تقنية كريسبر ومستقبل الكرامة الإنسانية في ظل مقاصد الشريعة الإسلامية
26 فبراير، 2026
الإسلام وبناء الحضارة

بقلم د. تاليا عراوي كاتبة واخصائية في الأخلاقيات وناشطة في مجال حقوق الإنسان
شهد مشهد الطب الجيني تحولاً جذرياً مؤخراً على يد باحثين في جامعة ميه باليابان، والذين نجحوا في استخدام تقنية كريسبر-كاس 9 (CRISPR-Cas9) لتحقيق ما يعرف باسم الإنقاذ الثلاثي. ففي بيئة مختبرية، تمكن العلماء من إزالة النسخة الإضافية من الكروموسوم 21 من الخلايا البشرية بشكل انتقائي، مستهدفين بذلك الجذر الجيني لمتلازمة داون بدلاً من الاكتفاء بإدارة أعراضها. وبينما يمثل هذا الإنجاز عملاً هندسياً سريرياً هائلاً، فإنه يثير في الوقت نفسه حواراً عالمياً عميقاً بشأن أخلاقيات تعديل المخططات الأساسية للحياة وكيفية إدراكنا للتنوع في الأسرة البشرية. ويطرح هذا المعلم العلمي تساؤلاً حول ما إذا كان ينبغي القضاء على مثل هذه الحالات، مما يجبرنا على الموازنة بين مزايا التصحيح الطبي وبين القيمة الجوهرية للاختلاف البشري.
تتمحور الرؤى الدينية حول تعديل الجينات على مستوى الكروموسومات حول التوازن الدقيق بين الواجب الأخلاقي لتخفيف المضاعفات الطبية والضرورة الروحية لتكريم الكرامة المتأصلة في كل شخص كما خُلق. وبينما تدعم العديد من التقاليد العلم كأداة لتحسين جودة الحياة، يظل هناك قلق عميق من أن تؤدي هذه التكنولوجيا إلى بيئة اجتماعية تقلل من قيمة المولودين باختلافات جينية. فالأديان تعلّم أن كل فرد هو خلق متعمد مصور بروح كاملة في عين الخالق، ومن هذا المنظور لا يعد التباين الكروموسومي خللاً في إنسانية الشخص، بل هو تباين في الوعاء البيولوجي. ويحذر المنظور الديني من أن الهوس بالكمال البيولوجي يخاطر بإسكات القيمة الروحية الموجودة في التنوع البشري، مذكرًا إيانا بأن التدخل الطبي يجب ألا يتحول أبداً إلى أداة للمحو الاجتماعي.
تتحد الأديان الإبراهيمية في الالتزام بقدسية الحياة، وإن كانت تتعامل مع حدود التدخل بشكل متفاوت. فالموقف اليهودي يطرح رؤية استباقية متجذرة في إنقاذ النفس، حيث يُنظر إلى البشر كشركاء في الخلق يُشجعون على استخدام التكنولوجيا للقضاء على المعاناة الجسدية مع التأكيد على أن كل حياة ذات قيمة مطلقة. وبالمثل، تدعم الكاثوليكية العلاج الجيني الجسدي لعلاج المشكلات الصحية لدى المرضى الحاليين، لكنها تضع حداً أخلاقياً صارماً ضد تعديل الخلايا الإنباتية الذي يغير الأجيال القادمة، محذرة من ثقافة الاستغناء التي قد تعامل البشر كأشياء قابلة للإصلاح بدلاً من كونهم أبناء فريدين ومحبوبين لله. أما الإسلام فيستخدم مبدأ المصلحة لدعم التقدم الطبي الذي يمنع الضرر، معتبراً استعادة الصحة عبادة، شريطة ألا يحاول هذا العلم نمذجة الطبيعة البشرية أو التقليل من شأن المولودين بقدرات مختلفة لأسباب تجميلية أو تتبنى فلسفات ما بعد الإنسانية.
