:
(لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون)
فلم يفتش عن الصدقة في الفائض من ماله، بل قصد أحب ما يملك إلى قلبه، بستانه بيرحاء، فتصدق به لله خالصا، معلنا أن البر لا ينال ببقايا التعلق، وإنما ينال من موضع المحبة والتعلق بالقلب.

ثم جاء مشهد آخر من مشاهد اليقين الخالص، حين قدمت قافلة عظيمة لعثمان بن عفان تحمل الطعام إلى المدينة في زمن شدة، فساومه التجار على مضاعفة الثمن، حتى عرضوا عليه أضعاف ما يدفعون، فقال: قد وجدت من يزيدني أكثر منكم. قالوا: ومن يزيد أكثر منا؟ قال: الله عز وجل، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف. ثم جعل القافلة كلها صدقة في سبيل الله. لم ير فيها تجارة مع الناس، بل تجارة مع الله، ولم يزن الربح بميزان السوق، بل بميزان الآخرة.

يعلمنا رمضان أن الصدقة ليست حركة يد، بل موقف قلب، وليست عادة موسمية، بل شاهد صدق على الإيمان. يعلمنا أن المال إذا خرج من القلب قبل أن يخرج من الجيب صار نورا، وأن الفقير إذا وجد من يشعر بجوعه، لم يجد كسرة خبز فقط، بل وجد أخا في الإنسانية، وشريكا في العبادة، وسندا في الطريق إلى الله.
وفي هذا الشهر الكريم تتجدد رسالة السماء:
أنفقوا، فإن ما عند الله خير وأبقى، ووعد الله حق:
أنفق… أنفق عليك.