وفي الفقه الإسلامي، يُنظر إلى استخدام تقنية كريسبر من خلال عدسة الرحمة؛ إذ يُعتبر استخدام التكنولوجيا لمعالجة الأعباء الفسيولوجية، مثل مشكلات القلب الخلقية أو زيادة مخاطر الخرف المبكر، استخداماً مشروعاً للعقل الذي وهبه الخالق. ويصنف هذا تحت باب التداوي ويُعد مظهراً من مظاهر الاستخلاف البشري في الأرض. وتجد فلسفة التشجيع والتقييد الحذر لهذا العلم سندها في القرآن الكريم؛ فالتوجيه القرآني لإنقاذ الحياة في سورة المائدة يشير إلى أن من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً، مما يبرر استخدام التقنية لمعالجة المضاعفات المهددة للحياة. وعلاوة على ذلك، تحث سورة فصلت على دراسة الوراثة كوسيلة للتفكر في تعقيد آيات الله في النفس البشرية: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ.
وعلى النقيض من ذلك، يحذر القرآن من تغيير خلق الله بدافع تحسين ما تم تصويره إلهياً، كما ورد في سورة النساء في قوله تعالى وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَمَانِيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا, وهو ما يعمل كحاجز ضد استخدام العلم لتقرير من هم الأشخاص الجديرون بالوجود. بالإضافة إلى ذلك، تذكر سورة البقرة الممارسين بأن المعرفة البشرية محدودة مقارنة بالعلم الإلهي: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ, مما يشير إلى أن ما قد يدركه البشر على أنه النموذج الاجتماعي لذوي الهمم غالباً ما يحمل بركات روحية خفية ودروساً للمجتمع لا يمكن للمقاييس السريرية قياسها. وهذا يعزز فكرة أن الجسد المثالي ليس هو الهدف الأسمى للوجود البشري، بل الهدف هو كمال الروح.
تمثل مقاصد الشريعة البوصلة الأخلاقية لهذا النقاش، مما يضمن أن يخدم القانون رفاهية الإنسان وعدالته. فالمقصد الأول وهوحفظ الدين ,يعمل كحارس ضد التجاوز على الذات الإلهية، مما يضمن عدم محاولة البشر إعادة تصميم النظام الطبيعي بل تكريم كل شخص كخلق ذي غاية. والمقصد الثاني وهو حفظ النفس ,يمثل المحرك الأساسي للبحث الطبي؛ فإذا كانت التكنولوجيا تحفظ الحياة بأمان أو تخفف المعاناة الجسدية العميقة، فإنها تعتبر فضيلة دينية. أما المقصد الثالث وهو حفظ العقل ,فيعطي الأولوية للتدخلات الطبية الرامية إلى حماية الصحة الإدراكية، مثل منع التدهور المعرفي المرتبط بالظروف الجينية. ويؤكد المقصد الرابع وهو حفظ النسل على سلامة الجينوم البشري، مما يؤدي إلى الحذر من تعديل الخلايا الإنباتية التي قد تغير الأجيال القادمة بشكل دائم. وأخيراً، يتضمن حفظ المال التوزيع العادل للموارد، محذراً من النخبوية الجينية حيث لا يستطيع سوى الأثرياء تحمل تكاليف المزايا الوراثية، مما ينتهك مبدأ المساواة البشرية.يضع مجمع الفقه الإسلامي الدولي إطاراً ينظر إلى تقنية كريسبر كأداة للتدقيق اللغوي البيولوجي، حيث تسمح قراراته، مثل القرار رقم 235، بتعديل الخلايا الجسدية لعلاج أمراض محددة، لكنها تدعو إلى وقف تعديل الخلايا الإنباتية لحماية سلامة النسل ومنع إعادة تصميم الجنس البشري. ويحافظ المجمع على تمييز قانوني حاد بين التعديلات التي تؤثر على الفرد فقط وتلك التي تشمل النطاف أو البويضات أو الأجنة. وتكاملاً مع ذلك، تركز المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية على قدسية الجينوم كأمانة جماعية، وتجهر بالتحذير من مخاطر النخبوية الجينية، خشية إساءة استخدام هذه التقنية لخلق تسلسل هرمي اجتماعي قائم على الثروة الوراثية. وتؤكد المنظمة أن دور الطبيب هو أن يكون شافياً للمكلومين والمرضى جسدياً، لا مصمماً لطبقة متفوقة، مما يضمن بقاء الرحمة هي المحرك الأساسي للطب.
ولفهم المشهد الأخلاقي بشكل كامل، من المفيد مقارنة مقاصد الشريعة بالمبادئ العلمانية التي تهيمن على أخلاقيات البيولوجيا الغربية. تقوم الأخلاقيات العلمانية عموماً على أربعة أعمدة هي الاستقلال الذاتي، والإحسان، وعدم الإضرار، والعدالة. فعندما ينجح العلماء اليابانيون في إزالة كروموسوم في المختبر، قد يعطي خبير الأخلاق العلماني الأولوية للاستقلال الذاتي، أي حق الوالدين المستقبليين في اختيار حياة صحية لطفلهما، أو الإحسان المتمثل في الرغبة في القضاء على الأعباء الصحية لمتلازمة داون.
ويتداخل الإطار الإسلامي للمقاصد مع هذه المبادئ ولكنه يضيف بُعداً روحياً عمودياً؛ فحيث تنظر العدالة العلمانية إلى التوزيع العادل للتكاليف الطبية، ينظر مقصد حفظ المال الإسلامي للقيام بمصالح الدنيا والدين إلى منع النخبوية الجينية التي تنتهك المساواة الروحية بين جميع البشر أمام الخالق. وتتجلى هذه المخاوف الأخلاقية في التساؤل الجوهري حول تكلفة هذه التقنيات؛ إذ إن نجاح مثل هذه العلاجات الباهظة قد يؤدي إلى حصر الوصول إليها في يد فئة قليلة من الأثرياء فقط، مما يخلق هوة اجتماعية وبيولوجية غير مسبوقة. إن هذا السيناريو يطرح تساؤلاً أخلاقياً حرجاً: هل سيصبح الكمال الصحي امتيازاً يُشترى بالمال؟ وهل سيؤدي ذلك إلى تقسيم البشرية إلى طبقة مُصححة جينياً تمتلك القوة والمال، وطبقة أخرى تُترك لمعاناتها بسبب فقرها؟ إن هذا التفاوت لا يمثل خرقاً لمبدأ العدالة فحسب، بل هو تهديد للكرامة البشرية المشتركة.
وبينما يركز الاستقلال الذاتي العلماني على إرادة الفرد، يشير حفظ الدين إلى أن إرادتنا يجب أن تتوازن مع دورنا كمستخلفين لمخطط إلهي. ومن هذا المنظور، فإن الضرر في مبدأ عدم الإضرار ليس جسدياً فحسب، بل هو ضرر روحي يتمثل في تقليل قيمة حياة اعتبرها الخالق هادفة. توفر الرؤية الدينية سياج حماية قد تكافح الأخلاقيات العلمانية لتعريفه؛ فبينما قد تناقش الأخلاق العلمانية مقايضة التكلفة والفائدة للقضاء على حالة ما، يصر إطار المقاصد على أنه نظراً لأن لكل حياة كرامة متأصلة، فلا يجب أبداً استخدام التكنولوجيا للإيحاء بأن بعض البشر هم أخطاء بيولوجية تحتاج إلى محو من القصة الإنسانية، ولا ينبغي تحويل القدرات الجينية إلى بضاعة تجارية تعمق الانقسام بين بني آدم .وهنا تبرز المعضلة الأخلاقية الكبرى؛ إذ إن القدرة التقنية على إزالة الكروموسوم 21 تفتح الباب أمام انبعاث شكل جديد من تحسين النسل (Eugenics) يسعى إلى محو حالات معينة بدلاً من علاج أمراض قائمة، مما يرسل رسالة ضمنية مفادها أن حياة الأفراد المصابين بمتلازمة داون أقل قيمة. هذا المسار يهدد بزيادة الوصمة الاجتماعية وتقويض نظم الدعم لذوي الاحتياجات الخاصة، بل ويمهد لمنحدر زلق نحو التلاعب بالأجنة وتطبيع فكرة إصلاح التنوع الجيني تحت ضغوط مجتمعية وأبوية تعصف بالاختيار الحر. وعلاوة على ذلك، تظل التقنية تجريبية محفوفة بمخاطر التعديلات غير المستهدفة وغياب الإجماع التنظيمي الدولي، مما يجعل التطبيق السريري غير آمن أخلاقياً أو علمياً. وعلاوة على ذلك، يمتد النطاق الأخلاقي لهذا العلم ليشمل تعقيدات بيولوجية دقيقة، مثل خطر الفسيفساء الجينية، حيث قد لا تنجح التقنية في تعديل كافة الخلايا، مما ينتج كائناً بخلايا مختلطة جينياً قد تؤدي إلى عواقب صحية غير متوقعة تفوق في خطورتها الحالة الأصلية. ويستوجب هذا الانتباه لعدم الوقوع في فخ الحتمية الجينية (genetic determinism) التي تختزل كيان الإنسان في شيفرته الوراثية، متغافلة عن النموذج الاجتماعي لذوي الهمم الذي يرى أن التحدي الحقيقي يكمن في التهميش المجتمعي لا في التكوين البيولوجي وحده. كما تبرز هنا مفارقة الموافقة بالوكالة حول مدى أحقية الوالدين في اتخاذ قرارات جينية تغير هوية فرد مستقبلي بشكل دائم، ومعضلة الاستخدام المزدوج التي قد تحول تقنيات العلاج إلى أدوات لتحسين النسل وسباق تسلح بيولوجي. وأخيراً، فإن فهم الجينوم كأمانة يستدعي إدراك دور علم فوق الجينات (Epigenetics) ، إذ إن أي إصلاح جيني قد يفقد قيمته إذا لم ترافقه إصلاحات في الظروف البيئية والاجتماعية المحيطة بالإنسان.
هذه التطورات المذهلة تذكرنا بأن الأديان لم تقف يوماً عائقاً أمام العلم، بل جعلت البحث في أسرار الخلق وسيلة للترقي المعرفي. ومع ذلك، فإن القدرة العلمية لا تعني بالضرورة المشروعية الأخلاقية. ومن هنا، نوجه نداءً للمجتمع العلمي بضرورة إشراك علماء الأخلاق والفقهاء ورجال الدين في كل خطوة نحو تعديل المخطط البشري. هذا التعاون ليس قيداً، بل هو ضمانة ليبقى العلم خادماً للإنسان، وللتأكد من أن إنزيم “كاس 9” يوجهه ضمير يدرك قيمة الروح البشرية التي لا تُقاس بالمختبرات. إن الالتزام بمقاصد الشريعة يضمن بقاء تقنية كريسبر أداة للرحمة والمداواة، تحفظ كرامة كل إنسان )بغض النظر عن تكوينه الكروموسومي(باعتباره شاهداً حياً على إبداع الخالق وحكمته. فنحن لسنا مجرد نتاج لشيفراتنا البيولوجية، بل نحن أرواح تسمو فوق المادة. كما قال الإمام الغزالي ,إن نقص الكون هو عين كماله، مثل اعوجاج القوس هو عين صلاحيته، ولو أنه استقام لما رمى’. إن هذا الاعوجاج الذي قد نراه في المختبر نقصاً، هو في ميزان الوجود صلاحٌ وسرٌ من أسرار التنوع البشري، وبدونه قد تفقد الإنسانية جوهرها وكمالها الحقيقي الذي لا يُقاس باستقامة الجينات، بل بسمو الأرواح.